الكون ليس ثلاثي الأبعاد؟



أثبتت التجربة إحدى التوقعات النظرية التي أتى بها أينشتاين في نظرية النسبية العامّة قبل 100 عام

بحسب حواسنا وإدراكنا الحسيّ المباشر، وبحسب نظريات الفيزياء الكلاسيكية التي طوّرها العلماء على مدى آلاف السنين وصولاً حتى مطلع القرن العشرين، يعتبر الكون مشكلاً من ثلاثة أبعاد في المكان، بالإضافة إلى بعد آخر هو الزمان المستقل والمختلف في طبيعته عن أبعاد المكان بحسب تلك النظريات. إلا أنّ للفيزياء الحديثة نظريات أخرى تحوي أبعاداً أكثر للمكان، وهي نظريات ما زالت تنتظر الاختبارات التطبيقية لقياس صحة استنتاجاتها

عمر ديب

تتنبأ عدة نظريات فيزيائيّة حديثة بوجود أبعاد أخرى إضافية ومخفيّة عن إدراكنا، وأهمّ هذه النظريات هي "نظرية الأوتار الفائقة الدقة" Superstring Theory، والتي تحاول تفسير وجود هذه الأبعاد.

إلّا أنّ فرضية جديدة في نظرية "الأمواج الجاذبية" Gravitational Waves قد تكون هي أيضاً مدخلاً مناسباً لتفسير الأبعاد المكانية الإضافية. وبما أن نظرية الأمواج الجاذبية قد تم اختبارها مؤخراً ويجرى قياس تأثيراتها اليوم في العديد من المراصد المختصة حول العالم، وبما أنها أصبحت مثبتةً نظرياً واختبارياً، تصبح مسألة دراسة أثر الأبعاد المكانية الإضافية من خلالها أقرب إلى التحقق من تلك المرتبطة بنظرية الأوتار الفائقة الدقة.

ضعف قوة الجاذبية

تحاول الفرضية الجديدة الإجابة عن السؤال المزمن الذي لم تجد له الفيزياء أجوبة مقنعة بعد، وهو حول سبب ضعف قوة الجاذبية أمام القوى الأساسية الأخرى مثل القوى الكهرومغناطيسية والقوى النووية التي توحد نواة الذرات وتلك المسؤولة عن تفاعلاتها النووية. فالجاذبية قوة شديدة الضعف ولا تظهر تأثيراتها إلا بوجود أوزان هائلة كالكواكب والنجوم، أما الأجسام العادية فتكاد تكون جاذبيتها صفراً، فيما تستطيع أصغر الشحنات الكهربائية ممارسة قوة دفع أو جذب ملحوظة رغم ضآلة حجمها وكتلتها. الجواب الذي تقدمه هذه الفرضية هو أن قوة الجاذبية تتسرب باتجاه الأبعاد الإضافية التي لا نستطيع قياسها أو ملاحظتها الآن. وبالتالي تقدم هذه النظرية فرضية قابلة للقياس يوماً ما لاختبار صحتها من عدمه، وهو ما يعد خرقاً مزدوجاً في فهم ضعف القوة الجاذبيّة من جهة، وفي إثبات (أو دحض) وجود الأبعاد الأخرى. ظلت الأبعاد المكانية الإضافية مسألة مثيرة للجدل لوقت طويل، وربما تستطيع الأمواج الجاذبية تقديم مقاربات جديدة حول هذه المسألة كونها تتناولها من زاوية مختلفة تماماً عن السابق.
الفيزياء السائدة والمثبتة اليوم ترى الكون رباعي الأبعاد، مشكلاً من ثلاثة أبعاد مكانيّة وبعد زماني مع فارق هام تطوّر بعد نظرية النسبية الخاصّة التي قدمها أينشتاين للعالم عام 1905، حيث أصبح البعد الزماني مرادفاً للأبعاد المكانية ومتداخلاً معها، وسقطت عنه استقلاليته وتميّزه السابق. صار الزمان نسبياً مرتبطاً بسرعة المشاهد، وصار لكلّ مشاهد إطاره الزمني الخاص المرتبط بمكانه، والذي يمكن أن يقيس أوقاتاً مختلفةً للحدث عينه على سرعات مختلفة. يتداخل المكان والزمان في الفيزياء الحديثة، وتظهر كل الاختبارات دقّة متناهيّة في توقعات هذه النظريّة. لذلك تظلّ نظريات الأبعاد الإضافية كلّها مصدر إقلاق لراحة المعرفة السائدة، وتبقى أيضاً دون اختبارات جديّة حتى اليوم. هذه الأبعاد الإضافيّة بحسب النظريات هي غير مرئية بسبب صغرها الشديد بالمقارنة مع الأبعاد الأخرى، تماماً مثل الخط المستقيم الذي يظهر مكوناً من بعد واحد فقط بسبب صغر عرضه بالنسبة إلى طوله، غير أننا نتحدث هنا عن ستة أبعاد متناهية الصغر حيث تقل في أحجامها عن أصغر الجزيئات الدقيقة بأضعاف كثيرة، ما يجعلها غير قابلة للقياس إلى جانب الأبعاد المكانية الثلاثة الأخرى.

نظريّة الأوتار الفائقة الدقة

تفترض نظريّة الأوتار الفائقة الدقة وجود 10 أبعاد مكانية - زمانية، أي أنّها تتوقع وجود 6 أبعاد مكانية إضافية كي تستطيع تفسير المكونات المتناهية الدقة التي تشكل المادة الأصغر أي جزيئات "كوارك" التي تتكون منها البروتونات والنيوترونات داخل نواة الذرات الصغيرة المشكّلة للمادة. وتعتبر أن الكوارك يتكون من أوتار صغيرة تحمل كميات من الطاقة وتهتز تماماً كالوتر المشدود، لتشكّل معاً أصغر مكوّن معروف من جزيئات المادة. تفترض المعادلات الرياضيّة لهذا النموذج الفيزيائي وجود 10 أبعاد كي تكون حلولها مطابقة للواقع المادّي، أي أن ظهور الأبعاد الإضافية هو نتيجة توقعات أو حاجات رياضية وليس نتيجة مشاهدات فيزيائيّة.
إلّا أنّ لهذه النظرية ثغراتها الأخرى أيضاً، أيّ أنّها نظريّة غير مكتملةٍ تماماً حتى اليوم، رغم أنّها صارت في عقدها الثالث، إذ بدأ تطويرها منذ أواسط ثمانينيات القرن العشرين. ولعلّ أهمّ ما يتوقعه الفيزيائيّون من هذه النظرية هو قدرتها على ردم الهوّة الشاسعة بين نظريات الجاذبيّة ونظرية الكوانتم، إذ تبدو هاتان النظريتان - الصحيحتان كلّ في مجال تطبيقها – بعيدتين كليّاً في معادلاتهما ومقارباتهما عن بعضهما البعض. ويستحيل في النظريات المتوفّرة اليوم دمجهما لتطوير نظريّة جديدة تستطيع تفسير الأجسام الصغيرة جدّاً ذات الفيزياء الكمومية عندما تكون تحت تأثيرات حقول جاذبيّة قوية جداً من أجسام فضائيّة هائلة الكتلة. إلّا أنّنا اليوم لا نزال بعيدين كثيراً عن تحقيق هذه الوحدة بين مجالات الفيزياء المختلفة، كما أنّنا أيضاً بعيدون عن رصد أو اكتشاف بعدٍ إضافي واحد، فكيف بستة أبعاد كاملة؟

اختبار الأبعاد الإضافيّة غير المدركة

العام الماضي، خطا العلم باتجاهٍ واعد، إذ تمكنت مراصد فلكيّة مختصة من قياس الأمواج الجاذبيّة التي خلّفها تصادم ثقبين أسودين إثر دورانهما السريع حول بعضهما، ما أدى إلى إحداث تموجات في بنية الفضاء نفسه. لقد أثبتت هذه التجربة إحدى التوقعات النظرية التي أتى بها أينشتاين في نظرية النسبية العامّة قبل 100 عام بالتمام والكمال. تستطيع هذه الموجات المتشكلة من حركة الأجسام ذات الكتلة الهائلة الانتقال عبر مسافات بعيدة في الكون بسرعة موجات الضوء، إلّا أنها غالباً ما تكون شديدة الصغر مما كان يعيق عملية رصدها.

الفرضيّة الجديدة حول إمكانية اختبار الأبعاد الفضائيّة الإضافيّة غير المدركة في الكون تستند إلى فكرة مفادها أن موجات الجاذبية يفترض أنّ تنطلق عبر كل الأبعاد المكانية المتوفّرة، وليس فقط عبر الأبعاد الثلاثة التي نعرفها. وبحسب النموذج النظري المستخدم، سوف تكون لموجات الجاذبية تأثيرات واضحة في الأبعاد الإضافية، إذ أنها ستؤدي إلى نشوء موجات ذات تردّدات أعلى بكثير من موجات الجاذبية في الأبعاد العادية، كما أنها ستؤدي إلى تغيير بنية المكان بقيم مختلفة في الاتجاهات المختلفة. كلا التأثيرين قابل للقياس بحال وجود اختبارات مناسبة وتكنولوجيا سانحة.
بالنسبة إلى الأثر الأول، نحتاج إلى بناء مراصد شديدة الحساسية، وبعدة أضعاف أكثر من تلك الموجودة، لذا يصعب بناؤها اليوم وتعد خرقاً علميّاً بحد ذاتها لأن الترددات المرتفعة تستوجب قدرة أكبر على رصد موجاتها الأقصر. لا نستطيع اليوم قياس هذا المؤثّر إن وجد، لكنّ إن تمكنّا قريباً من بناء مرصد بهذه المواصفات، فسوف نستطيع إثبات وجود أو عدم وجود هذه الأبعاد بشكل قاطع وبما لا يقبل الشكّ، لأنّه لا توجد أيّة ظاهرة فلكيّة أخرى تبثّ موجات من هذا النوع ويمكن أن تصعّب علينا تمييزها عن بعضها. سوف تكون تلك الأمواج الجاذبية ذات الترددات المرتفعة علامة فارقة لفيزياء جديدة ثوريّة لا يمكن إغفالها إن وجدت.
أمّا الأثر الثاني، فهو يكمن في رصد كيفية تأثير الموجات الجاذبيّة في الأبعاد الثلاثة العادية على تموجات بنية المكان زيادةً أو نقصاناً عن البنية المتوقعة والمرصودة حالياً. هذا الأثر هو أثرٌ صغير، لكنّه قابل للرصد من خلال التكنولوجيا الموجودة حالياً عبر تعديل الاختبارات الحاليّة بشكل يسمح بقراءة هذا الأثر. سيكون هذا الأثر أيضاً علامةً فارقةً وسيتيح مباشرةً إثبات أو دحض وجود الأبعاد الإضافية. أما المدى الزمني لتطوير هذه الاختبارات فيفترض أن يكون خلال فترة قريبة تقدّر ببضع سنوات.

استكمال العمل النظري

أهميّة هذا البحث هو أنّه يجعل من مسألة الأبعاد الإضافية موضوعاً قابلاً للقياس للتأكيد أو الرفض، بعكس توقعات نظرية الأوتار الفائقة الدقة التي لا يوجد لها أي مجال اختباري منظور. والأهميّة الأخرى هو أنه سيتيح، بحال وجود الأبعاد الإضافية، تفسير سبب ضعف الجاذبيّة بالمقارنة مع القوى الأخرى، وسوف يكون السبب أنّها تتسرّب باتجاهات وأبعاد أخرى، وأننا لا نرصد عملياً في عالمنا الثلاثيّ سوى جزء يسير منها. كل اكتشاف سوف يكون ثورةً علميّةً بحد ذاته، إلّا أننا اليوم صار لدينا نظرية علميّة تسمح باختبارهما معاً في مدى زمنيّ منظور، حيث يستوجب أوّلاً استكمال العمل النظري ثم الدخول في تعديل الاختبارات القائمة بحثاً عن هذه المؤشرات. وفيما يصعب تقدير الوقت المطلوب لذلك، إلّا أن وجود تفسير قابل للقياس هو بالحد الأدنى بداية في طريق لم تكن مرئية قبل ذلك.
وفي الوقت الذي يحتدم فيه الجدل حول وجود أبعادٍ إضافية في بنية المكان الذي نعيش فيه، أصبحت لدينا نظريّة قد تشكّل يوماً الحكم الفصل بين هذه الآراء المختلفة.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]