هلا شقير تلاحق الضوء بين ثنايا الذاكرة



«بدون عنوان» (أكريليك على كانفاس ــ 60 × 64 سنتم ــ 2016)

كتلة مشاعر وأحاسيس تُضخّ في اللوحات. هكذا يمكن تعريف معرضها «أنت قلت... اليوم زهور» الذي تحتضنه «غاليري أجيال الحمرا». يشعر المتلقّي أنه أمام لوحات نختزنها في ذاكرتنا البصرية... أشبه بعناصر متكررة صافية، جاذبة، مغناطيسية، عاطفية. تصفها الفنانة اللبنانية لنا بأنّها «وعود... والوعود أجمل من التحقق»

نيكول يونس

«أنت قلت... اليوم زهور» هو العنوان الذي اختارته هلا شقير (1957) لمعرضها الفردي في «غاليري أجيال الحمرا». مجموعة لوحات أكريليكية أقرب إلى حركة الحياكة الحريرية أو صياغة المجوهرات، بريشة صغيرة برفع الخيط.

والأهم أنّها غالباً تنويعات على لون واحد. تعتمد على التكرار لعنصر تشكيلي شبه موحد. تطرح على الرائي ألف تساؤل بصري: هل هذه منترا؟ أو كم هي كذلك! هل هي سجاجيد حديثة محيّكة حرة التأليف؟ أم هي من المقلب الآخر رؤى؟ أم ذاكرة بصرية؟ أم حنين؟ أم أثر؟ أم هي الكل؟ معرضٌ يأتي بعد سنتين من العمل الدؤوب لما يقارب ثماني ساعات يومياً متى وجدت هلا شقير قماشة اللوحة أمامها.
المجموعة المعروضة هنا لا تجذب الأسئلة كالمغناطيس فحسب، بل أيضاً تقدم الإجابات من خلال أثرها المباشر على المتلقي. هي تجيب بالفعل لا بالقوة، أقرب ما تكون إلى فعل تطهيري للرائي، يستحوذ على كليته بخطوطه الرفيعة الرقيقة الناعمة. ينتقل معها في رحلة عبر الوقت إلى حدود الفرح والحزن والخوف والوعد والذكرى أو إلى أفق المتعة بإعادة تذوق الأثر البصري المنسي في القلوب، فنرى فقط وفقط حين نغمض العيون. وهي إلى ذلك بلا شك فعل تطهُّري للذاكرة المنبعثة من أعماق قلب الفنانة إلى يدها فعينيها. تلخص تاريخ عواطفها وعواصفها الداخلية في رمز وشيفرة صغيرة تختزل فيها الكون وتكررها كأنها تقول للدنيا، هذا أنتِ. كلك هنا، تتكررين بإدهاش متغير ومتحول، بألوان مختلفة وإن كانت موحدة الجذر التكويني.
وللمفارقة أنّ اللون الأخضر الذي لا يعني لهلا شقير شيئاً في الحياة العادية هو خيارها هنا. لماذا؟ تحاول أن تستذكر، في غمضة عين، «أذكر ذلك الضوء، الداخل إلى بيتنا، وأمي تضيف الزيت إلى اللبنة، لتعلمني كيف آكل». تتوقف عن الكلام، تشيح بنظرها قليلاً لترى أبعد في داخلها. ترى بفرح، بحنين، ذلك الضوء الضيف عبر الشباك: «هو هذا الشعور، هذا الإحساس هو ما كنت أبحث عنه!» تقول بشفافية مطلقة. «غريبة علاقتي بالألوان، لا أشعر أنني أبحث عن اللون، أظنني هكذا أصل إلى ما أريد. هذا هو الشباك والشمس والزيت، هذا ما أبحث عنه. أبحث عن الضوء لا عن اللون! على انعكاس الضوء في مكان معين وليس على اللون، على ذكرى انطباع الضوء في مكان معين، ما يعطينا الشعور السابق، أو بالأحرى ما يعيد لنا ذلك الزخم العاطفي لتلك اللحظة» تقول مقتربة من اللوحة، كأنّها تقترب من اللحظة تلك. أو ليست اللوحات بغالبيتها ذكرى للحظات؟ لشعور؟ لعاطفة كامنة؟ لفكرة ما زال أثرها فينا؟


كتلة مشاعر مكثفة تضخ في اللوحات، هي بلا شك أثر عميق مطبوع في العقل والقلب. وهلا لا تفكر بما ستؤول إليه اللوحة قبل الشروع بلمس الريشة لها: «أعمل انطلاقاً من حدسي، بعفوية، من دون تخطيط مسبق. والخطأ هنا إن حصل، يظهر كبيراً. لكنه يسمح لي بالتقدم والتطوير، فأبحث عن حلول بصرية. وأكمل العمل، ولا ينتهي إلا بانتهاء المساحة كاملة».
هو إذا اختزال لكل الحياة، بتجاربها، بأملها بالحلول، بأخطائها، بما هي عليه. هي لوحات أكثر ما تذكر بنقطة الحبر عند امتزاج خيوطها بالماء، أو أول انبعاث العطر من زهر الليمون مع النسيم، هي مطلع prelude للوحات نختزنها في ذاكرتنا البصرية. تتكون أمامنا كعناصر متكررة صافية موحدة الجذر اللوني، جاذبة، مغناطيسية، عاطفية، أو هي على حد تعبير هلا شقير «وعود.. والوعود أجمل من التحقق».
من هنا كان العنوان: «أنت قلت... اليوم زهور». هو وعد، والوعد مطلع التحقق، والتحقق انتهاء.
تستذكر هلا مشاوير الطفولة مع أمها تجمعان الزهور. تستذكر كل العواطف: «لقد تربيت في جو فني، ولكن كان لدي ميل لهذا العالم في الاساس. أشعر أن يديّ وحدهما تعملان. صنعت لأطفالي مثلاً دكانة مصغّرة فيها كل انواع الخضار والفواكه. كيف تم ذلك؟ فعلاً من دون أن أفكر. وهذا بدأ منذ سنوات طويلة، إن يديّ لهما منطقهما الخاص. كنت كل حياتي أشعر به رغم أن أمّي كانت تفضل أن أدرس السينما، وهذا ما حصل. لكنني كنت دائماً أصنع شيئاً بيديي ولم اتوقف قط منذ خمسين سنة! أكيد توجيه أمي موجود، لكن كنت في غرفتي، وهي في عملها. لكن هذا الشغف اليدوي للتشكيل رافقني منذ عمر الـ 6 أو 7 سنوات، وقد كنت محظوظة أنّني ربحت جوائز حتى في ذلك الحين. نعم، أثر أمي موجود، فهي لم تكن لديها مشكلة في أن أرسم على الحائط مثلاً. كانت تلعبني بالطين، وتشوي الأعمال التي اصنعها. وتحبها».
في حديثه معنا، يقول صالح بركات: «لم أكن أعلم أنّ هلا فنانة، كنت أعمل معها على مجموعة والدتها (الراحلة الكبيرة سلوى روضة شقير)، إلى أن رأيت صدفة لوحة عندها في البيت. فتساءلت مندهشاً: لمن هذا العمل؟ فأجابت أنّه لها. اتفقنا على التعاون، وكانت الثمرة الاولى معرضاً فردياً لها عام 2015، كله أعمال ورقية صغيرة». ويضيف بركات: «عمل هلا شقير مختلف كلياً عن العمل المفهومي لوالدتها. هلا شقير ترتكز في لوحاتها إلى العمل الدؤوب.
هناك نص جميل في كاتالوغ المعرض السابق تشرح فيه ماهية عملها، إذ تقول: ضعت في مساحة مربع منطوٍ. ثم تكمل النثر لتصف أو تعتبر نفسها كالنملة تنقل البذور الصغيرة، ويمر الوقت، وتبني عالماً من هذا «الصمت بين صوتين» على حد تعبيرها». ويبقى أنَّ أبلغ توصيف لكيفية عمل وماهية أعمال هلا شقير، هو نثرها: «سألت الزوايا عن الأسرار والخفايا، فانفك يتدلل ولم يجب وعاد مربعاً، فمسكته بيدي. رددت سؤالي، فانكوى وملست زواياه وسكت، كأنّه ما برح من مكانه، فلفني ونام معي، ففهمتُ أن السؤال جوابي، سألني وما اجبت فلففت العالم معه، وتركت الوعي خلفي».

«أنت قلت... اليوم زهور»: حتى 6 أيار (مايو) ـــ «غاليري أجيال الحمرا» ــ للاستعلام: 01/345213

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]