قروض التعليم... فرصة وفخ



رفعت اليسوعية قيمة المساعدات بنحو 50% بخلال 5 سنوات (هيثم الموسوي)

حجم القروض الجامعية يتنامى منذ تعميم مصرف لبنان لدعمها في أيار 2009. ففي تموز 2016، استحوذت قروض التعليم على 0.8% من إجمالي القروض الشخصية، التي وصلت إلى 19.21 مليار دولار أميركي، أي أنها بلغت 157 مليون دولار

فاتن الحاج

طلاب كثر يرضخون للمصارف من أجل استكمال تعليمهم الجامعي. ليست القضية هروباً من شروط النجاح القاسية في الجامعة اللبنانية فحسب، بل هي قناعة تترسخ يوماً بعد يوم بأنّ القرض الجامعيّ المباشر هو الطريق الأمثل لتحقيق «الحلم الجميل» بولوج أهم الجامعات. بالنسبة إلى بعض الطلاب، يجذبهم القرض بحجة أنّه يساعدهم على تكريس وقتهم للدراسة، ولا يضطرون إلى العمل في الوقت نفسه.

الحاجة الماسة إلى القرض تجعل هؤلاء يتحمسون للحصول عليه من دون حتى سماع الشروحات عن الأعباء وكيف تُقَسَّم، وما إذا كان القرض هو فرصة فعلاً أو فخ. يركن البعض لفكرة أنَّ القرض بفائدة متدنية يبقى أفضل من اضطرار الأهل إلى بيع عقارات من أجل تعليم أبنائهم.

الرقابة على العلامات

هكذا، تبدأ العلاقة بين المصرف والزبون الشاب بالإقناع والإغراء بالعلم "المجاني" والفائدة التي لا تتجاوز 3%، وتنتهي بـ«الرعب»، بحسب وصف سناء، الطالبة التي نالت قرضاً هجرت معه الجامعة اللبنانية بحثاً عن «تعليم نوعي» في أحد اختصاصات العلوم الإنسانية في جامعة «عريقة». الرعب ليس نابعاً من القلق من عدم القدرة على سداد قيمة القرض فحسب، بل أيضاً من الشعور بأنَّ هناك سلطة تراقبك وتنتظرك على الكوع، كما تقول. العلامات هي سفينة النجاة، فليس مسموحاً للطالب أن يرسب في خلال فترة دراسته إلا سنة واحدة (يكون قد نال قسطها مسبقاً)، والتقصير يعني إمكانية ضياع القرض أو تحويله إلى قرض شخصي، بفائدة أعلى قد تصل إلى 8 بالمئة على الأقل بالدولار الأميركي، وترتفع هذه الفائدة أكثر عند الاستدانة بالليرة اللبنانية، لأن كلفة الليرة أغلى من كلفة الدولار. قد يكون من حظ سناء العاثر أنها علقت مع البنك اللبناني الفرنسي الذي لا يكتفي، كما تؤكد، بالحصول على إفادة بالعلامات مصدّقة من الجامعة، بل يفرض على الطالب تزويده بكلمة المرور (password) لحسابه الشخصي على موقع الجامعة بحجة متابعة تطور تحصيله التعليمي، ما يشكل خرقاً فاضحاً لخصوصيته، على حد تعبير سناء. وبينما تجزم بأنها أجبرت فعلاً على إعطاء كلمة المرور، ينفي رونالد زيركا، مدير التسويق والتجزئة في المصرف، أن يكون ذلك صحيحاً ولا يندرج هذا الأمر في سياسة البنك، «إلّا أنَّ حالات تزوير العلامات التي صادفناها جعلتنا نأخذ حذرنا، فنطلب من الطالب أن يدخل إلى حسابه ويطبع العلامات أمامنا كي نتأكد من صحتها». ماذا عن التعجيز الذي يتحدث عنه الطلاب في شروط الكفيل وصحة أن يكون رجل أعمال أو صاحب شركة؟ يجيب: «ليس صحيحاً، يهمنا أن يكون لدى الكفيل راتب شهري، والضمانة التي يطلبها المصرف هي كفالة أحد أفراد العائلة المباشرين، أي الأب أو الأم أو العم أو العمة أو الخال أو الخالة».

فرصة سريعة وعبء شديد

القناعة التي توصل إليها ناجي الذي كان ينوي دراسة الطب في الجامعة اللبنانية، أن دراسة أي من الاختصاصات التطبيقية، سواء الهندسة أو العلوم أو الطب في الجامعة اللبنانية ليس بهذا اليسر. الشاب اختبر التعليم سنة واحدة في كلية العلوم وبذل جهداً كبيراً للنجاح، نظراً إلى كثافة المواد، كما يقول، قبل أن يقرر الالتحاق بجامعة خاصة بعد نيله قرضاً بـ 20 ألف دولار. بداية، فرح ناجي بالأمر، لكونها «فرصة سريعة بفائدة قليلة». فالقرض الذي حصل عليه مدعوم من مصرف لبنان، الذي يقدم منذ أيار 2009، حوافز للمصارف التجارية التي تعطي الطلاب قروضاً بالليرة اللبنانية، لمتابعة الدراسة في مؤسسات التعليم العالي. هذه الحوافز هي عبارة عن إعفاءات من الاحتياطي الإلزامي الذي يجب على كل مصرف أن يودعه في مصرف لبنان. ومن شروط هذا النوع من القروض ألا يبدأ تسديد أصل القرض إلّا بعد مضي سنة واحدة على تاريخ التخرج، وألا تتعدى مدة تسديد القرض عشر سنوات من تاريخ بدء تسديد الأصل، وألا تتعدى الفوائد والنفقات والعمولات والمصاريف والأعباء، من أي نوع كانت، والمحتسبة على القرض نسبة 3 بالمئة سنوياً. هذه النسبة يدفعها الطالب سنوياً من قيمة القرض حتّى في خلال سنوات الدراسة، أي «لا شيء بالمجان»، يقول ناجي. يذكر أنّ الطلاب يستطيعون الاستفادة من هذه القروض في الجامعات والمعاهد المهنية والتقنية في لبنان وخارجه.
بقي مجرد التفكير في أنّ هناك من يترصد خطواته بعد عام من التخرج، ما يمثّل عبئاً يرافق ناجي منذ اللحظة الأولى للاقتراض «لأنو بتشعر إنو رح تشتغل للبنك».


قبل أن ينهي ناجي السنوات الثلاث التحضيرية لدراسة الطب، سافر إلى لندن ثم عاد بعد سنة واحدة ليقرر تغيير الاختصاص، إلّا أن المصرف رفض أن ينقل القرض إلى الاختصاص الثاني وحوّله إلى قرض شخصي، وبات عليه أن يرد 28 ألف دولار. يبدو لافتاً ما يقوله ناجي لجهة أنّ «لعبة القروض والإعلانات المصرفية تقنعك بأنك تستثمر بحالك، لكن في الواقع لا يملك الطالب خيارات كثيرة، فهم يخيّرونه بين ألّا يعمل شيئاً، وبين أن يتحمل عبئاً شديداً، وكلاهما مر. والمفارقة أنك تشعر بأنَّ فكرة الجامعة هي نفسها تغيرت، بمعنى أنك قد تقرر أن تقع تحت العبء لكنك تكتشف أنك لم تتعلم شيئاً في الجامعة، ولم يكن الأمر يستحق كل هذا العناء لأنك لن تحصل بالضرورة على وظيفة محترمة لتسديد القرض».

الجامعة اليسوعية: القرض جزء من الحل

القرض يصبح جزءاً من الحل عندما تعجز المساعدات المالية عن الإيفاء بالغرض، هذا ما تقوله شيراز عقل، مديرة الخدمة الاجتماعية في جامعة القديس يوسف. تشير إلى أننا «نمنح 40% من تلامذتنا مساعدات تراوح بين 20% و100%، وفي خلال خمس سنوات، رفعت الجامعة قيمة المساعدات بنحو 50%، فبعدما خصصت 8.5 ملايين ليرة في العام الجامعي 2011 ـ 2012، رصدت 16 مليوناً و500 ألف في العام 2015 ـ 2016. إلاّ أنّ عقل تقر بأنّ هذه المساعدات لا تغطي احتياجات الطلاب الذين يعيشون ظروفاً استثنائية ولديهم مسؤوليات تجاه أسرهم، وهؤلاء يقترضون من المصارف وندفع عنهم فائدة الـ 3%. وكما يتنامى حجم المنح الدراسية، يتنامى أيضاً حجم القروض، إذ تلفت عقل إلى أن الاقتراض لمتابعة التعليم لم يعد مقتصراً على الفئات المحرومة فحسب، بل إنّ بعض ذوي المقترضين أطباء أو محامون أو أصحاب محالّ تجارية، لكن عندما يتعلق الأمر بتعليم 3 أو 4 طلاب في جامعات خاصة تصبح المعادلة مختلفة.
لا تستغرب عقل التدقيق على النجاح والمثابرة، فمن حق المصرف أن يضمن أن أمواله ستعود إليه، لكنها تذكّر بأنّ أبواب قسم الخدمة الاجتماعية في الجامعة مفتوحة دائماً لتقديم المساندة المناسبة لتخطي الصعوبات الأكاديمية، ولا سيما إذا كان للرسوب وضع استثنائي.

* للمشاركة في صفحة «تعليم» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]om