روجيه عسّاف: مسرح من رحم السياسة


نيكول يونس

الحضور من كل الأجيال، تداعى مساء يوم ماطر بغزارة ليسمعه. أول من أمس، الكل كان هنا، جاء محمّلاً بشغف اللقاء. مسرحيون، ومتخرّجو فنون، وطلاب، ومحبّون أتوا ليسمعوا شهادة الكبير روجيه عساف (1941). الكل راح يصغي كأنّه يقص علينا طقوساً مقدسة. يصغون الى تفاصيل تجربته في العمل السياسي والمسرحي في لبنان، وصولاً إلى ما أطلق عليه عساف تسمية «مسرحة السياسة». يربطون الماضي بالحاضر. يقارنون معه... يأمل، ويأملون. تبث الندوة مباشرة على موقع «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» على الفايسبوك. مشاركات عديدة. أسئلة ومداخلات، والشاعر عباس بيضون، جالساً إلى يمين عساف، يطالب بنقد للتاريخ السياسي، والروائي الياس خوري إلى يساره، مديراً للحوار ومعلقاً وشاهداً. ثم تنتهي الندوة بكثير من الشغف للغد، ولبناء تجارب جديدة بعد التعلم من القديم. أجيال لها همومها، جمعتها «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» على حبّ عساف رغم تناقضات الفكر والتباين السياسي وتنوع الرؤى.

ترافقت ندوة عساف التي احتضنتها «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في مركزها (فردان ـ بيروت) مع توزيع كتيب بثلاثة أجزاء أنجزه عساف عام 2007 بعنوان «في العمل المسرحي والسياسي في لبنان». مجزأ تماماً كما كانت شهادة عساف عن «مسرحة السياسة». تمهيد عن المسرح والحرب. تحليق فوق التاريخ الحديث للمسرح اللبناني، ثم ندخل في الجزء الأول: من البابا يوحنا 23 إلى ماو تسي تونغ، فاللجان الشعبية في «المريجة»، ثم مسرح «الحكواتي». نصل إلى الجزء الثاني: من المحيطي (الضاحية والجنوب) إلى المركزي (بيروت العاصمة)، فبيروت في وجه التدمير. ثم الجزء الثالث الذي طرح فيه عساف مقدمات لاستنتاجات محتملة بين المطمع الوطني، والانقسام الطائفي، فالتضامن الناجع، وألحقها ببعض الأهداف المقترحة.
بصدق قل نظيره، تجرأ المسرحي اللبناني على القول إنّ المسرح «شغلة تافهة» بالنسبة إليه. «هناك فئات كنا ندّعي أننا نريد أن نمثلها، وكانت غريبة عن جو المسرح». «جمهور المسرح حينها كان جمهور البورجوازية الاجتماعية»، في حين كان هدف عساف الدعم الفعلي لصفوف المقاومة الفلسطينية. أكّد مراراً أنّ المسرح يمكن أن يلاقي دوره في الحياة الاجتماعية والسياسية، كتفعيل أفكار في المجتمع حيث هو. لكن هل هذه «وظيفة المسرح؟» و«هل للمسرح وظيفة أساساً؟»... أسئلة كثيرة وجذرية كانت تهطل ــ بغزارة المطر في الخارج ــ في أذهان الحاضرين، مع كل شهادة من روجيه الذي راح يفجر أعداداً من المفاجآت: «المسرح ما إلو عازة!»، والعيون تشخص إليه باستفهام... بتعجب، بحيرة، وترقب... حتى وهو يعطي شهادته، يجذبك حد الأخذ. لكن مهلاً، كيف ذلك؟ كيف «المسرح ما إلو عازة!» من فم أحد رواد الحركة المسرحية الطليعية في لبنان؟ نعم! يعطي مثلاً، فلكل شيء عند عساف مثل من الواقع المعيش أو من تجاربه، ولكل فكرة أدلة وبراهين. يتوقف عند عمله في المخيمات والجنوب: يسرد كيف أراد دعم المقاومة الفلسطينية (ثم يضحك قائلاً «هي دعمتنا معنوياً»!)، فكان عمله داخل المخيمات في البداية بعيداً عن المسرح. كانت هناك أنشطة اجتماعية، عسكرية، أو متعلقة بحياة الناس اليومية. لكن عندما عرفوا أنّه مسرحي، طالبوه بمسرح: «المسرح يللي بعرفو، ما بيفيدكم بشي!». إذاً، هل كان روجيه يدرك بهذا الوضوح وهذه الدقة أن لا «عودة» بلا عمل عسكري؟ وأن لا تحرير بلا «كفاح مسلح»؟


لكن عساف وسّع أطر الأمثلة وذهب إلى شوشو، منقّباً في «العلاقة بين الفنان والفئات الشعبية». تحدّث عن أثر هذا المسرح اجتماعياً، والتصاقه بذهن الناس. ثم عاد الى تجربته في مخيم «شاتيلا» وأولى مسرحياته. بدأ البحث مع الناس عن مسرحياتهم، وقصصهم، وعلاقتهم اليومية بأمور الحياة، وبالسلطة. يقول: «قضية فلسطين هي قصة ذاكرة!... تلك الطاقة الشعبية للصمود!». إذاً، كان دور المسرح مرحلياً هنا. لكن «عملي المسرحي كان مبنياً على منهج سياسي، لا على منهج مسرحي!». الكل بقي غارقاً تحت صدمة صدق التعبير، فيما روجيه يضيف: «هناك اكتشاف مهم جداً وأنا مصرّ عليه هو أنّ المسرح كان مختبراً للأفكار السياسية والفلسفية والأخلاقية والدينية...».
«ما في متل المسرح لتطبيق هالأفكار بين الجماعة، شرط تكون هالجماعة مرتبطة بالمجتمع والبيئة». هي توصية أكثر من أي شيء ختم بها عساف شهادته، فيما راح الجميع يصفق بحرارة. جاءت بعدها المداخلات. تسأله جنى عن همّ أساسي عند المسرحيين، هو النقص الفادح في الكتابات النصية لمصلحة الرواية والشعر. يخفف عنها، مستعرضاً تاريخ المسرح اليوناني القديم. يتوقف عند تاريخ المسرح اللبناني ليصل عند «الراوي» الذي «كان رجلاً مسرحياً بكل ما في الكلمة من معنى». ثم جاء السؤال الأصعب: «لماذا الشعب بعيد عن المسرح؟» و«الجمهور لم يتجاوب مع هذه التجربة المسرحية التي صنعت لأجله؟». يدخل من جديد في السياسة: «كل الأمور تحصل باتجاه تجزئة الشعب»، داعياً الى «التوحد على قضية فلسطين، فهي الركيزة الوحيدة». من هنا، برز السؤال التالي عن تسييس المسرح ومسرحة السياسة. أطلق عساف جوابه الصاعق: «ولا مرة، المسرح كان له دور تغييري!» «المسرح تسوية تافهة! هو ليس صانع التغيير».
تستفز الكلمة عباس بيضون: «المسرح عند روجيه شغلة تافهة؟! المسرح كسياسة تفاهة، والمسرح لازم يبقى مسرح». ثم يدعو الجميع الى إجراء مراجعة نقدية للتاريخ السياسي لا للتجارب المسرحية. يرد الياس خوري، عازياً الأزمة اليوم الى الفراغ الثقافي أخذ ثم رد، ثم يختم روجيه: «أنا ما عم أعمل مسرح. كنا عم نعمل عمل فكري سياسي، ونستخدم أدوات مسرحية. وهذا إلغاء المسرح». ويصرّ: «أنا أعتبر أنّني كل يوم أشتغل سياسة». هو التزام بقضية مركزية؟ هو مبدأ؟ هو التزام بالإنسان؟ وإنسانية الفنان والفن؟ ما قيمة الفنون أصلاً إن لم تفد الإنسان؟
يقول بلينسكي إنّ «الفنّ، من حيث مضمونه، تعبير عن حياة الشعب التاريخية، فإن الحياة تمارس تأثيراً كبيراً عليه، فترتبط به ارتباط زيت المصباح بشعلته، أو بالأحرى ارتباط التربة بالنبتة».
أو كما قال تشرينيشفسكي «إنَّ تطوّر المبادئ الجمالية مرتبط بشعبية الفن ورسالته الاجتماعية وعقائديته. فالفنّ لا يتولّد من المتطلبات الجمالية المجرّدة وحدها، بل يظهر، في الدرجة الأولى، بسبب الحاجات الاجتماعة. إنَّ ما يأتي بالفن إلى الوجود، هو الظروف التاريخية لحياة الشعب العملية». روجيه عساف مسرَحَ السياسة، فكان الفن وجوداً صادقاً، تعبيراً، موقفاً... ونهجاً.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]