«بيت بيروت»... هل يُجهَض الحلم؟



حيتان النظام اللبناني تحاصره والمحافظ متمسّك بالأمل


(مروان بو حيدر)

بعد سنوات من العمل على ترميم «مبنى بركات» الأثري في منطقة السوديكو بهدف تحويله إلى متحف وملتقى وفضاء لحفظ الأبحاث، فوجئ الجميع أخيراً بافتتاح مكتبته ضمن ما يشبه «نشاطاً اجتماعياً» لا يمتّ إلى ماهية المشروع بصلة. فما الذي حصل؟ وماذا سيحدث في الفترة المقبلة؟

نادين كنعان

عشية الذكرى الـ 42 للحرب الأهلية اللبنانية، اجتمعت وجوه معروفة من مجالات مختلفة في 12 نيسان (أبريل) الماضي ضمن احتفال أُطلق عليه اسم «افتتاحية» مكتبة «بيت بيروت»، بدعوة من بلدية بيروت و«مؤسسة إيناس أبو عياش الخيرية».

للوهلة الأولى، فرح كثيرون بالنبأ، لا سيّما أنّ الانتظار طال لانتهاء العمل على تحويل «المنزل الأصفر» في منطقة السوديكو إلى متحف وملتقى وفضاء لحفظ الأبحاث، في تجسيد لتاريخ وذاكرة العاصمة اللبنانية وتطوّرها المدني والعمراني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي أيضاً، استناداً إلى المرسوم رقم 10362 الصادر في حزيران (يونيو) 2003. لكن الآمال سرعان ما خابت، بعدما اتضح أنّ ما حصل في أشهر البيوت الأثرية البيروتية الشاهدة على ويلات الحرب ما هو إلا «إيفنت» اجتماعي، نظّمته إحدى «سيّدات المجتمع»، جامعةً نجوم غناء (مايا دياب ونانسي عجرم...) وتمثيل (عايدة صبرا، وبرناديت حديب، ويورغو شلهوب...) وشخصيات سياسية (سعد الحريري، وأمين الجميّل، وغطّاس خوري...) واجتماعية وغيرها. وتخلّل الحدث أيضاً عرض مسرحي للممثل رفيق علي أحمد الذي أطل ملثّماً بشخصية قناص سابق مرّ على هذا المكان الواقع على خط تماس سابق.
طاولات، وكراسٍ، وكتب مقدّمة من وزارة الثقافة، ولوحات وتصاميم لفنانين لبنانيين، وقالب حلوى، وكلمات، وصور تذكارية. ما جرى أقرب إلى «تجهيز» منه إلى «افتتاح»! أين روح بيروت وتاريخها وناسها قبل وخلال وبعد الحرب الأهلية من إصدارات على شاكلة «الطريق الى الزواج»، و«التربية على حقوق الطفل»، و«أشرعة الرحيل»، و«ألمانيا والعرب»، و«مئوية الحرب العالمية الأولى»؟ ولماذا الإعلان عن «افتتاحية» المكتبة في وقت لم تتبلور فيه بعد آلية العمل في المبنى المعروف أيضاً بـ «مبنى بركات»، وصمّمه المعمار الطليعي يوسف أفندي أفتيموس (1866 ـــ 1952) عام 1924، ثم صمم فؤاد قزح الطبقتين الثانية والثالثة عام 1938؟ وأين البرمجة الثقافية الخاصة بمرفق ثقافي كهذا؟ ومن المسؤول عن إدارة هذا الجانب؟
هذه الأسئلة والكثير غيرها لا تزال من دون إجابات واضحة. في محاولة لفهم ما يجري وأبرز التطوّرات في ما يخص هذا البيت، تواصلنا مع المعمارية اللبنانية منى الحلاق التي تولّت منذ عام 1997 مهمة الدفاع عنه، وربحت مع آخرين جولات عدّة في هذه الحرب الطويلة، على رأسها إنقاذه من الهدم الذي لا يزال يهدّد إرث بيروت العمراني.
لكن قبل تظهير الصورة، تجدر الإشارة إلى أنّ مشهد «افتتاح» المكتبة الأخير شبيه بما حصل قبل الانتخابات البلدية العام الماضي. في نيسان (أبريل) 2016، سارع «تيّار المستقبل»، ممثلاً برئيس بلدية بيروت في حينه بلال حمد، إلى افتتاح «بيت بيروت»، علماً بأنّه كان مقرّراً في أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، بعد 13 عاماً من العمل المَدَني الدؤوب على إنشاء «متحف ذاكرة مدينة بيروت» يتميّز بالتفاعلية، وستة أعوام من انطلاق أعمال الترميم رسمياً. جاء ذلك إثر توقيع بلديّتي بيروت وباريس اتفاقاً للمحافظة على «البيت الأصفر»، واختيار المهندس يوسف حيدر في ما بعد لقيادة عملية الترميم. وأمام اختيار حيدر من دون مسابقة (رغم كفاءته)، أصرّت الحلاق يومها على تأليف لجنة علمية استشارية (حملت لاحقاً اسم «اللجنة العلمية لبيت بيروت») تواكب عمل البلدية والمهندس، وتضم مهندسين وأكاديميين ومخططي مدن وعلماء في التاريخ والآثار والمتاحف ومتخصصين آخرين، تحت رعاية «المعهد الفرنسي في بيروت».
بغض النظر عن الانتقادات التي وُجّهت إلى حيدر حول الأسلوب الذي اعتمده في عملية الترميم، تبقى العبرة في المضمون والمحتوى وطريقة العمل داخل هذا المرفق الثقافي البيروتي المهم.


«ما جرى ليس افتتاح مكتبة، بل تجهيز عبر تقديمات وتبرّعات. المكتبة حسب نص المرسوم تحتاج إلى أمين، ومشروع ثقافي، وبرنامج ثقافي للمدارس والباحثين والجامعات. إنّها مكتبة أبحاث ودراسات ومراجع عن بيروت. ويفترض أن تحوي أرشيفاً افتراضياً عن المدينة، تم تجميعه من داخل وخارج لبنان»، تقول الحلاق لـ «الأخبار». وتضيف: «المبنى لا يكون في أولويات المتاحف، بل البرمجة هي الأهم في نوع مماثل من المشاريع. عادةً، لا يستطيع المهندس العمل إلا تحت إشراف مبرمج ثقافي. لكن في حالة «بيت بيروت»، سارت الأمور بالعكس. انتهى العمل على المبنى تقريباً، وما زلنا ننتظر البرمجة. ما جرى أخيراً هو انتقاص من قيمة هذه المكتبة ومساس بمكانة هذا المبنى...». وشددت مديرة مبادرة «حسن الجوار» في «الجامعة الأميركية في بيروت» على أنّ مطالب اللجنة العلمية تتلخّص حالياً بما جاء في البيان الذي أصدرته بعيد نشاط إيناس أبو عيّاش، أي «أهمية وأولوية وجود مدير ثقافي يحدّد السياسة العامة للمتحف وهيكليته الإدارية وبرمجته الثقافية بالتعاون مع لجنة تنفيذية مستقلة وفريق عمل متخصص وكفؤ، بالتعاون مع بلدية بيروت ووزارة الثقافة».
وكانت «اللجنة العلمية لبيت بيروت» قد طالبت محافظ بيروت القاضي زياد شبيب ورئيس البلدية الحالي جمال عيتاني والمجلس البلدي ووزارة الثقافة بـ «الرجوع إلى الرؤية المتكاملة والمقترحات التي قدّمتها اللجنة عبر عملها المتفاني منذ 2008 مع المجالس البلدية المتعاقبة، لبلورة الإطار الأمثل لتفعيل دور «بيت بيروت» كمتحف وملتقى ثقافي وفني وحضاري ومكان لحفظ الدراسات والأبحاث التي تتناول بيروت عبر التاريخ كما جاء في مرسوم الاستملاك. نريد بيت بيروت معلماً يشرّف المدينة ومنصةً للتبادل الثقافي والبحث المديني وحفظ المخزون الحضاري لمدينتنا وعاصمتنا بيروت».
هنا، من الضروري التذكير بأنه في تشرين الثاني (نوفبر) 2012، اختارت البلدية سامي المصري مديراً للبرمجة الثقافية بعد إجراء مسابقة شارك فيها سبعة أشخاص، وعمل مع شريكته ماهيتا الباشا (Onda Culture) على اقتراح ميزانية وبرنامج زمني لعمل المدير الثقافي لـ «بيت بيروت»، لكّنه قوبل بعراقيل، تمثّلت باعتراضات على الفترة الزمنية المقترحة (ثلاث سنوات) حيناً وبالمبلغ أحياناً أخرى (مليون دولار أميركي)، من دون أن يتمكن خلال كل هذه الفترة من التوقيع على عقد عمل. وفي عهد المجلس البلدي الجديد، أكد المحافظ شبيب لـ «اللجنة العلمية» أنّ العمل على البرمجة الثقافية يجب أن تسبقه «هيكلية إدارية»، الأمر الذي رحّبت به اللجنة. وأكد شبيب أنّه سيقترح «صيغة»، لكنّها لم ترَ النور بعد.
في حديث سريع جرى في مكتبه في وسط بيروت فضّل فيه عدم التعليق على ما جرى أخيراً في «مكتبة بيروت»، يؤكد شبيب لـ «الأخبار» أنّ العمل على الهيكلية الإدارية «لا يزال مستمراً. كل ما في الأمر أنّني تلقيت مشروعاً من فريقي لكنّه لم ينل إعجابي كثيراً، فطلبت تعديله». وتابع قائلاً: «في الحقيقة، اطلعت على النموذج الباريسي في إدارة المتاحف التابعة للبلدية، وأعمل حالياً على إجراء مواءمة بينه وبين النموذج اللبناني، بحيث تتم الاستعاضة عن الإدارة المباشرة بإنشاء مؤسسة عامة مستقلة إدارياً واقتصادياً، تتولى الصروح الثقافية التابعة لبلدية بيروت». وفي السياق نفسه، يشير شبيب إلى أنّ صيغة «المواءمة» يفترض أن تكون جاهزة «خلال أسابيع قليلة»، وستتضمن «المعايير كافة التي سيتم على أساسها اختيار المدير الثقافي وإجراء البرمجة وباقي التفاصيل المرتبطة بالموضوع»، مشدداً في الوقت نفسه على أنّ «بيت بيروت» جزء من مشاريع كثيرة موضوعة على جدول الأعمال، من بينها «متحف تاريخ بيروت» (في ساحة الشهداء)، و« متحف آثار بيروت»، و«بيت فيروز»...
على خط موازٍ، باءت محاولاتنا للتواصل مع وزير الثقافة غطاس خوري بشأن «افتتاحية» المكتبة والكتب التي قدّمتها الوزارة بالفشل. قد نتفهّم موقف الوزير، لا سيّما لجهة العلاقات «الملتبسة» بين رئيس الحكومة سعد الحريري وعائلة أبو عيّاش المقترنة بـ «بنك المدينة»! وفي انتظار كشف النقاب عن الهيكلية الإدارية المننظرة، تبقى مسألة الميزانية مبهمة. والمثير للدهشة هنا هو الاعتراض على تأمين مبلغ مليون دولار لمرفق كـ «بيت بيروت» أو غيره من المرافق والمشاريع الثقافية المستدامة، بينما تؤكد مصادر من بلدية بيروت فضّلت عدم الكشف عن اسمها أنّ المؤسسة قرّرت المساهمة بالمبلغ نفسه لإقامة الدورة الثانية من «مهرجانات بيروت الثقافية» (من 28 حزيران (يونيو) و7 تموز (يوليو) ــ ميدان سباق الخيل)، كما خصصت 900 ألف دولار لـ Beirut Events and Street Shows الذي يُطلق اليوم الخميس من واجهة بيروت البحرية، وتغيب أي معلومات عنه حالياً، حتى على الإنترنت!

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]