مصطفى طلاس... «يُحاكي صولة الأسد»



كان طلاس من بين الضباط السوريين الذين خدموا في القاهرة زمن الوحدة (أ ف ب)

يتوالى رحيل «رجالات سوريا» الذين رافقوا الرئيس حافظ الأسد في حكمه. آخر الراحلين مصطفى طلاس، «هاوي التصوير» الذي أراد صوغ صورة عن نفسه بأنه كان «صمام أمان الحكم»، لدرجة أنه حين استذكر في واحد من كتبه «أحداث الثمانينيات» التي كان رفعت الأسد نجمها، بدأها بعبارة يُقال إنها لمعاوية: «صه... إنها السلطة... فوالله لو كانت في صدرك لانتزعتها من كبدك»

محمود مروة

نحو 17 عاماً، هي الفترة التي فصلت بين رحيل الرئيس السوري حافظ الأسد، ورحيل «وزير دفاعه» منذ عام 1972 العماد أول مصطفى طلاس، الذي أُعلِنت وفاته أمس في العاصمة الفرنسية باريس. لكن برغم الفترة الطويلة التي عمل خلالها العماد طلاس وزيراً للدفاع، والتي امتدت حتى 2004، فإنّه لا يُعدُّ بين أبرز وجوه الجيش السوري الذين عادةً ما يحتلون صفوفاً خلفية بعيدة عن الإعلام.

سيرته واضحة المعالم بغالبها، أقلّه منذ عام 1970، فيما شابها بعض الغموض في أعوامها الأخيرة، بخاصة بعد 2012. فهو في ذلك العام غادر دمشق «للعلاج» في فرنسا كما قال، إلا أنه لم يعلن موقفاً صريحاً من «الانشقاق». وبرغم أنّ خروجاً كهذا في عام مثل 2012، والمكوث في عاصمة غربية كانت معادية لحكومة دمشق، لا يمكن تفسيره من عدّة زوايا، إلا أن العماد طلاس، وفي مداخلات إعلامية قليلة أجراها منذ ذلك العام، كان يُصوِّر نفسه بأنّه ما زال في موقعه السياسي.
وخلال الأعوام الأخيرة، فإنّ ما زاد من طرح الأسئلة حول طلاس، واقع «انشقاق» نجليه، رجل الأعمال فراس، والعميد مناف. ذهب الأول في طروحاته السياسية بعيداً إلى حدّ الحديث عن عدم ممانعته «إقامة سلام دافئ مع إسرائيل»، بينما لا يزال الثاني يواصل مشروعه الذي بدأه عام 2012 حين اعتقد أنّ بالإمكان الخروج من دمشق (وعليها)، بغية العودة «قريباً» على ظهر صفقة إقليمية ــ دولية تجعل منه «الدعامة السنيّة لنظام دمشق الجديد»، في محاكاة لصيغة الطائف اللبنانية التي أنهت الحرب في بداية التسعينيات.
ابن الرستن، المدينة الصغيرة الواقعة في شمال حمص، بدأ مسيرته في الجيش حين تخرّج من الكلية العسكرية ملازماً في سلاح المدرعات عام 1954، علماً بأنه يُقال إنه انتقل إلى سلاح المدرعات في الكلية بعدما أخفق في سلاح الجو. هذه المسيرة العسكرية جعلته يُعايش تاريخ سوريا المضطرب في عقدي الخمسينيات والستينيات. وبعد منتصف العقد الأخير، وقف إلى جانب وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد، ضمن الانقسامات التي عصفت بـ«حزب البعث»، ورافقه في مرحلة الصعود إلى رأس السلطة.
وهو أيضاً كان من بين الضباط الذين خدموا في القاهرة زمن الوحدة التي أرادتها «مصر ــ عبد الناصر» بين عامي 1958 ــ 1961، وقد نُقِل إلى «الجيش الثاني» في القاهرة حيث خدم في سلاح المدرعات، وبقي هناك حتى الانفصال.
معارضو الرئيس حافظ الأسد ينظرون إليه على أنّه كان مجرد «واجهة سنيّة للنظام»، وأنه ذو دور كبير في ما جرى في مدينة حماه عام 1982 خلال مواجهة تمرد أو محاولة انقلاب «الإخوان المسلمين».
وإذا كان الحديث بالأساس عن «واجهة سنيّة» يحتاج إلى تفنيد موسّع، فإنّ طلاس من جهته يُصوِّر نفسه هو على أنه كان من بين أكثر المقرّبين إلى الرئيس السوري، ويستند في روايته إلى أحداث الثمانينيات و«المواجهة» مع رفعت الأسد، وهي مرحلة أسهمت بلا شك في صناعة صورة «طلاس ــ الرجل القوي». وبما يُخصُّ أحداث 1982، وما رافقها من أحداث في حلب أيضاً، فقد نقلت عنه الصحيفة الألمانية «دير شبيغل» في عام 2005، قوله: «أي أحد يريد السلطة فعليه أن يأخذها منا بالسلاح».
من جهة أخرى، يهوى طلاس أثناء عودته في مذكراته للحديث عن دوره في الدولة السورية، رسم صورة صمام الأمان للحكم. حتى أنه في روايته عن أحداث الثمانينيات (بعنوان: ثلاثة أسابيع هزت دمشق)، يقول إنه «بعد جلسة المصالحة التي جرت بين الرئيس الأسد وشقيقه رفعت، قال رفعت للسيّد الرئيس: أقسم لك بالله، إنه لولا العماد مصطفى طلاس، كل جماعتك في الأركان لا يساوون فرنك... كان الوحيد المستعد للقتال».
وبعد تقاعده، كان طلاس يُكثر من الحديث عن قربه من الرئيس حافظ الأسد، ويكشف عدداً من الأمور، ويُقال إنه ظلّ على ذلك المنوال حتى آخر حياته (صفحة على فايسبوك يبدو أنّ أحد المقربين كان يديرها حتى 2016، وهي باسمه، كُتب فيها: القائد الخالد حافظ الأسد رمز وطني وعربي مشهود له عالمياً، حبه ليس فرضاً على كل السوريين ولكن احترام مسيرة الاستقرار التي نعمت بها سوريا وشعبها بفضله، واجب). ويُقال إنّ طلاس كان «يخترع المناسبات» لاستعادة الحديث عن علاقته بـ«الرئيس حافظ»، والتذكير بأقوال للأخير مثل «إنّ تحطيم التاريخ يعني تحطيم الجغرافيا»، وربط نفسه به، حتى علّق أحد «الخبثاء» مرة على ذلك، باستعادة بيت الشعر (بتصرف): هو «كالهر (يُحاكي) انتفاخاً صولة الأسد».
ولا يَخفى أنّ شخصية العماد طلاس، كانت تتصف بالغرور الكبير، إلى درجة أنّه في مذكراته «مرآة حياتي» يقيس نفسه بالجنرال الفرنسي ديغول والماريشال الروسي جوكوف. حتى في مذكراته، يتحدث عن يوم ولادته الذي تزامن و«حصاد الشعير»، بوصفه «حدث العائلة السعيد». وعلى صعيد آخر، كان يقارن نفسه بعض الأحيان بعد تقاعده، بشخصيات مثل رئيس الأركان الراحل حكمت الشهابي، ويقول علناً إنه كانت له علاقات بالـ«سي آي ايه»، ويلمّح بالأمر نفسه بما يخص عبد الحليم خدام (طبعاً، شتان بين شخصية مثل خدام التي لعبت على موازين القوى الإقليمية وشخصية طلاس، الذي كان يدرك أنّ «دعائم العقيدة في قلب النظام» تمدّ الحكم بالعمر، فلعب على تكريس روابط المؤسسة العسكرية السورية بالعروبة والقضية الفلسطينية).
هذه الصورة التي رسمها عن نفسه، عززها في أوقات لاحقة بصورة «المثقف» الحائز شهادتي دكتوراه، وصاحب الكتب العديدة والمتنوعة في مواضيعها (بعضها عن الطبخ!)، إضافة إلى أنه أسس دار نشر، هي «دار طلاس للدراسات والنشر» (صورة القائد العسكري المثقف، تجعله مثلاً في كتابه «مرآة حياتي»، يعيد نشر كيف نظر إلى مسألة سلمان رشدي وكتابه «آيات شيطانية» الصادر نهاية الثمانينيات).
شخصية طلاس وما يُتَّهم به، وحتى مسيرة نجليه راهناً، لا تلغي أنّه كان واحداً ممن أسسوا «الجيش العربي السوري»، وأنه أسهم في مسيرته منذ «حرب تشرين» 1973. وللإشارة، فعن اتهامه بأنه لم يشارك في تلك الحرب، يردُّ في مقابلة صحافية أُجرِيت معه عام 2004، قائلاً: «فليسأل هؤلاء العدو الإسرائيلي... من كان حاسماً؟ وليسألوا من كان يذهب يومياً الى لبنان في حرب عام 1982 ومن قصفه الطيران الإسرائيلي غير مصطفى طلاس؟».
وتطول لائحة الاتهامات الموجهة إلى طلاس (من الأحاديث عن تحرشات جنسية وخياناته، مروراً بأعداد الإعدامات التي أقرّها، وصولاً إلى «الثروة» التي جمعها). لكن من جهة أخرى لا بد من إلقاء الضوء على وجه آخر لهذه الشخصية، التي كانت تتصف بأقوالها الفظة. وعلى سبيل المثال، فإنّ وصف أنور السادات بـ«الخائن»، وتحقير وليد جنبلاط بالقول: «نحن صنعناه»، يُعدّان لطيفين أمام ما ناله ياسر عرفات. ففي كلمة لطلاس ألقاها في نهاية التسعينيات في لبنان، وصف عرفات، في أقل ما يُنقل، بـ«الكلب الأسود في البيت الأبيض»، فيما تناول دائرة المقربين من عرفات في «مرآة حياتي» بوصفهم «أصحاب الدكاكين الذين باعوا القضية في فيينا... (فيما) لم ينسَ كبيرهم (عرفات) أن يرفع أصابعه على شكل أذني حمار منتصبتين... مقلّداً تشرشل الذي ابتدع هذه الحركة كإشارة للنصر إبان الحرب العالمية الثانية». هذه الألفاظ، التي لا ننقل منها إلا أكثرها تهذيباً، تعكس مواقف دمشق إزاء عدد من الملفات الإقليمية، وهذه قصة أخرى عن طلاس الذي شارك في صناعة مواقف دمشق السياسية في شرق أوسط يزداد اشتعاله... منذ عقود.


رواية عن «نقل الحكم»

في كتاب «الرواية المفقودة»، يتحدث نائب رئيس الجمهورية، وزير الخارجية الأسبق، فاروق الشرع، عن يوم العاشر من حزيران 2000، حين حضر إلى «بيت الرئيس» وفهم «بإيماءة» من اللواء آصف شوكت أنّ «جثمان الرئيس (حافظ الأسد) مسجى في الغرفة المجاورة».
وهنا يشير الشرع إلى دور طلاس في عملية انتقال الحكم، قائلاً: «لم يتساءل أي منا في جلسة حزينة كيف حدثت الوفاة المفاجئة، لكن العماد مصطفى طلاس كسر الصمت، واقترح مباشرة تعديل الدستور كي يتمكن الدكتور بشار من تولي الرئاسة. وتابع بأنّ التعديل المقترح يتطلب إبلاغ رئيس مجلس الشعب عبد القادر قدورة لعقد جلسة طارئة لهذا الغرض». هذه رواية الشرع عن «دور طلاس»، وهناك روايات عدة أخرى عن الموضوع نفسه... برغم اختلاف السياقات.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]