المصارف الرقمية... أكثر من مجرّد تطبيقات هاتفية



هل يكفي تطبيق حديث على الهاتف النقال واستخدام صرافات آلية ذكية وتقديم خدمات متطورة عبر الإنترنت لكي يوصف البنك بأنه «مصرف رقمي» بكلّ ما في الكلمة من معنى؟
مما لا شك فيه أن التقنيات التي تستخدمها المصارف في عصرنا هذا تعدّ جزءاً من التطور الرقمي الذي يشهده القطاع المصرفي حول العالم.

لكنها، عند الغوص في متطلبات المستهلكين وخصوصاً الشباب منهم، تبدو أشبه بمساحيق تبرج تحسّن من المظهر، فيما المطلوب عملية تجميل كاملة في الشكل، وتغييرات جذرية في المضمون لكي نتمكن من الحديث عن «مصرف رقمي».
ما تقوم به المصارف ليس بالسهل. الأكيد أنها تحاول جاهدة مواكبة التطورات. المشكلة تكمن في أن المطلوب يتعدى مجرد التحسين والتطوير إلى ثورة شاملة لا تبقي من القديم إلا الذكرى. مهمة صعبة على مؤسسات لطالما اعتمدت استراتيجيات محافظة في أساليب عملها وتركيبها وطريقة اتخاذ القرارات فيها، وهي مطالبة الآن بأن تتخلى عن جلدها لتشبه مجتمعاً متغيراً غير ثابت ومتقلّب الأهواء والرغبات.
إضافة إلى ما تقدّم، فإن المصارف تواجه منافسة شرسة من مؤسسات مالية حديثة وشركات ناشئة اقتحمت الفضاء المالي في السنوات الأخيرة. قوّة المنافسين الجدد تكمن في أنهم من صلب هذا العصر. ولدوا ونشأوا فيه. يشبههم ويشبهونه. بمعنى آخر ليس مطلوباً منهم الهدم للبناء من جديد والتكيّف مع التغيرات، كما هي الحال مع المصارف.
فما هو المطلوب من المصارف لكي تصبح رقمية؟

الروبوتات

نعيش في عصر الداتا. أصبح عالمنا بأسره متصلاً ومحكوماً بالبيانات. من هذا المنطلق أصبح على المصارف أن تستخدم علم البيانات بشكل أكثر فعالية بما يجعل علاقتها مع العملاء أكثر دفئاً وقرباً، وينقلها من لعب دور مقدّم الخدمات إلى دور مستشار مالي يقوم بمهامه استباقياً.
أما المستشار المالي في العصر الرقمي فلن يكون موظف المصرف، لا بل روبوت دردشة يخزّن كافة المعلومات والبيانات عن العملاء، ويكون قادراً على توجيههم وإرشادهم ونصحهم وتذكيرهم بما عليهم القيام به مسبقاً، وذلك استناداً إلى تحليل داتا كل عميل.

الواقع الافتراضي

«الواقع الافتراضي تقنية تتضمن محاكاة بيئة حقيقية أو ثلاثية الأبعاد تعمل على نقل الوعي الإنساني إلى تلك البيئة، ليشعر بأنه يعيش فيها ويتفاعل معها من خلال اللمس أو الصوت...». يساهم الواقع الافتراضي في تعزيز علاقة المصرف بالعملاء. من خلال هذه التكنولوجيا تقدم المتحدثات الآلية المشورة والعروض للعملاء، وتظهر المحاكاة من خلال الرسومات في الوقت الحقيقي، وكلّ ذلك من دون الحاجة إلى التنقل أو زيارة فرع حيث تنقلك التقنية إلى فرع افتراضي، وتكون أكثر تفاعلية من اتصال هاتفي أو حتى اتصال عبر الفيديو.
على سبيل المثال، في حال كان لديك حساب توفير لدى المصرف، يمكن للمصرف بدل أن يخبرك نظرياً عن فوائد التوفير وما ستجنيه منه، أن يريك من خلال الواقع الافتراضي ما يمكنك تحقيقه بهذا المبلغ بعد 20 سنة.

البلوك تشين

يُتوقع أن تُحدث تقنية البلوك شين ثورة في العالم ستنعكس إيجاباً على القطاعين المصرفي والمالي، كونها تختصر المعاملات الورقية وتعزّز مستويات الأمان والدقة والسرعة في عمليات التحويلات المالية وبدون وسطاء، كما أنها تقلّص النفقات التشغيلية المترتبة على استخدام الأوراق، حيث تغني التقنية عن المعاملات الورقية مما يمنح عملاء البنوك تحويلات مالية «لحظية» وبتكلفة أقل بكثير.

مرونة أكبر

من فوائد «المصرف الرقمي» أنه يساهم في تخفيض كلفة الأعمال، وزيادة الأرباح وتعزيز تفاعل العملاء وذلك من خلال خفض أعداد الموظفين، الحد من البيروقراطية والروتين الإداري، كسب الوقت بسبب اللجوء إلى التقنيات الرقمية لإنجاز المعاملات وغيرها الكثير...
لكن، حتى يومنا هذا، لا تزال معظم المصارف تعتمد استراتيجية هجينة تقوم على اعتماد تدريجي على التقنيات الرقمية الحديثة مع المحافظة على نمط الأعمال التقليدي بدون تغييرات جذرية راديكالية، ما يحرمها من الفوائد الكبيرة التي قد تجنيها في حال انتقالها إلى العالم الرقمي الصرف. ركيزة المصرف الرقمي الأساسية هي التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، ما يعني أن الفروع في هذا السياق تصبح مهامها ثانوية. فبدل أن تكون الفروع هي الأساس والخدمات الرقمية مكملاً لها، يجب أن تعكس الآية، لتصبح الفروع مكملة للنشاط الرقمي وفي خدمته، وهو ما يفرض إعادة هيكلة البنية الأساسية للمصارف.

التواصل الاجتماعي

على المصرف في حال رغب بالانتقال إلى عصر الرقمية أن يعيد النظر في استراتيجيته تجاه وسائل التواصل الاجتماعي. لا تزال معظم المصارف تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات للإعلان عن أحدث منتجاتها وخدماتها وآخر نشاطاتها، وتفقد بالتالي الإمكانيات الهائلة التي يمكن لهذه الوسائل توفيرها من حيث الأعمال.
بداية، لا تقلّ الداتا الموجودة على وسائل التواصل الاجتماعي أهمية عن الداتا الموجودة في المصرف عن عملائه. على العكس فإن وسائل التواصل الاجتماعي تعدّ مختبراً كبيراً يمكن أن يساعد المصارف على تقفي رغبات وتوجهات المشتركين وتكييف خدماتها استناداً إلى هذه الرغبات.
من ناحية أخرى يذهب بعض الخبراء أبعد من حيث اقتراح أنه في حال كتب أحد المشتركين «ستاتوس»، على سبيل المثال، عن نيته شراء سيارة فبإمكان المصرف أن يراسله ويعرض عليه قرض السيارة وشروطها.

الطاقة البشرية الرقمية

التبدّلات في رغبات العملاء تعني أن على المصرف ألا يكتفي بمواكبتها عبر التكنولوجيا فقط. فكما يتغير المستهلك على الموظف أن يتغير أيضاً من خلال التدريب. هذه التغيرات تفرض وجود موظفين على تماس مع التقنيات الرقمية وعلى اطلاع على أدق تفاصيلها. كما أن دور الموظف في خضم عملية التحوّل تفرض عليه أن يكون موجهاً ومعلماً للعملاء وهي مهام ليس بمقدور أيّ كان القيام بها.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]