انتظرني غداً ودائماً



(ريتشارد ميسراخ ــ أميركا)

فيولا كورين*
ترجمة: نوفل نيّوف

لم تلفت نظري أيّ واحدة منهن. كان عددهنّ كبيراً جداً: من طرازٍ واحد، لا يثبتن في الذاكرة، لهنّ ابتسامات عريضة جاهزة، ومايوهات متعددة الألوان تكشف إلى أقصى حدٍّ عن أجسادهنّ الجميلة والأقل جمالاً، فَرِحات دائماً، مسرورات بخلوِ البال وانعدام أيّ اهتمام فكري.

ذلك كان الجزءَ الزاهي الرتيب من البحر، الجزء الذي لا أحبّه. نادراً ما أنظر إلى هناك، إلى ذلك المكان الذي، على ما يبدو، يسميه الناس الشاطئ. إنني أحبّ بحراً آخر - حيّاً، دائم التغيّر، متميّزاً، مشغول الفكر، بديعاً في تعدّد ألوانه وأمزجته، في إرادته التي لا تُقهَر، في هدوئه المهيب، في رقّته التي لا يحيط بها الوصف.
أنا كرةٌ مطاطية عوّامة حمراء كبيرة. لا تسمح لي السلسلة والمرساة بالسباحة بعيداً، ولكني أستطيع التأرجح على الأمواج حين هياج البحر، أستطيع دائماً أن أمتِّع ناظري بالبحر، بتلاعب ألوانه، أن أتابع أسراب الأسماك، وقناديل البحر المتلاطمة في الموج، والسفن التي تظهر أحياناً في الأفق البعيد. هذه سجيّتي، هذه حياتي، ومع أني مربوط بالقاع، فأنا حرٌّ في قيودي، في ثباتي الدائم، في تمتّعي اللانهائي، في حبّي للبحر.
بعض الأشخاص المجانين الذين ألهبتهم شمسٌ حارقة وعزّةُ نفسٍ لا تُحَدّ، يريدون بإصرارٍ أن يصلوا إليَّ سباحة. هذا شيء يضحكني، إذ أيُّ جدوى في ذلك؟ ما الذي يمكن أن يثبتوه لأنفسهم؟ إني أراوغهم دائماً محاولاً أن أحيد عن طريقهم قليلاً. كثيرون منهم يستديرون فوراً عائدين قبل الوصول إليّ. لا أعرف ماذا يعني لهم ذلك؟ أهو تسجيل رقم قياسي؟ أم تأكيد للذات؟ ثمة رياضيٌّ مفتول العضلات، ذو شاربين، دائماً يوجِّه لي ضربة مؤلمة على خاصرتي فأحاول أن أدفعه ردّاً عليه، غير أنه سرعان ما يرجع سابحاً نحو الشاطئ. أمّهاتٌ يعلِّمنَ أولادهنّ: «انتبهْ إلى التنفّس! اقفز رشيقاً ورأسُك إلى الماء! لا تجعل الماء يتطاير عالياً!». بعض المتقاعدين يسبحون قريباً مني وهم يثرثرون، لا يولونني أيّ اهتمام.
شيء مضحك حقاً. نساء في العمر البلزاكي يعرفن تماماً أني سأتملّص منهنّ، فوجدنَ حيلة للقبض على المكان الحسّاس لديّ، هكذا أسمِّي الحلقة التي تربطني بسلسلة المرساة. يدركن أنه لا يمكن الاحتفاظ بي إلا بهذه الطريقة. ولكن ذلك لا يدوم طويلاً! إنه مضجر لهنّ أنفسِهنّ بالدرجة الأولى. وهل يمكن الاحتفاظ بأحدٍ وأنت تقبض على اللاوعي عنده، على غرائزه الطبيعية؟
ها هي امرأة لم ألحظها فوراً. ما الذي يمكن لها أن تبصره في الماء؟ كتفاها أكثر استدارة بقليل من أكتاف الأخريات. قبّعتها مغرية دائماً، تردّ عنها الشمس وتتيح لها التلذّذ بلون أمواج البحر. كان واضحاً أنها ليست سبّاحة قوية وأنها تحتاج إلى أن تستريح. «هذه أيضاً ستتمسّك بي الآن، شأن جميع الأخريات، لكي لا أستطيع الهرب لبعض الوقت»، ـ ظننت. غير أنها لم تبذل ولو محاولة لأن تربطني إليها، فاكتفت بأن بسطت ذراعيها تماماً وعانقتني بقوة. لم أكن أتوقّع ذلك، ولم يسبِق أن وقع لي مثله من قبل. لم يكلِّفني التخلّص من ذراعيها جهداً كبيراً، فقفزت بعيداً عنها مجبراً إياها على البحث عن التوازن في الماء.
لقد فهمتْ من تلقاء نفسها أنه لا يمكن الاحتفاظ بي عنوة. وها هي الآن تسبح مقتربة منّي بحذر، ومن غير أن تعكِّر صفو الماء عانقتني بحنان وهي تلامسني بالكاد، وتضمّني إلى خدِّها أحياناً. كنت أتجمّد من السعادة. وبعدما استراحت مضت تسبح عائدة. استمرّ ذلك ثلاثة أيّام. تلك كانت أروعَ وأرقَّ قصة حبّ لن أنساها حتى آخر أيّامي. ثم جاءت عاصفة بحرية عاتية دامت أربعة أيّام. خيِّل إليّ أنني جُننت مع البحر المجنون الهائج. لقد فقدت مغزى الحياة. فالبحر الذي يتمتّع بكل هذه العظمة والجلال، وكان من قبلُ رائعاً حتى وقت العاصفة، لم يكن يُفرِحني الآن، بل لم يكن يفعل إلا تعذيبي: تارة وهو يتقاذفني عالياً مثل لعبة سخيفة بين يدَي عملاق، وتارة يجذبني إلى لجّة الماء الهائج ويدحرجني في ما لا نهاية له من دموع اليأس المالحة المُرّة. لقد فقدت كل أمل. فما الذي أستطيع فعله، أنا المقيّد بسلسلة من الظروف، ضد هيجان طبيعة الحياة؟ لم يكن لي إلا الخضوع والانتظار والتضرّع. والتذكّر أيضاً.
في اليوم الخامس، حين تعب البحر من غضبته غير المفهومة، هدأ قليلاً وبزغت أشعة الشمس بالكاد من وراء ما يحجبها من جبال، فرأيتها وهي تعوم سابحة نحوي. لقد غمرت البهجة قلبي! نعم، نعم، لا تضحكوا، إذ يحدث أن يكون لكرةٍ مطاطية عوّامة مربوطةٍ في قاع البحر قلبٌ أيضاً! ولكنّه قلبٌ لا يستطيع أن يراه الجميع. ليس لِزاماً أن تراه، بل المهم أن تشعر به. بل ربما أن تفهمه. أو أن تحبّه! غير أن هذا إفراط منّي في الجرأة حقاً ومن مجال الخيال.
إنها حبيبتي، الآن عرفت ذلك حقّ المعرفة، وقد اقتربت مني وطوِّحت بيدها مبتعدة عن قنديلَي بحرٍ قبيحين، غبيين لم يتسنّ لهما الرحيل بعد العاصفة، فعانقتني برقّة فائقة وبقوّة، وهي تضمّني وتلتصق بي بكل جسدها. ولكنني الآن لم أكن أريد أن أتغنّج ولا أن أقفز مبتعداً عنها. كانت ما تزال تضمني وتهمس لي: «انتظرني غداً ودائماً». ثم عادت إلى الشاطئ من غير أن تلتفت.
ماذا كان بوسعي أن أقول؟ أنا، الكرة العوامة المطاطية الحمراء؟ فحتّى الكرات العوامة التي لها قلوب مثلي أيضاً، عاجزة عن الكلام. لقد اكتفيت بأن لوّحتُ لها برأسي وهي تبتعد، باذلاً قُصارى جهدي كي أتحرر من المرساة التي تقيِّدني، وخفيةً غسلت بماء البحر ما كان دموعاً أو قطرات من عاصفة الأمس.
أين أنت الآن، يا حبيبتي؟ أتذكّر الآن حنانك، وعدم رغبتي في أن أدير لك ظهري، كما للأخريات. أذكر لمسة يديك وخدِّك، أذكر همسك: «انتظرني غداً ودائماً»...
ها أنا حرّ. أتمتّع بالبحر. أتغزّل به في كل طقس وأكتشف في ألوانه مزيداً من التدرّجات اللونية الجديدة. وبالطبع، فإني ألاحظ أيضاً الأشخاص المنتجعين الذين يضايقونني ويتمايلون متعلقين بسلسلتي. لكني أحبّك وأتذكّرك وحدك، كما طلبتِ، يا حبيبتي الوحيدة، يا غاليتي، يا أملي واكتشافي: «انتظرني غداً ودائماً». إنني أنتظركِ. اليوم، غداً ودائماً.

* فيولا كورين (فيوليتا كورينيوفكينا): عازفة بيانو، تدرّس الموسيقى في ضواحي موسكو. تنشر قصصها في كتب غير دورية. يمتاز أسلوبها بسلاسة شاعرية شفافة. قصتها هنا «انتظرني غداً ودائماً» منشورة في العدد الثالث من الكتاب الجماعي «جغرافيا الحياة» (قصص وقصائد)، موسكو 2016.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]