ديف رندل: الموسيقى سلطانة كل الأزمنة



لقد مارست الموسيقى، من أقدم العصور، أدواراً ملازمة لحيوات البشر، وعكست بالتالي ظروف معيشتهم وشروطها. يقول ديف رندل مؤلف كتاب «سلاح فعال: السلطان السياسي للموسيقى» (sound system, the political power of music ـ لوتو ــ 2017) إنّ قصة الموسيقى تقتفي أثر علاقتنا بالطبيعة وببعضنا بعضاً.

انبثقت الموسيقى من علاقاتنا الحميمية بالعالم الطبيعي، وواكبت مهامنا البيتية مثل غسيل الملابس على ضفاف الأنهر. وفي مرحلة لاحقة، انقسمت الموسيقى عندما بدأت المجتمعات تنقسم إلى طبقات، وصارت مختلف أنواع الموسيقى تعكس تجارب تلك الطبقات التي ألفتها أو تكفلت بثمن تأليفها.
يرى الكاتب أن الموسيقى أسهمت في مرحلة لاحقة في تقديم سند لأجنداتها المتنافسة في النضال الطبقي. والدينامية الاقتصادية عادة ما حفزت الإبداع التكنولوجي الذي غيّر من صوت الموسيقى وتأثيرها. لننظر حولنا، سنرى البشر يعايشون الموسيقى، المندلعة من سماعات الأذن، وتلك المنطلقة من المتاجر والمركبات أو من موسيقيي الشوارع والحانات والمقاهي والمنازل وبيوت العبادة.

اخترقت الموسيقى كافة مراحل حيواتنا، فهي تساعد الطفل على النوم، وترافقه في جزء من لعبه، كما ترافقنا في الحروب. الموسيقي والمبدع الأفرو أميركي كوينسي جونز، المعروف بالحرف المختصر Q قال: «إن الموسيقى مستحضر غسيل العواطف أو الأحاسيس». أما الكاتب، وهو موسيقي وناشط سياسياً، أيضاً من أجل فلسطين الشعب والقضية، فيلفت الانتباه إلى أن الموسيقى وظيفته أيضاً حيث يعمل ضمن فرقة المغنية الإيرلندية سنيد أوكنر.
لا شك في تأثير الموسيقى في البشر، لكن ما تأثيرها في المجتمعات أيضاً، وليس فقط في الأفراد؟ وهذا ملخص محتوى المؤلف.

السؤال الذي يطرحه الكاتب مرتبط بكيفية ارتباط ذلك النشاط البشري بالتحولات الاقتصادية والتقنية والسياسية، وكيف شكلت عالمنا الحالي، وما إسهاماتها في النضال من مستقبل بشري أفضل.
يحكي الكاتب أن أول لقاء له بالموسيقى السياسية كان عندما لبى دعوة أصدقاء له من المسيحيين اليساريين لحضور حفلة موسيقية اسمها «غرين بِلت» للمطالبة بإطلاق سراح الزعيم العالمي الأسطوري نلسن منديلا. قال إنه لم يكن يعرف تلك الشخصية، لكنه عندما غادر الحفلة بعد نهايتها، كان على قناعة بأن نلسن منديلا يجب أن يطلق سراحه. هذا أقنعه بأنه يمكن له المشاركة في صنع المستقبل، وأن الموسيقى سلاح. حفلة «أطلقوا سراح منديلا» زرعت بذرة في رأسه، مما دفعه للاستماع إلى موسيقيين آخرين مثلpublic enemy, the disposable heroes of hiphoprisy and defranco, rage against the machine.
الكاتب يأخذ القارئ في رحلة ممتعة عبر تاريخ الموسيقى والأدوار التي مارستها في الأفراد والمجتمعات وأثرت فيهم، من أفلاطون وسقراط في عام 380 ق ت س إلى أيامنا هذه. أباطرة الصين شكلوا مكتباً إمبراطورياً خاصاً بالموسيقى مهمته الاستماع إلى تلك السائدة بين أفراد الشعب ليقينهم بأنها نذير اضطرابات شعبية. أما الكنيسة الكاثوليكية، فقد ابتدعت في القرن السادس عشر لجنة مهمتها اكتشاف المواهب وتحديد أي موسيقى يمكن أن تكون الأكثر تأثيراً في الأفراد.
في رحلته البحثية عن دور الموسيقى في الحياة الاجتماعية والسياسة، يستدعي الكاتب آراء عالم الاجتماع الألماني تيُدورأدورنو من مدرسة فرانكفورت الفلسفية الذي كتب نحو مليون كلمة عن الموسيقى، وكان من المعجبين بالمؤلف الموسيقى النمساوي آرتُلد شُنبِرغ، ودرسها على يد تلميذه ألن بِرغ. أدورنو، الذي انتقل إلى الولايات المتحدة فراراً من النازية، رأى أن البوب الناجع يشبه علبة الفاصولياء. هو منتوج للاستهلاك الجماعي صادر عن خطوط الإنتاج التابعة للصناعة الثقافية. لكن كاتبنا يختلف مع أدورنو لأن الأخير، في ظنه، لم يميز البوب التجاري عن الأصوات الصيغية الأخرى.
في الوقت نفسه، تشكل في الولايات المتحدة تحالف مثقفين يساري رأى أن الثقافة الشعبية تقدم منصة مهمة للسياسة، وأن تقاليد الأفرو أميركيين الموسيقية مثل الجاز الذي انتشر في نيو أورليانز شكل من أشكال الاحتجاج والاعتزاز البروليتاري.
وقد نشأت مدارس فكرية أخرى منها عشاق مدرسة موسيقية يسارية ضمت مجموعة موسيقيين في «كلية مورلي» في جنوب لندن، وغيرها.
يتعامل الكاتب مع مختلف تجليات المناحي الموسيقية في أيامنا هذه ومنها مسابقات «ذا فويس» التي تشجع المستمعين والمشاهدين على الاهتمام بالفائز بدلاً من الاهتمام بكيفية جعل أصواتنا نحن تُسمع.
المنظرون الثقافيون الولعون بموسيقى البوب، يذكرون القارئ ــ دوماً وفق الكاتب ــ بأن كل خيار فني يمكن أن يحمل رسالة سياسية، حتى في قَصَّة الشعر. القائمون على الرقابة في مختلف الدول يوافقون على ذلك، ذلك أنهم منعوا أغنيات وقطعاً موسيقية بل حتى عملوا على قص شعر الفنانين والمعجبين عندما رأوا أن تسريحاتهم هدامة!
لكن الكاتب يرى أنه من غير المجدي تقسيم الفن إلى «الفن الرفيع فنهم» و«الفن الشعبي فننا». برأيه أن أنواع الموسيقى كافة يمكن أن تمارس دوراً هداماً أو بناءً. تعلّم ذلك إبان رحلته الموسيقية إلى جنوب إفريقيا عام 1997 للتضامن مع نلسن منديلا. بعد الانتهاء من العرض، جلس إلى جانب سيدة في مأدبة العشاء وسألها عن عملها، فأخبرته بأنه إقناع الشباب بين الثامنة عشر والخامسة والعشرين بالتدخين! لقد اكتشف أن شركة «كمل» (camel) دعمت تلك الجولة الموسيقية، واستخدمتهم، هم اليساريون، لخدمة أهداف الشركة!
من النقاط الأخرى التي يتعرض الكاتب لها في هذا المؤلف المهم هو دور الموسيقى في الربيع العربي. هو يشدد على أن الموسيقى هي التي مارست الدور الرئيس فيه، ومن ذلك على سبيل الذكر موسيقى «رئيس البلاد» للتونسي حمادة بن عمر (الجنرال) التي انتشرت عبر وسائط التواصل الاجتماعي في السابع من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2010، أي قبل انتحار التونسي محمد بوعزيزي في السابع عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه. كما يستدعي الكاتب دور الموسيقي المصري رامي عصام صاحب أغنية «إرحل»، إضافة إلى دور نشيد «بلادي بلادي» للفنان سيد درويش الذي غنته الجماهير في ساحة التحرير واستعادته من النظام الساداتي عندما جعل منه النشيد الوطني.
أمثلة هذا المؤلف الممتع أكثر ما يحويها أي عرض، لكن لعله يشجع أهل الاختصاص على دراسة دور الموسيقى في مجتمعاتنا.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]