ما هو «الكوانتم كمبيوتر»؟



التحسّن ليس في سرعة العملية الحسابية الواحدة بل في عدد العمليات المطلوب للوصول الى النتيجة

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الكوانتم كمبيوتر، أو الحاسوب الكمومي، وقدراته الهائلة، وقد اعتبره البعض الإنجاز الأهم الذي سينقل الحضارة البشرية الى المستقبل. لكي نفهم طريقة عمل الكوانتم كمبيوتر، علينا أن نفهم طريقة عمل الكمبيوتر الكلاسيكي

علي عواد

إن أصغر وحدة قياس يستعملها الكمبيوتر تسمى "بيت" (bit) وتكون قيمتها إمّا صفراً وإما واحداً. يتحكم "ترانزيستر" في عملية تحديد قيمة وحدة القياس؛ فإذا قام بتمرير الكهرباء تكون القيمة واحداً، وإذا منع وصول الكهرباء تكون القيمة صفراً (لا يتم منع مرور الكهرباء كلياً، بل تمر بنسبة ضئيلة جداً).

إذاً كل "بيت" يحتمل أن يكون صفراً أو واحداً، وكل المعلومات المخزنة على الكمبيوتر أو على أي شكل من أجهزة حفظ المعلومات الرقمية تكون على هذا المثال. مثلاً إذا ضغطنا على لوحة المفاتيح (keyboard) على حرف a، سيظهر تلقائياً على الشاشة حرف a، الا أن حرف a في الحقيقة هو رمز مؤلف من 8 "بيت" هي 01100001 جمعوا في برمجة مسبقة وثابتة لا تتغير، والحال هكذا لكل الأحرف والارقام والاشكال الاخرى. وبالتالي إن أيّ كلمة أو صورة أو فيلم هو عبارة عن مجموعة من الأصفار والوحدات. بالعودة الى عالم الكوانتم، فإنّ الأمور مختلفة جداً الى حدّ الغرابة. هنا، أصغر وحدة قياس تسمى "كيوبيت" (qubit) اختصاراً لـ"كوانتم بيت"، وقيمتها تكون صفراً وواحداً في الوقت عينه، إلى أن يتم قياسها فتكون النتيجة إحدى الاثنتين، وفي كل مرة يتم احتسابها تأتي بقيمة مختلفة عن سابقتها، وهنا يكمن التحدي الأكبر، إذ لا يوجد حتى الآن أي طريقة للتنبّؤ بما ستكون عليه قيمة الكيوبيت النهائية بعد قياسه. تخيّل مثلاً أن لديك ثلاجة وبداخلها زجاجتي مياه، ولكن في كل مرة تفتح بابها تظهر لك زجاجة واحدة من الاثنتين وليس بمقدورك أن تعرف أيّ واحدة ستكون موجودة إلا بعد فتح الباب.
إن قوانين الفيزياء التي نعرفها لا تعمل في عالم الكوانتم كما اعتدنا، فضلاً عن أنها حيّرت العلماء منذ 100 عام حتى يومنا هذا. كيف يمكن لشيء أن يوجد في مكانين مختلفين في الوقت نفسه؟ يقول العالم ريتشارد فاينمان مبتكر نظرية الديناميكا الكهربائية الكمومية (quantum electrodynamics) ساخراً: إن كنت تعتقد أنك تفهم الفيزياء الكمومية، فأنت لا تفهم الفيزياء الكمومية، مشيراً الى القيمة الثنائية التي يتخذها الجزيء. كذلك فإن أينشتاين قال بعد عدم قدرته على تفسير لماذا تتصرف الجزيئات بهذا النحو في عالم الكوانتم: "لا يمكنني أن أتقبّل نظرية ميكانيكا الكم لأنني أودّ أن أفكر أن القمر موجود في مكانه إن نظرت اليه أو لا".
يقول البروفيسور أندريا موريلا من جامعة نيو ساوث وايلز في ما يتعلق بأهمية الكوانتم كمبيوتر، إنه يجب ألا نعتقد أن الكوانتم كمبيوتر أسرع من مثيله الكلاسيكي، بل في الحقيقة هو أبطأ! صحيح أن مجموع العمليات الحسابية التي يتطلبها الأول للوصول إلى نفس النتيجة بالمقارنة مع الكمبيوتر الكلاسيكي أقل بكثير نظراً إلى قيمة الكيوبيت الثنائية، ولكن التحسن هنا ليس في سرعة العملية الحسابية الواحدة، بل فقط في عدد العمليات المطلوب للوصول الى النتيجة.

يضيف موريلا أن هذا النوع من العمليات الحسابية لا يحتاج إليه سوى نوع معين من الخوارزميات التي لا تستعمل من قبل المستخدم العادي للحاسوب، لذا لن تستبدل الحواسيب الكمومية مثيلاتها المنزلية التي اعتدناها، إلا أنها بالتأكيد ستكون موجودة لدى بعض المراكز البحثية للقيام بعمليات تدعى الحوسبة المتوازية ولإنشاء خوارزميات محددة وخاصة. بمعنى آخر، لن يقدم الحاسوب الكمي أداءً مبهراً في الأمور اليومية التي نقوم بها على حواسيبنا الحالية، ولكن بالنسبة إلى بعض مراكز الأبحاث سيساعدهم على الوصول الى نتائج بشكل أفضل في عملياتهم الحسابية الخاصة، إذ إن الكثير من العلماء يعوّلون على هذا الجهاز الذي، وإن تكلل بناؤه بالنجاح، سيساعدهم على القيام بأمور عدة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية مثل المحاكات الكمومية (quantum simulation) بحيث سيستطيعون عندها محاكات طريقة عمل الذرات في ظروف غير اعتيادية، كما أن لحاسوب الكوانتم قدرات هائلة في عمليات البحث داخل قواعد البيانات الكبيرة، ونتحدث هنا عن بيانات بالملايين، في وقت قياسي، عكس الحاسوب الذي قد يحتاج الى سنين عدة للانتهاء من هذه العملية.
شركات ومؤسسات عدة تعمل على تقنية الكوانتم، وأبرزها التعاون الحاصل بين وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" وشركة غوغل صاحبة المحرك البحثي العملاق، اللذين باشرا الإعداد لإطلاق كمبيوتر كمومي منذ عام 2013، وهذا الجهاز المصنّع من قبل شركة دي ويف (D-Wave) الكندية تم تركيبه في مركز "ناسا" للأبحاث في ولاية كاليفورنيا. تريد "ناسا" من هذا الجهاز معالجة مشكلة الاختيار الأفضل (optimization)، أي اختيار أفضل حل لمشكلة ما من ضمن عدة حلول، لتطبقها على احدى اهم المشاكل التي تواجه مهندسيها وهي تنظيم حركة اطلاق وهبوط المكوكات الفضائية، ما يجعل السفر الى الفضاء اقل خطراً، كما تسعى "ناسا" للاستفادة من هذه التقنية في المهمات الاستكشافية؛ تخيل مثلاً روبوتاً موجوداً على كوكب بعيد يقوم بمهماته الموكلة اليه ومن ثم يحدث أمر طارئ، في هذه اللحظة لا يمكن لمشغلي الروبوت من على كوكب الأرض أن يحدثوه بأوامر جديدة، لأن زمن وصول الإشارة من الأرض الى الروبوت سيكون طويلاً جرّاء بعد المسافة بين الكوكبين، فما العمل؟ الحل هو أن يكون للروبوت نوع من الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد تكنولوجيا الكوانتم. عندها يمكن للروبوت أن يأتي بحل من تلقاء نفسه وبسرعة، من دون الرجوع الى مشغّليه على الأرض.

* للمشاركة في صفحة تكنولوجيا التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]