أحميدة العياشي: كوابيس سنوات الدم الجزائرية


عثمان تزغارت

باريس | منذ نصه (وعرضه) المسرحي الأول «قدّور لبلاندي» (جسّده بنفسه على الخشبة عام 1983)، لم يكف الجزائري أحميدة العياشي (1958) عن إضرام الحرائق في الساحة الثقافية لبلاده. وبالرغم من أنه بات اليوم على مشارف الستين، إلا أنه ما زال ممسكاً بجمرة الكتابة التجريبية، ومسكوناً بهاجس المغايرة، مما يدفعه للتقلب باستمرار، وفقاً لما تفرضه الحقب والأمزجة والظروف، بين الرواية والصحافة والتأليف/ التمثيل المسرحي.

روايته الأولى «ذاكرة الجنون والانتحار» (منشورات «لافوميك» - الجزائر - 1984) كان لها وقع القنبلة في الأدب المكتوب باللغة العربية في الجزائر. رواية أعلنت العصيان على كلاسيكية الآباء المؤسسين (الطاهر وطار، عبد الحميد بن هدوقة...)، على صعيد البنية الشكلية. أما على مستوى المضمون، فبالرغم من كونه خرج من رحم اليسار، الا أن العياشي لم يتردد في شق عصا الطاعة على الاستبلشمت اليساري، الذي كان مهيمناً آنذاك في بلد المليون شهيد، والذي نصّب «الواقعية الاشتراكية» مقياساً جمالياً ومرجعياً أوحد.
اكتشف قراء (وكُتّاب) العربية في تلك الرواية نصاً جدلياً ومحيراً. طرح العياشي عباءة البلاغة، لحساب لغة متقشفة، قلقة ومتشظية، حيث التكرار الهاذي والمتلعثم سيد الموقف. وأعمل معول الهدم في البنى الروائية الكلاسيكية، مطلقاً العنان لخطاب سردي لولبي المنحى، يلتف بوتيرة جنونية حول الشخوص والأمكنة والأزمنة، متعمداً إعادة الحكاية في كل مرة الى نقطة الصفر، ضمن لعبة سيزيفية تعيد إخضاع الوقائع والأحداث باستمرار للمحو والتعديل والتأويل والمراوغة. فضلاً عن كل ذلك، فقد كانت «ذاكرة الجنون والانتحار» رواية غاب فيها الهمّ الجمعي والشأن القومي، للمرة الأولى في الأدب الجزائري، لحساب انشغالات حميمة مغرقة في الغرابة والذاتية.
باغتت تلك الرواية حتى الذين كانوا يعرفون العياشي سلفاً. انتظروا أن يخرج من معطف كاتب ياسين، فأطلّ عليهم من صخب فولكنر، وجنون جويس، وتيه كيرواك. ومع ذلك، فقد ارتبط العياشي بـ «معطف» كاتب ياسين (1929 ـــ 1989)، بالمعنى الحرفي والمجازي معاً. كان لا يزال طالباً شاباً في معهد العلوم السياسية، في الجزائر العاصمة، حين نشبت المواجهات الشهيرة بين الطلبة اليساريين والإسلاميين، عام 1982، وأسفرت عن مقتل رفيق دربه كمال أمزال. مما جعل الإقامة في الحي الجامعي تستعصي عليه، لأسباب أمنية. يومها، آواه كاتب ياسين في بيته الصغير في «المركز العائلي» في بن عكنون. وقد أقام العياشي بجوار صاحب «نجمة» عشرة أعوام، في تجربة فارقة استعاد تفاصيلها في كتابه «نبي العصيان ـ 10 سنوات برفقة كاتب ياسين» (منشورات «سقراط» – الجزائر – 2011). لاحقاً، اختطفت الصحافة أحميدة العياشي، فانقطع عن الأدب والمسرح طوال 14 سنة. عام 1989، أسهم برفقة مجموعة من الصحافيين الشباب في إعادة إصدار جريدة «الجزائر الجهورية»، الصحيفة التاريخية لليسار الجزائري، التي كانت محظورة من قبل السلطات الجزائرية، منذ عام 1965. هذه الجريدة، التي شهدت البدايات الصحافية لكتاب كبار من أمثال محمد ديب، وألبير كامو وكاتب ياسين، قد حُظرت، مرة أولى، من قبل السلطات الاستعمارية، غداة اندلاع ثورة التحرير، إثر اختطاف واغتيال رئيس تحريرها الشهيد موريس أودان، وإخضاع مديرها، المناضل اليساري الكبير، هنري علاق، لأبشع أشكال التعذيب من قبل جيش الاحتلال، في تجربة قاسية خلّدها في كتابه المدوي «السؤال». صدور هذا الكتاب (مع مقدمة بقلم جان بول سارتر) عام 1957، لعب دوراً رائداً في توعية الرأي العام الفرنسي والعالمي ببشائع حرب الجزائر.
عام 1990، تصدى العياشي لتحدّ ثان، تمثل في رئاسة تحرير النسخة العربية من أسبوعية «المسار المغاربي». وإذا به يحقق اختراقاً غير مسبوق في تاريخ الصحافة الجزائرية. كانت مبيعات النسخة العربية من «المسار» تفوق مبيعات نسختها الفرنسية! لكن الصحيفة لم تلبث أن حُظرت، بعد الانقلاب العسكري، في كانون الثاني (يناير) 1992، لأنها رفضت الانضمام الى جوقة المبشّرين بـ «الديموقراطية المحمولة على ظهور الدبابات». وفي السنة ذاتها، حُظر أيضاً كتاب أحميدة العياشي «الإسلاميون بين السلطة والرصاص» (منشورات «دار الحكمة» - الجزائر- 1991)، الذي ما زال إلى اليوم يعد أحد المؤلفات المرجعية حول الحركات الإسلامية الجزائرية. عام 1994، أسّس أحميدة العياشي صحيفة جديدة أسماها «الحدث». لكن السلطات العسكرية لم تلبث أن منعتها، بعد أشهر قليلة. مما دفع صاحب «قدور لبلاندي» الى اعتزال العمل الإعلامي والعودة إلى مسقط رأسه في سيدي بلعباس، وإلى حبه الأول: المسرح. بعيداً عن صخب العاصمة وانشغالات الصحافة، أسس فرقة من الممثلين الهواة، وقدّم من خلالها مسرحية جديدة من تأليفه وإخراجه، بعنوان «قابيل وقابيل» (1998).
كانت تلك المسرحية من أول الأعمال التي نكأت جراح سنوات الدم والاقتتال الأهلي في الجزائر. جراح لم يلبث العياشي أن عاد اليها في روايته الثانية «متاهات ليل الفتنة» (منشورات «برزخ» - 2001)، التي صدرت ترجمتها الفرنسية، عن دار النشر ذاتها، في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. حافظت هذه الرواية على البصمات الأسلوبية لـ «ذاكرة الجنون والانتحار»، من حيث البنية المتشظية والهذيان السردي، لكن الهم الشخصي ذاب هنا في أتون الحريق الجزائري الجديد، إذ حل محل تهويمات «ديدوح» (بطل الرواية الأولى)، التي دفعت به إلى الجنون والانتحار، هوس من نوع جديد انصب في محاولة فهم ماهية ذلك الجنون والانتحار الجماعي الذي تملّك الجزائريين فجأة.
لرصد خلفيات ومنشأ «الخوارج الجدد» الذين رفعوا السلاح في وجه المجتمع الجزائري، غاص العياشي في «متاهات ليل الفتنة» بعيداً في ظلمات التاريخ الدموي للجزائر، منذ مجازر الخارجي يزيد النكاري، الشهير بـ «صاحب الحمار»، التي ارتُكبت في ظل «الدولة الرسمتية» التي كانت تتخذ من «تيهرت» الأمازيغية عاصمة لها (776 – 909 ميلادية)... قبل أن يحل أبو عبد الله الشيعي في المدينة، ليكنس الخوارج عنها، ويضمها الى الدولة الفاطمية.
الحفاوة التي استُقبلت بها «متاهات ليل الفتنة» لم تمنع العياشي من أن ينقطع مجدداً عن الكتابة الأدبية طوال ست سنوات، ليطلق في خلال ذلك جريدة جديدة أسماها «الجزائر نيوز». وفي عام 2007، أصدر روايته الثالثة «هوس» (منشورات «شهاب» - الجزائر)، التي سار فيها على خطى معلمه كاتب ياسين. على غرار صاحب «نجمة» الذي استعاد شخوص روايته الأم (نجمة وعشاقها الأربعة)، بعد عشر سنوات، في عمل روائي جديد بعنوان «المضلّع النجمي» (منشورات «سوي» - باريس - 1966)، استعاد العياشي في «هوس» بطل روايته الأولى «ديدوح»، الذي كان قد آل به الأمر إلى الجنون والانتحار، وأعاده الى مسقط رأسه في «ماكدرة»، بحثاً عن حبيبته المفقودة، التي أصبح اسمها «زانة»، بعدما كانت قد ظهرت في الرواية الأولى باسم «أنيسة»!
لم تلبث الصحافة أن سرقت العياشي مجدداً، فلم يقّدم على مدى سبع سنوات إلا عملاً مسرحياً يتيماً، بعنوان «1962»، عارض من خلاله المنحى التمجيدي الذي اتخذته الاحتفالات الرسمية بالذكرى الخمسين لثورة لتحرير الجزائرية. إلى أن قام آل بوتفليقة بحظر جريدته «الجزائر نيوز»، عام 2014، بسبب انضمامه الى حركة «بركات»، التي عارضت ترشيح الرئيس الجزائري المُقعد لولاية رئاسية رابعة. وخلافاً لتوقعات أغلب رفاقه ومحبيه، الذين ترقبوا أن يعود مجدداً الى المسرح والكتابة الروائية، كما تعوّد أن يفعل كلما عطّلت الرقابة مشروعاً من مشاريعه الصحافية، انصرف صاحب «هوس» الى هواية رياضية لم يعهدها من قبل، إذ أصبح شغوفاً بسباقات المارتون. ويُقال، والعهدة على الرواة، أنه حقّق في حلبات السباق تفوقاً أبهر الكثير من الرياضيين المحترفين!
ساد الاعتقاد لفترة أن الرجل الستيني هجر الكتابة ويئس من فساد وجبن النخب الثقافية. لكنه، وعلى نحو مفاجئ، شرع - على إثر وعكة صحية قاسية تعرّض لها خلال الصيف الماضي - في كتابة رواية جديدة بعنوان «شير». رواية تحكي قصة شاب يفرّ من قبضة الجماعات المسلحة، التي كانت قد اختطفته وأرغمته على الانضمام عنوة الى صفوفها، خلال سنوات الدم الجزائرية. وينتهي به الأمر، بالمصادفة، أثناء مطاردة المسلحين له، الى الاختباء وراء شجرة صفصاف كثيفة تعوّد أن يقف خلفها، في مناسبات شتى خلال طفولته. وإذا بسيل الذكريات يتدفق، ليستعيد، وهو واقف هناك، خلف الشجرة، وقائع عمر بأكمله...


مقاطع من «شير»:
هناك، خلف الشجرة!

اختبأتُ خلف الشجرة. سمعتهم يصرخون. كانوا سبعة. أنا رأيتهم. بقيت قابعاً أرى وأرهف السمع، وأنا خلف الشجرة. كانت الشمس في السماء تبدو مريضة، صفراء كالسل. وأنا قلبي يخفق. وبقوة يخفق. توقفوا عن الصراخ. وأنا قلبي لم يتوقف عن الخفقان. كنت أسمع الخفقان يأتي متسارعاً، كما لم أسمعه من قبل في حياتي. وكان قلبي، وهو يخفق، يتحدث إلي بصوت خلته لحظتها صوتاً غريباً مرتفعاً. وكلب بدأ ينبح. لا أدري لماذا كلب ينبح، وأنا لا أرى الكلب الذي ينبح. لا أدري إن كان الكلب الذي ينبح كلبهم أم كلب ضال بدون صاحب. أنا لا أحب الكلاب. تقذف الكلاب في قلبي شيئاً كالرعب. بنت عمتي وازنة، كان عندهم كلب. ريكس هو اسمه. لم يكن ريكس يحبني. كلما دخلت إلى بيت عمتي ينبح. يشدونه إلى عمود إسمنتي في أقصى الحوش. ينبح في وجهي، ويكاد يجن جنونه. ذات يوم، تحرر من السلسلة، واتجه نحوي وهو ينبح. وأنا صرخت، وخفق قلبي، وهربت عند ابنة عمتي وازنة. وهي بدأت تصرخ في وجهه: ريكس كوشي. وهو ظل ينبح ويكشف عن أنيابه. وأنا أبكي. وأنيابه لا زلت أتذكرها مثل اليوم. صرخ رجل، كان يبدو كالخيال، وهو يلتفت يمنة ويسرة، ويحدق على يمين الشجر وعلى يسار الشجر. وأنا كنت أشعر بلحظة الموت وهي تقترب مني. وأنا خلف الشجرة. رأيت الرجل الملتحي، ذا القامة القصيرة، يلتفت بعينيه المظلمتين، ويقول: هو ليس ببعيد عن هنا، لا بد أن يكون هنا. وأنا هناك خلف الشجرة. رشيدة ابنة خالتي وازنة كانت في نفس سني. أنا طويل ورشيدة قصيرة. أنا ذو سمرة داكنة، ورشيدة ذات بشرة بيضاء. أنا أحب رشيدة ورشيدة تحبني. هي على ظهرها حدبة صغيرة، وأنا أغضب عندما يعيّرها إخوتها بحدبتها. ورشيدة تبكي. وأنا لا أريد لرشيدة أن يتبدل وجهها وتظلم ملامحها وتبدأ في البكاء. وتختفي رشيدة وهي تبكي خلف الشجرة. وأنا أقترب من شجرة الصفصاف، وتقول لي رشيدة: دعني لوحدي، دعني لوحدي، اذهب. وأنا أبقى واقفاً، وأقول لرشيدة: لا تبكي يا رشيدة، يا رشيدة لا تبكي. لكن رشيدة لا تسمعني. هي لا تريد أن تسمعني عندما تكون تبكي، وتبقى بعيدة عني. تختفي خلف الشجرة، وهي تبكي. أنا لم أكن أبكي، لكن قلبي لم يتوقف عن الخفقان. راحوا يتقدمون بالقرب مني، وكان الرجل ذو اللحية الشمطاء يقترب أكثر فأكثر. أنا أسمعه يقول: لكن أين يكون اختفى هذا الديوث، ابتلعته الأرض؟! أنا لم تبتلعني الأرض. عندما أموت، ستبتلعني الأرض لا محالة. ذات يوم، نمت وحلمت بالأرض تبتلعني.

وكنت أصرخ بينما الأرض تفتح فمها وهي تبتلعني، وكل عائلتي تقف مكتوفة الأيدي، بينما الأرض تفتح فمها مثل وحش ينبعث من تحت عالم الأرض المظلمة. رأيت أمي تبكي، وهي تندب وجهها، وتقول: ابني، ابني، وأنا أصرخ: أمي، أمي، وأبي يرفع يديه إلى الله الذي خلقه وخلقني ويقول: إنه ابني يا رب، هوابني يا ربي، وجدّي يستعيذ ويحوقل، بينما السماء تملؤها طيور الغداف، وهي ترعبني كلما رأيتها تحلق في السماء، فأرتعش، وترقص مفاصلي وأروح أجري، وأجري، وأجري، مختبئاً وراء شجرة الصفصاف. وأنا: لا تبكي يا رشيدة، يا رشيدة لا تبكي، بينما رشيدة لا تكف عن البكاء وذرف الدموع، وذلك البوط الذي انتعلته وسط وحل حقول خالي لا أنسى لونه الرمادي. رشيدة لا تنتعل بوطاً. أشعر بالسخونة تصعد من رجلي إلى رأسي، وشقيقها البشير يطل من وراء الشجرة العالية، وهو يعيّرها بحدبتها. وأنا: سوف ترى، سوف ترى. أركض خلف البشير، والبشير يركض. وفي السماء طيور الغداف تحلق وهي تنظر إلي، فأتوقف وأنبح في وجهها، وأنا أحمل حجراً أبيض: «أش، أش». تقف رشيدة وسط الحقول، ترتدي بلوزة خضراء وحذاء أسود. يتدلى شعرها الغدافي خلف ظهرها. وأنا أتهدد البشير، والبشير يقف خلف الشجرة وهو يلهث، وأنظر في الوقت نفسه إلى طيور الغداف في السماء، وهي تبتعد لتصير نقطة سوداء صغيرة في الأفق [...] ربما يلقى عليّ القبض، ويتراجع عبد الحميد عن قراره، أو يتجلى أنني كنت واهماً ومتوهماً في تصوري بأنه رآني وتظاهر أنه لا يراني خلف الشجرة. وعندئذ يقودونني ويجرجرونني إلى هناك، حيث الأمير ينتظر، ويكاد يجن جنونه. فينظر إليّ بعين كلها كراهية وغضب، ويقول لي: أيها الخائن، أيها المرتد، أيها الحقير، أيها السافل. ويقذفني بكل النعوت المنحطة والقاتلة والبشعة والمهينة، ويأمرهم أن ينظروا في أمري، كيف يكون تعزيري أو قتلي. وأنا لحظتها لن أفكر إلا في شيء واحد: أن لا أذبح بمنشار، أو يضعوني في بطن حمار تُضرم فيه النيران مثلما فعل والي معاوية بابن الخليفة أبي بكر الصديق، وتلك حكاية أخرى ليس لدي الوقت لأحكيها، وأنا هنا خلف الشجرة [...] يتحرك الرجل الملتحي كاللص، وتخرج من فمه كلمات سيئة وبغيضة، في يده بندقيته من نوع سيمينوف، من أول نظرة عرفتها. هي ذاتها البندقية التي رأيتها يوم جاؤوا إلى القرية. جاؤوا على متن عربة شاحنة، ونزلوا كالشياطين السوداء في ذلك الدماس. ارتفعت أصواتهم وانتشرت كالوباء القاتل. وبدأت الكلاب تنبح، وأصوات كعواء الذئاب ملأت ليل القرية. وعلا صوت «السيران»، وانطلق صوت الرصاص هنا وهناك. وقفزت من فراشي، وراحت أمي تتلو آية الكرسي، وظل أبي صامتاً لا يبدي حراكاً. قالت أمي وهي تستجدي: أقعد لا تخرج. وفتحت لي باب المخزن لأتخفى. طرقوا الباب بقوة، وهم يقعقعون. قالت أمي: لا تفتح، أدخل المخزن. وأنا فتحت، وهم دخلوا البيت كالعاصفة الهوجاء. رجل طويل شدني من صدري، وراح يسألني. بعضهم يرتدي لباس رجال المظليين، وبعضهم الآخر لا يرتدي لباس المظليين. جرجروني خلفهم، وأمي تصرخ. وظل والدي ثابتاً في مكانه، مسمراً كالتمثال الجليدي. رجوت أمي ألا تخاف وألا تبكي. وقال أحدهم لأمي: سيعود، لا تخشي شيئاً. وركبت معهم في تلك الشاحنة، وكان العواء يملأ الدنيا في تلك الليلة عميقة الظلام. رأيت الرجل القصير صاحب اللحية يحمل بندقية السيمونوف، وهو يصرخ في سكان القرية. ورأيت أمي وسط جموع النساء تبكي. وراحت الشاحنة تحدث أزيزاً مفزعاً. واختفت القرية بعد لحظات، ثم تلاشت الأصوات، وتلاشى نباح الكلاب والعواء وبكاء أمي. ورحنا نقترب شيئاً فشيئاً من المعسكر، بينما الفجر يلوح [...] اقتادونا إلى ساحة عارية في أعلى الجبل. كنا عشرة. أمرونا بالجلوس القرفصاء على الأرض، وجلسنا على الأرض. كنا كأسرى حرب. أمرونا أن نخفض رؤوسنا إلى الأرض، وخفضنا رؤوسنا إلى الأرض. وكان بيننا فتى يبكي، وهو يقول: أنا لا أريد أن أموت، لا أريد أموت. كان الفتى وسيماً، أنا أعرفه. يسكن غير بعيد عن دارنا. والده كان صديقاً لأبي. والده مات، ووالدي لم يمت. وتأسف والدي لموت والده كثيراً. أنا سمعته يقول أسفه لوالدتي، بينما كانت والدتي تضع الكسرة على النار. حملوه على عربة كارو، وأخذوه في ذلك المساء الديسمبري، وهم يرددون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. ظل يبكي، وهو يقول: أنا لا أريد أن أموت، لا أريد أن أموت. ونهره أحدهم: إخرس، وإلا متَّ حالاً. عندئذ كف الفتى عن البكاء وخرس. ذلك الفتى الوسيم لم يقتلوه. في اليوم التالي، نقلوه إلى مكان آخر، ولم يقتلوه. وأنا إلى معسكر آخر، ولم يقتلوني. والرجل القصير الملتحي راح يردد: أين ذهب، هل ابتلعته الأرض؟ وأنا خلف الشجرة، لم تبتلعني الأرض. كلب ينبح، وظل نباحه يعلو. ونباحه يذكرني بريكس. حمو هو من أشترى ريكس من سوق الكلاب. لا أتذكر بكم أشتراه، لكن حمو زوج عمتي زهرة هو من اشترى ريكس ذات يوم ربيعي. والدي كان معه عندما نزلا إلى المدينة واتجها إلى سوق الكلاب، واشتريا لويزة وريكس. كان ريكس أصغر بكثير من لويزة. لم تكن لويزة أم ريكس، لكنها كانت في سن أمه. عاشت لويزة بيننا فترة طويلة، لكن فترتها أقل من فترة ريكس. لم تكن لويزة تنبح في وجوه الأطفال، كانت في غالب الأحيان صامتة. وكانت لويزة تنام كثيراً على ظهرها قرب دارنا، وهي تستلتقي تحت أشعة الشمس الدافئة. ذات يوم، اختفت لويزة، وأعتقد أبي أنها هربت مع ذلك الكلب الغريب الذي كثيراً ما كان يأتي بالقرب من بيتنا، وتذهب برفقته لويزة. وكان أبي يغتاظ من لويزة كلما ذهبت مع ذلك الكلب الغريب الذي لا يعرف أحد من القرية من أين جاء. وكان الكلب الغريب أسود اللون، ذا عينين غريبتين ومخيفتين. لم نسمعه ينبح إلا نادراً. وكثيراً ما كنت أراه في مناماتي عندما كبرت. وكان جارنا روكا، الذي يضرب زوجته كلما سكر، يكره لويزة. ووضع لها ذات مرة السم في الطعام وأكلته لويزة. كانت لويزة تعوي عواء خافتاً، وهي منبطحة على الأرض، تنظر إلينا بحزن. وكنا نحن نبكي. وجارنا سالم هو من أخبر عن روكا، لكن روكا أقسم بالله العلي العظيم بأنه لم يفعلها، وكل الناس كانت تعلم بأن روكا هو من فعلها. وكان أبي يفتح فم لويزة ويفرغ فيه زيت الزيتون، وظلت لويزة تتقيأ، واصفّر لونها وخفت نظرها، وبعد أيام ماتت لويزة. وبكت أمي على لويزة وأنا وإخوتي أيضاً. وظل الكلب الغريب الأسود يأتي كل يوم إلى قريتنا، ويقف قدام دارنا، ينظر إلينا ويعوي، وهو لا يعلم بأنها ماتت. يعوي وينظر إلينا. وأبي يقول له بأن لويزة ماتت ولن تعود.


وهو ينبح ويعوي، كأنه ينادي: لويييييييييزاااااااا، لوييييييييزاااااااااااااااا. وبعد أيام طويلة، فهم الكلب الأسود الغريب أن لويزة ماتت ولن تعود، فاختفى بصمت ولم يعد. ذلك الكلب الأسود الغريب لم يعد. وذات يوم مرض حمو ثم مات. هو لم يمت مسموماً مثل لويزة، لكن حمو مات مريضاً. ويوم دفنوه، رأيت ذلك الكلب الأسود الغريب قدام باب المقبرة. لم يكن حمو يصلي، ولم يكن مثل أبي يذهب إلى الجامع. كان أبي يقول له: صل يا حمو، وكان حمو يضحك وهو يجذب نفساً طويلاً من غليونه، ويقول لأبي: ولكن لماذا أصلي؟! أبي يصلي كل يوم، يصلي في البيت وفي الجامع كل يوم، إلى أن شاخ وهو يصلي. أنا أيضاً أصلي، لكن ليس كل يوم. في الجبل كنت أصلي كل يوم. سألني الأمير: أنت، لماذا لا تصلي؟!، قلت: أنا أصلي. إزرورق وجه حمو، وعاد كأنه ليس حمو. وأمتلأ بيت حمو بالناس يوم مرض واحتضر ومات. وظل ريكس ينبح بشدة. وقفت بعيداً عن أبي الذي كان يرمي التراب فوق حمو. كنت خلف الشجرة الكثيفة، أبكي في صمت. لم يرني أحد عندما كنت هناك خلف الشجرة، أنظر إليهم وهم يوارون حمو الثرى وأبكي. فقط الكلب الأسود الغريب رآني وأنا أجتاز مدخل المقبرة. وقف شيخ قصير ذو لحية حمراء قدام قبر حمو، وهو يتحدث عن الموت والآخرة. وفجأة نهض حمو، وظهر من تحت التراب. نظر إليهم ونظروا إليه، ثم كبّروا، وقال الملتحي: لا حول ولا قوة الا بالله. ثم عاد حمو إلى رمسه، وتفرق الجمع. لم يصدقني أحد عندما قلت إنّي رأيت حمو ينهض من قبره ويعود، وهم قالوا إن الميت لا يعود إلا هناك في ذلك اليوم، يوم القيامة. وفي الليل، قرأ الطلبة القرآن إلى ما بعد العشاء، وأكل الناس الكسكسي، وشربوا القهوة، وتحدثوا في أمور كثيرة، ورقدت في غرفة ابنة عمتي الوازنة، وفي الحلم رأيت حمو يركض على متن دراجته الهوائية [...] كنت خلف الشجرة عندما رأيت قويدر في السماء يطير. كان عنده جناحان يرفرفان مثل الطيور، يحلق مع الحمائم البيضاء، ومع الغربان، ومع الصقور، ومع العصافير، ومع الطيور المهاجرة. لم يكن وحده عندما كان يرفرف في السماء الزرقاء، رأيت الطيور حوله ترفرف وتغرد، وهو فرح يغرد، وعندما رآني قويدر، وأنا خلف الشجرة، حط فوق الشجرة، ووجدتني وسط سرب كبير من الطيور. وعندما فتحت عيني، غادرت الطيور نافذتي. نزلت من السرير، وأنا أجري باتجاه النافذة. كانت السماء فارغة وشعاع طويل ينفذ من أعالي السماء. تطلعت إلى السماء علني أراه، لكن قويدر لم يكن هناك. وضحك قويدر حتى كاد يسقط أرضاً عندما رويت له رؤيتي، وقال ضاحكاً: إن شاء الله سأطير يوماً [...] قويدر يحب الطيور حتى الموت، يذهب إلى الغابة خلف وادي صارنو، ويصطاد الطيور. عندما تزوج، ملأ بيته الجديد بالطيور، وكان يتحدث إلى الطيور، والطيور تتحدث اليه. كانت لغتهما واحدة، وما إن تراه الطيور حتى تبدأ بالتغريد، ويتحول بيته إلى سمفونية عجيبة. وفي يوم الأحد، ينزل إلى السوق القريبة من قريتنا، وهو يحمل أقفاصاً عديدة تغص بالطيور من كل الأصناف والأنواع. هو دائماً يضحك، وتسيل الدموع من عينيه عندما يضحك. عندما تزوج فتيحة لم يكن يعرف فتيحة، ولا كان رأى فتيحة من قبل. بل هو لم يكن يلهث وراء الفتيات، ولا يفكر في الفتيات. كانت هوارية بنت ماحو تحب قويدر. تصغره هوارية بنت ماحو بثلاث سنوات، وهي متوسطة القامة، ذات سمرة فاتحة، وجسم فائر. تضحك مثل قويدر في غالب الأوقات، ولم تكن تخشى شقيقها قادة ولد ماحو، وهي تغازل أترابها ومن هم دونها في السن. لم تدخل هوارية المدرسة قط، وعندما تتحدث هوارية، تعتقد أنها درست في المدرسة. كان لديها عقل يفكر، وكان لديها أيضاً ثديان مثيران. وعندما تمر على قويدر، وهو يقف بجنب عين القرية، تكشف عن صدرها ويظهر منه ما يثير كل من يراها، إلا قويدر فهو لا يهتز. دائماً يتحدث إليها كأنه يتحدث إلى شخص لا يعنيه. شخص وكفى. يشعل سيجارة ويطفئ سيجارة. يدخن سيجارة الأفراز ذات الرائحة الكريهة. أنا أكره رائحة الأفراز. وكانت هوارية بينها وبين نفسها تغضب ويستبد بها الحنق والغضب، وقويدر غير عابئ بها. ذات يوم قالت له: أليس عندك قلب؟! وهو ضحك وقال لها: لا أدري. ثم قالت له ذات يوم أنها تحبه، وهو عندئذ ضحك وقال لها: لماذا أنا!؟ وقالت له وهي لا تدري ماذا تقول: لأنك أنت يا غبي، وهو قال بلا مبالاة: صحيح أنا غبي. ثم تركها وطار مع طيوره [...] فتيحة امرأة بدينة وقصيرة وذات بشرة بيضاء، ولها شفتان حمراوان مثل دمية باربي. وفتيحة تعرفها صديقة أمي. لم تكن من قريتنا. كانت عائلتها تسكن قرية بعيدة جداً عن قريتنا. في قريتهم العديد من الشهداء، في قريتنا لا. جدها صعد الى الجبل، وأبوها صعد الى الجبل، وعمها صعد الى الجبل، وخالها صعد الى الجبل. أبوها عاد، وجدها لم يعد، وعمها عاد بدون رجل، وخالها لم يعد. تزوجت أمها من مجاهد صعد إلى الجبل وعاد بعد سنوات من الاستقلال. اسمه جلول، وفي قريتهم ينادونه الجندي. الجندي متوسط القامة ويتناول الشمة. عنده ثلاث سيارات أجرة يؤجرها كل سنة. طلّق زوجته بعدما عاد، وتزوج أم فتيحة. وكان كل من في البيت يخشى الجندي الذي كان قليلاً ما يتكلم. يخرج في الصباح ويعود في المساء، ويلتقي بأناس غرباء عن القرية من وقت إلى آخر. كبرت فتيحة في عزه. وأم فتيحة صعد زوجها إلى الجبل ولم يعد. بعد الاستقلال بقليل، أخبروها أن الثورة هي من ذبحته. خائن؟! لا لم يكن خائناً. إذن لماذا ذبحوه يا دين الإله؟! في الثورة كثير من الأسرار، دعوني منها. كانت فتيحة ذات عين واحدة، فقدت عينها اليسرى وهي صغيرة، إثر حادث لا يريد أحد أن يتذكره. حتى فتيحة لا تريد تذكره. بسبب عينها العمياء، لم يتقدم أحد لطلب يد فتيحة رغم جمالها. قالت صديقة أمي لأمي: فتيحة بنت ناس، جميلة، وعينها اليسرى الله غالب. وأخبرت أمي عمتي زهرة: فتيحة بنت جميلة، لها أخلاق، وبنت عائلة، وعينها اليسرى الله غالب. وأخبرت زهرة حمو: فتيحة ذات عين واحدة، لكنها ذات جمال، وذات عقل راجح، وعينها الله غالب. وذهب أبي وأمي وزهرة وحمو وصديقة أمي إلى تلك القرية البعيدة، وقال لهم الجندي: هي بنتكم. وأخبروا قويدر، وقال قويدر معليش. رقص الناس وفرحوا في ليلة عرس قويدر، وغنى الشيخ بوراس، وزقزقت طيور قويدر. وجلست أنا وابن عمتي عباس، طوال تلك الليلة، خلف الشجرة، والشيخ بوراس المعسكري يغني مرفوقاً بقصّابيه ومطبّليه:
يا راييييي
يا راييييي
يا راييييييييييييييييي!

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com