تعليم النازحين السوريين: مانحون يبغون الربح!



يستضيف الأردن غالبية اللاعبين (80%)، يليه لبنان (74%) وتركيا (64%) (هيثم الموسوي)

في ظروف الأزمات الإنسانية، تزداد جاذبية مشاركة القطاع الخاص في التعليم لدى شريحة متنامية من المجتمع الدولي بحجة محدودية قدرة الحكومات المأزومة وغياب قطاع عام مستقر وفاعل. وفي سياق أزمة اللاجئين السوريين، حيث تكابد نظم التعليم الرسمي في الأردن وتركيا ولبنان لاستيعاب العدد المتزايد من اللاجئين، يتسارع انخراط الشركات العالمية المعروفة في دعم تعليم هؤلاء، ما يثير جدلاً دولياً واسعاً. منظمة «الدولية للتربية» أعدّت دراسة طرحت فيها الهواجس بشأن «الخصخصة عن طريق الكارثة» ودوافع ابتغاء الربح وارتباط ذلك بالالتحاق بالتعليم وواجب الدولة بتوفير التعليم النوعي

فاتن الحاج

900 ألف طفل لاجئ سوري غير مسجلين في المدارس في الأردن وتركيا ولبنان، فتحوا شهية شركات تجارية عالمية معروفة، وبعضها ذائع الصيت، للدخول علناً على خط تعليمهم. الشركات وصلت إلى مسرح الأزمة من دون تخطيط وتنسيق مناسبين مع الجهات المحلية من وزارات للتربية أو معلمين أو نقابات للمعلمين.

التنسيق بين الشركات نفسها لم يكن كافياً أيضاً، ونجم عنه تدخلات غير متوازنة وغير منظمة ومكرّرة في كثير من الأحيان. بعض الشركات تحمست للمشاركة لرفع صور علاماتها التجارية، والبعض الآخر افتقرت إلى الوعي المناسب للمواضيع الراهنة من أجل التنفيذ الناجح على مستوى الصفوف. نحو نصف الجهات المشاركة أفرط في دعم التكنولوجيا التعليمية من خارج سياق الواقع على الأرض، من حيث المحتوى والشكل والتوصيل والحاجات، وهنا طرح السؤال: هل يحتاج الأطفال إلى حاسوب إلكتروني عندما لا يكون لديهم مقاعد للجلوس ولا مراحيض ولا كهرباء في المدرسة؟ العديد من هذه المبادرات قائم حالياً على الشراكة مع الهيئات الحكومية والمنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة. أما التدخل فهو أبعد من مجرد تأمين الموارد والبنى التحتية والتدريب، إذ بات «الرأسماليون الخيريون» والعديد من الشركات صانعي قرار رئيسيين في عملية وضع سياسات تعليم اللاجئين بسبب ضعف مساءلتهم من حكومات الدول التي يعملون فيها.

سلعنة التعليم

تدفق عروض المساعدات شكّل محور دراسة بعنوان «الاستثمار في الأزمة: سلعنة التعليم ومشاركة القطاع الخاص في تعليم اللاجئين السوريين»، أطلقت أخيراً في بيروت، وأعدتها الباحثتان في جامعة «ماساتشوستس» الأميركية فرانسين ميناشي وزينة زخريا. الدراسة تأتي في إطار حملة منظمة «الدولية للتربية» ضد سلعنة التعليم. و«الدولية للتربية» هي تجمع نقابي عالمي يضم 401 جمعية ونقابة واتحاد نقابي للمعلمين في 170 دولة في العالم.


عدم معرفة الطبيعة الدقيقة لهذه المشاركة دفع الباحثتين إلى فهم أفضل للنشاطات التي تقوم بها هذه الشركات والمؤسسات الخاصة، وإثارة تساؤلات حول البواعث والمبررات المنطقية للمشاركة، ودوافع الربح التي قد تتعارض مع ما هو أفضل للأطفال اللاجئين، بما في ذلك حقهم في التعليم الجيد. الدراسة سلطت الضوء على طرق عدة، عمل عليها القطاع الخاص لتحسين نوعية التعليم والوصول إلى اللاجئين. وطاولت الأنواع الثلاثة الأولى للمشاركة. تمويل قطاع التعليم (49%)، تطوير وتوزيع ابتكارات التعليم التكنولوجية (49%) وتوفير التنمية المهنية للعاملين في قطاع التعليم (33%).
الدراسة لاحظت تصاعداً حديثاً وسريعاً في مشاركة الشركات، إذ تبين أنّ معظم الجهات التجارية شارك للمرة الأولى منذ عام 2015. ومن بين 144 منظمة مانحة، هناك 42% شركات ومؤسسات خاصة. وتتمركز 76% من هذه الشركات في النصف الشمالي للكرة الأرضية، و61% منها لم تكن تضع التعليم في الأساس في صلب مهماتها الرئيسية. ويستضيف الأردن غالبية اللاعبين (80%)، يليه لبنان (74%) وتركيا (64%).
ثمة شركات ومؤسسات أعمال معروفة مثل «غولدمان ساكس» و«غوغل» و«هولييت باكارد» و«لينكد إن» و«ماكينزي أند كو» و«مايكروسوفت» و«برسون ادوكيشون» و«راند» بين العديد من الشركات والمؤسسات الأخرى التي قدمت التزامات تمويل واقترحت مبادرات جديدة وطورت ترتيبات شراكة دفعاً لقضية تعليم الأطفال السوريين.

دوافع المشاركة

في أثناء إعداد الدراسة، بدا للباحثتين أن اللاجئين السوريين شكلوا أرضاً خصبة لإنشاء مدارس خاصة مدعومة تجارياً، وهذه تعرضت لانتقادات بسبب افتقارها إلى المساءلة وتوظيفها معلمين غير مدربين جيداً. وفي المقابلات التي أجريت مع ممثلي الشركات، تحدث هؤلاء عن دوافع إنسانية الصلة لديهم وأنهم ببساطة يريدون «القيام بالعمل الصحيح»، وأن آخرين لديهم عائلات أو أحباء في المنطقة، في حين أنّ الغالبية لم تخف دوافع ابتغاء الربح من هذا العمل. وهنا شرح كثيرون عن الجدوى التجارية من المشاركة في التعليم، وأوضحوا كيف أن تماهيهم مع قضايا خيّرة بارزة يعزز صورة العلامة التجارية. إلى ذلك، تندفع الشركات التجارية بسبب إمكان إيجاد أسواق لمنتجاتها واختبار الابتكارات في بيئة غير منظمة، فيما تتيح الأزمة بالنسبة إلى البعض اختبار أفكار جديدة ومنتجات مبتكرة، ما يوجد سوقاً مستقبلية محتملة بعد انتهاء الأزمة.

الكوارث كفرص مثيرة للسوق

مشاركة القطاع الخاص في التعليم موضوع خلافي في الدوائر الأكاديمية والتنموية والإنسانية الدولية. فالمناقشات التي أثارتها دراسة «الدولية للتربية» ترتبط بأسئلة عن الحقوق التعليمية، وكذلك عن واجب الدولة المبدئي في توفير التعليم النوعي وتنظيمه لجميع الأطفال ضمن حدودها، وضبط الأنظمة الوطنية. أنصار هذا التدخل يصرون على أنّ «انخراط الشركات الخاصة يقدم آليات موثوقة وفعالة للأطفال والشباب في سياقات النزاع والهشاشة». يجادلون في أن «هذا التدخل حرج باعتباره شكلاً من المساعدات الإنسانية في ظل افتقار الحكومات إلى القدرة على توفير ما يكفي من أجل تعليم السكان وغياب قطاع عام مستقر وفاعل».


أما المعارضون فيردون على هذه الجدالات بالقول إنّ «مشاركة القطاع الخاص في التعليم هو مظهر نيوليبرالي متأصل في افتراض خاطئ باعتبار التعليم كسوق». يجادل النقاد في أن هذه المشاركة تضعف الأنظمة الرسمية للتعليم وتقوّضه كحق إنساني.
وفي الأوضاع الهشة، يقول هؤلاء إن استجابة القطاع الخاص غير عادلة، بل استغلالية. الصحافية الكندية نعومي كلاين ابتكرت مصطلح «رأسمالية الكوارث» لوصف النظر إلى الأحداث الكارثية باعتبارها مناسبة للقيام بإصلاحات نيوليبرالية قائمة على اقتصاد السوق أو كما تقول: «التعامل مع الكوارث باعتبارها فرصاً مثيرة للسوق». وفي التعليم، ظهرت «رأسمالية الكوارث» في مجموعة سياقات. في مرحلة ما بعد إعصار كاترينا في نيو أورلينز في الولايات المتحدة الأميركية، عدّل الإصلاحيون نظام التعليم الرسمي لتوسيع «التشارتر سكولز» (المدارس المستقلة الممولة من القطاع العام) التي يديرها القطاع الخاص، باعتبار أنّ الإعصار «رب ضارة نافعة» وفرصة لإصلاح نظام المدارس الرسمية الذي يكابد من خلال استراتيجيات السوق.
في هايتي، بعد الزلزال الذي وقع عام 2010، تلقى نظام التعليم المخصخص دعماً من مصرف «انتر ـ أميركان ديفيلوبمنت بنك» الذي أقام شراكة مع وزارة التربية في هايتي لتقديم دعم جوهري للمدارس الخاصة الموجودة من أجل تعزيز القطاع الخاص. وفي ليبيربا، حيث السياق هش والانهيار الاقتصادي ثابت وهناك تفشّ لمرض إيبولا، فإنّ نظام المدارس الرسمية في طريقه إلى الاستعانة بشركة تبتغي الربح من الخارج هي «بريدج أنترناشيونال أكاديميز» وعدد من الجهات الخاصة الأخرى. المعضلة أنّ «الخصخصة عن طريق الكارثة» ترتكز على «منطق اللارجعة»، إذ تتخذ تدابير باعتبارها مؤقتة، ولكن في الواقع تميل إلى إعادة تحديد مساحات السياسة الطويلة الأجل.

لبنان نموذجاً للاستثمار

حتى تموز 2016، بحسب دراسة أعدتها منظمة «هيومن رايتس واتش»، بلغ عدد اللاجئين السوريين في لبنان ربع عدد سكان البلاد، البالغ 4.5 ملايين نسمة، إذ سجلت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 1.1 مليون لاجئ سوري منذ بداية الأزمة السورية، نصفهم أطفال بعمر المدرسة، أي نحو 500 ألف سوري، ونصف هؤلاء الأطفال هم خارج التعليم (250 ألفاً)، وبعضهم لم يدخل أي فصل دراسي.
ورغم أنّ لبنان حصل على 3.5 مليارات دولار كدعم من المانحين الدوليين منذ 2012 لمساعدة اللاجئين السوريين، بقيت الحكومة اللبنانية تقول إن هذا التمويل لا يكفي لمواجهة كل الاحتياجات، وزعم المسؤولون اللبنانيون إنّ العائدات المفقودة وعبء اللاجئين كلفا لبنان 13.1 مليار دولار لاستدرار المزيد من المنح والقروض. في عام 2015، بلغت نسبة المنح الدولية 62.8% من ميزانية خطة لبنان للاستجابة للأزمة المقدرة بـ 1.87 مليار دولار، رغم أن المبلغ المرصود لقطاع التعليم قد تم تأمينه بالكامل.
واجه النظام التعليمي اللبناني صعوبات في استيعاب الأعداد المتزايدة من اللاجئين السوريين. ففي أواخر 2011، كان يوجد فقط 5 آلاف لاجئ مسجلين لدى المفوضية. ومع بداية السنة الدراسية 2015 ـ 2016، أصبح هناك 495 ألفاً و510 أطفال سوريين تراوح أعمارهم بين 3 و18 سنة، بينما لا يتجاوز العدد الإجمالي للأطفال اللبنانيين المسجلين في التعليم الرسمي 294 ألفاً و494 طفلاً في السنة نفسها. قد يكون عدد الأطفال السوريين أكبر من ذلك لأنّ هذا العدد يشمل فقط المسجلين لدى المفوضية، ولا يشمل الأطفال الذين لم يتمكنوا من التسجيل في لبنان، أو الذين تجاوزوا سن الدراسة.

الإجراءات المحلية

وللاستجابة لعدد أكبر من التلامذة، أصدرت وزارة التربية في عام 2012 مذكرة توصي المدارس الرسمية بتسجيل اللاجئين السوريين، بغض النظر عن وضعهم القانوني ومن دون رسوم تسجيل. كذلك فتحت في السنة الدراسية نفسها «دواماً ثانياً» بعد الظهر في المدارس الرسمية في عرسال فقط، ثم زادت عدد هذه المدارس تدريجياً، إلى أن بلغ هذا العام 277 مدرسة في كل لبنان.
في حزيران 2014، تبنت وزارة التربية سياسة توفير التعليم لجميع الأطفال (خطة RACE) التي تهدف إلى تسجيل 470 ألف لاجئ سوري وطفل لبناني من الفئات الفقيرة في التعليم الرسمي وغير الرسمي بحلول عام 2016. كان الهدف المعلن من الخطة الممتدة على 3 سنوات أن «يتمكن الأطفال الأكثر عرضة للمخاطر الذين هم في سن الدراسة، والمتأثرون بالأزمة السورية من الحصول على فرص التعليم الرسمي وغير الرسمي في بيئات آمنة ومحصنة». وفي إطار مشاركة لبنان، أخيراً، في مؤتمر بروكسل في بلجيكا حول الأزمة السورية وتعليم اللاجئين، أكد وزير التربية مروان حمادة أنّ زيادة حجم الاستثمار في المنظومة التربوية بات حتمياً، داعياً إلى رفع جاهزية القطاع التربوي بشرياً ومادياً لكي يتمكن من الاستمرار في تقديم الخدمة التربوية، ولا سيما أن لبنان كبلد مضيف قد تضرر في قطاعاته كافة وتم استنزاف قدراته نتيجة لأزمة اللجوء. وطالب حمادة بتأمين نحو 350 مليون دولار سنوياً لتمكين الوزارة من تنفيذ خطتها لتعليم اللاجئين واللبنانيين وتقوية القطاع التربوي وتوسيعه من خلال توسيع أطر التعليم النظامي وغير النظامي والتدريب والتعليم المهني والتقني.


انماط التدخل من قبل الشركات الخاصة في عملية تعليم اللاجئين (بالنسبة المئوية) بحسب دراسة منظمة «الدولية للتربية» | للصورة المكبرة انقر هنا

* للمشاركة في صفحة «تعليم» التواصل عبر البريد الإلكتروني: felhajj@al-akhbar.com

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com