على الحافة | الحاجة إلى طاقة أقل


حبيب معلوف

كل الحديث في الفترة الأخيرة عن أزمة الكهرباء وسياسات الطاقة ليس في مكانه. في الحقيقة ليس هناك من نقاش جدي عن سياسات الطاقة. هناك حديث سياسي - انتخابي عن ضرورة تأمين الكهرباء 24/24 ساعة. وهذا الكلام لا يمت بصلة إلى سياسات الطاقة المفترض مناقشتها بعمق وبالكثير من التحفظ.

لا يمكن مقاربة موضوع الطاقة في لبنان بغض النظر عن استخداماتها. كما لا يمكن وضع سياسات للطاقة في لبنان من دون دراسة الطبيعة اللبنانية بأنظمتها الايكولوجية والجيولوجية والطبيعية المختلفة... بالإضافة إلى رصد السياسات والاتجاهات العالمية ومستوى التقدم العلمي والتقني في هذا المجال. كما لا يمكن وضع سياسات مستقلة للطاقة من دون أن يكون لدينا استراتيجية شاملة للبيئة أو لما يسمى «التنمية المستدامة».
فإذا وضعنا هذه الاستراتيجية مع التمسك بكل أبعاد مبدأ «الاستدامة»، سيتغير المشهد كلياً، وطريقة التفكير والتقييم، وتتغير المطالب والتوقعات أيضاً.
وإذا أردنا ان نحافظ على مبادئ الاستدامة أو أن نحترمها، علينا اتباع سياسات محافظة. علينا ان نبحث أولا عن الطاقات المتجددة، النظيفة والمستدامة، المتوفرة عندنا، كطاقة الشمس والرياح وقوة تدفق المياه الطبيعية الجريان...الخ وكما تصح الفكرة القائلة إن المشكلة هي في الإنتاج وضرورة زيادته، يمكن ان تصح الفكرة القائلة أيضاً إن المشكلة في زيادة الاستهلاك (والطلب على الطاقة) وهناك ضرورة للترشيد والتوفير في استخدامها.
عندما نتحدث عن طاقة متجددة ونظيفة ومستدامة، يعني في الحصيلة نحن نتحدث عن طاقة أقل. وعلى هذا الأساس يفترض أن نبني سياساتنا، من دون ان ندخل في الوعود الفارغة بكهرباء 24/24، ومن دون ان ندخل في أوهام مسألة التنقيب عن النفط والغاز، وأوهام «الثروة»، أو «النعمة»... إذ سرعان ما سنكتشف أنها ستكون نقمة كبيرة، تخرّب بيئتنا واقتصادنا وسياساتنا الطاقوية، ولا يستفيد منها إلا كبريات الشركات وسماسرتها، وأنهم لن يتركوا لنا سوى خراب الاقتصاد والبيئة والفكر المحافظ وفلسفة الكفاية وعلاقات العمل والإنتاج...الخ
كما أن الطاقة المتجددة والمتوفرة عندنا هي في طبيعتها لامركزية، ويمكن الاستثمار فيها بشكل صغير ولا مركزي، أكثر من أي قضية أخرى كمشكلة النفايات. وذلك كون الشمس والرياح وقوة جريان المياه، في طبيعتها مستدامة وغير ناضبة كالطاقة الاحفورية، ومن جهة أخرى متوفرة بشكل لامركزي، ويمكن أن تساهم في إنتاجها القرى والمنازل بشكل مستقل، مما قد يساهم في كسر الاحتكار والاستغلال، كما هي الحال في المشاريع المركزية الكبرى، كإنشاء المعامل الحرارية الملوثة، مع تقنياتها وتقنييها غير المتوفرة والتي ترهننا وتستنزفنا لفترة طويلة.
لوضع سياسات واقعية للطاقة إذاً، خالية من الوعود الزائفة والأوهام، غير المرتهنة لدول أو لشركات أو لاستثمارات احتكارية واستغلالية شبه استعمارية... علينا أن نتعايش في الفترة القادمة مع فكرة طاقة أقل وعمل أقل (عدد ساعات وأيام العمل). وهذه المعادلة ليست خيالية ولا هي انهزامية أمام متطلبات الحضارة، كما يوهمنا البعض من أركان اقتصاد السوق. كما ليست معادية للقضايا الاجتماعية والوطنية. فطاقة أقل وعدد ساعات عمل أقل، تعني أيضاً زيادة فرص العمل لآخرين وتراجع معدلات البطالة والهجرة… وتعني في الحصيلة تلوث أقل وصحة أفضل.
طاقة أقل وعمل أقل، تعني أيضاً تنقلاً أقل وتوفير المزيد من الطاقة والتلوث والزحمة، كما تعني استهلاكاً أقل وتوفير مداخيل أكثر… وساعات فراغ أكثر لمجالسة الأصدقاء والاهتمام بالشأن العام وتصحيح الدورة الاقتصادية ونوعية حياتنا...الخ.

* للمشاركة في صفحة «بيئة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]