طفلٌ. عجَلةٌ. و... صديق


نوفل نيوف

نهارٌ عليل. عائدٌ من المشفى باكراً. بعضُه باقٍ فيه. لولا أوّلُ الخُضرةِ وأزهارُ الشجر، أقول إنه نهار بلا ضوء. تدور في رأسي مجرّدةً من أي مدلول ديني. منزوعة القداسة. بعيدة عن أي تفسير لابن كثير، أو لابن غيره، هذه الآية: «وأمّا من خفّتْ موازينه فأمُّه هاوية». هكذا، ومن عالَم غيب!... خفّة. موازين تتأرجح. أمٌّ هاوية. ماذا تهوى؟ ما هواها؟ أم هي تسقط من علٍ؟ من ميزان؟ إن تسألِ المفسِّرين تسقطْ في هاوية. إحساس بعدمية سكّرٍ لا يذوب.

بأخطاء اتِّباعي الصراطَ المستقيم. بالرعونة. بالتهوِّرِ حتى الإحباط. حالة مألوفة حتى كابوسيّة اللامبالاة. لا أحبّني. لا أستطيع التصالح معي. أتعايش معي كزميل وحيد في سجن. كسائق يَمضي بي في سيارة لنا الاثنين إلى حيث يشاء أو تشاء الطريق. لا نرى منها أمامنا أبعدَ من إصبعين. لم يبق في القطار أحد. القطار يغادر. أبقى على الرصيف. تأتي القطارات مليئة. تمضي خفيفة فارغة. أُلقي عنّي السماء والأرض. أمضي خفيفاً فارغاً. ليل نهار. ليل نهار. لا تغيب الشمس. كثيراً ما أجدني أتوجّه إلى نفسي بسؤال السيّاب إلى حبيبته: «فمتى أراكِ وأنتِ ملتمّة»؟! الفيسبوك صيدلية غيوم. كل صيدليّ فيها إلهٌ جديد. إلهٌ حائر تتدلّى من فمه سيوف الحقيقةَ الكلّيّة المصوّبة إلى عنقي، أنا الجاهل، مجّاناً. إله يؤرجح رأسه المليانَ الحديدَ بين رؤوسكم الخفيفة، لتتعلّموا منه: أيها المثقفون العُلوج. نعم، أذكر: العلوج!
ـ تعطي كلبَك لأحد يربّيه، يعضّك.
ـ من الذي يعضُّك؟
ـ كلاهما.

لا تعُدْ إلى تنظيف المقارنة بين تحمُّل رؤية الوسخ والخوضِ فيه.
كلّما أرى امرأة تَرْشق النسيم بالوعود أهبط راكضأ إلى الشارع. أنْطُر جائعاً حتى الوجبة القادمة من النوم. يدنو الصباح من عتمة القلب مثلَ قطٍّ جائع يتربّص بفأرة تناكده. تلاعب غودو. لا يجيء ولا تجيء!
حتي في الظلمة الحالكة أرى الصباح في بياض فلّةٍ. لا يكفي عمْرٌ لأتمنّى وأنتظر أن تقدِّمها يدي للمدينة المرتجفةُ في يديك!
الحياة ليست ظالمة ولا عادلة. الحياة قاضٍ موضوعيٌّ. عديمُ الهوى والعواطف. لا تُربّي ولا تُعلِّم. لك أن تتعلّم فيها أو منها. أن تتربّى وتَعتبِر. الحياة لا تُكافئ ولا تعاقب. الحياة تحاكم. تحاسب على الحُجّة. لا تبرِّئ المظلوم. تُبرِّئ من يُحِسِن الدفاع ولو مجرماً. عشْ وتَعلّمِ العيش. لا تَلُمْ نفسَك. في السرير غابة. كفّاك قطعة ماء وطَير.
أقول لي: لا أستطيع أن أقول ما أريد. لو أنني لم أكن ولداً. لو أنني بنتٌ. لو أنني طائر أعمى يعيش تحت الماء. الإنسان للإنسان ذئب. يُخَطِّئ هذه المقولةَ ذئب. يصدِّقه ساذج. تفضحها لعثمة طفل: الملك عارٍ. لهذه المقولة ترجمة أخرى: كن ذئباً بين الذئاب. يُخَطِّئ لسانُ الذئب المقولةَ الأولى بحماسة لا يعادلها إلا حماستُه في تطبيق الثانية على أذأبِ وجه.
أجمع قمصاني المليئة بدم العيون. بطيورٍ أكلت أقفاصها ذات نور. بالألوان المتداخلة، المتحوِّلة. بالحسرات. القتيلةُ تحضن ابنها المشلول. نصفها مبعثر. بَعيد. رأسها ويدٌ واحدة في عربته المحرومة من رُكبتَيه وتحت. أغمس أصابعي العشرين في أطباق الفقراء المهلهَلة. أنتشل الجياع من الرطوبة الفائرة في الأسمال. أُنشِّفهم على جلد قمرٍ لم ينجُ من الإعدام. أردّ على قبلة الطفل. أضمُّه إلى صدري:
هل يقبِّلك أحدٌ غيري؟
ماما تقبِّلني...
ومَن غيرُها؟
بابا... أحياناً.
والآخرون؟
...
عدد قبور الضحايا يفوق عدد البيوت. البلاد مقبرة تتسع باستمرار. جليدٌ من حجر. انعدام إحساس بالأمان. انعدام رؤية:
إلى أين؟ ما هو الغد؟ هل يأتي غدٌ ما؟
طاحون حيرة مرعبة يقضي فيها الأحياء ما باقٍ لهم من الوقت:
دقائق. ساعات. أيام. شهور؟
لا جواب. لا يقين بشيء.
هل نَراكُم يوماً؟ هل نكلِّمكم مرة ثانية؟
اعذرني على قسوة الصراحة، يا أحمد. ليس لدى السوريين كلام آخر. هاجسٌ آخر.
لماذا لا ننام؟!
أَدخُل نفسي وأُغلِقُ كلَّ شيء. أهبط السلَّم اللولبيّ المكسورَ الدَّرَجات. أنتبه متأخِّراً: ستارة الشبّاك المخمليةُ قرب الباب لم أُحكِم إغلاقها كما يجب. أنفخ على الضوء المتسرِّب من هناك فينطفئ. لا أُحبّ النوم باكراً ولا أستطيع. أهرب من يقظتي المعطَّلةِ الثقيلة. الثالثةُ وعشرون دقيقة. الصباح الصيفي يقترب. تأخذني القراءة. تطلب نفسي الصعود. أمنعها عن القهوة في هذا الوقت. أقوم وأصبّ كأساً من عصير البندورة. أصبّ وعيني على زجاجات تغريني. لا تَخرج نازك من الليل. تظلّ ساهرة تداويه. أُسرع بالعودة إلى الكتاب. بعد شهر من الآن نلتقي. أراه ولا يراني. ثم نلتقي ثانية. يراني ولا أراه. في الطريق الواحدة طرق كثيرة. للعين عقلها ومنطقها أيضاً. لا شيء بمنأى عن الشرِّ. الطعنة أقوى من الحبّ. في رماد السماء الأزرق شيء من العسل. لا يسيل ولا يزول. لا يليق به أحد. أنظرُ إليه بعنادٍ قسري. لا تطرِف عيناه. كأنهما طعنة من يدٍ مجهولة لا تُرى. تشقّ صدري وتأخذ قلبي برفقٍ إلى الدار. لا السنديانة خضراء. لا الشرارة في الغيوم. البُنَيّة ثابتة في الخيال. يتحرّك الزمن. البُنَيّة على المصطبة غيرُها. تحرِّك في الموقد الجمر. يلفح اللهبُ وجهَها واليدين. يحميها الحرير. شجرة التوت تلعب بِكُرات الريح وتحلب المطر. ليتني عجوزٌ يرعى جُنينةَ ربيعكِ العشرين. في مرحلة من العمر، يصير الشعور صنماً يَبكي. يتفرّج عليك. كلُّ حماسة إلى النار. عِش في الثلج. يموت صديق بين ذراعَيّ. يموت ولا أدفنه. دعْه يعيش. أريد أن أشرب الروم وحدي. أن أشربه من زجاجة فارغة لم تعد موجودةً ولا الرفّ. ألم نشرب طويلاً ما لا يُسكِر؟ ما ليس في زجاجة من كلام. يموت ولا أدفنه. لا نتكلّم. لم يعد يعرف لغتي. لم أعد أعرف لغته. ليس بيننا لغة. لا أَكثَر. دعْه يعيش.
المشنقة ــ لَو.
■ مترجم وكاتب سوري

كلمات
العدد ٣١٢٥ السبت ١١ آذار ٢٠١٧

مقالات أخرى لنوفل نيوف:

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]