Herbalife... تجارة الاوهام والغموض



الغالبية الساحقة من الموزعين يجنون القليل من المال أو لا مال إطلاقاً

تفتح «التسوية» التي تمت منتصف تموز الماضي بين لجنة التجارة الإتحادية في الولايات المتحدة الأميركية (FTC) وشركة Herbalife للأغذية المتخصصة في منتجات إنقاص الوزن والتخسيس والعناية الشخصية، الباب واسعاً للتعمق في عمل هذه الشركة ومثيلاتها من شركات «التسويق المتعدد المستويات» في لبنان، للإضاءة على مخاطر هذا النوع من الأعمال الذي يستند في الأغلب على بيع «الأوهام» بالثروة والنجاح

رضا صوايا

قضى الإتفاق بين الطرفين على أن تدفع Herbalife مبلغ 200 مليون دولار للتعويض على المستهلكين المتضررين من ممارسات الشركة، وبأن «تعيد هيكلة أسلوب عملها بما يسمح بمكافأة المشاركين على ما يبيعونه وليس بعدد الناس الذين يقومون بتجنيدهم».

وهنا يكمن لب المشكلة، إذ أن ملايين الموزعين المسقلين حول العالم، وفي لبنان، مهددون بسبب هذا النمط من الأعمال الذي بحسب خبراء الرياضيات «لا أفق له ولا بد أن يفشل وينتهي».
طريقة عمل Herbalife بسيطة، وتقوم على البيع المباشر، أي من خلال موزعين على تماس مباشر مع المستهلكين من دون الحاجة لوجود متجر، وتعتمد على التسويق الشبكي (نسبة لطريقة الإنتشار عن طريق شبكات من المسوقين أو التسويق المتعدد المستويات نسبة إلى المستويات التي تدفع عليها العمولات). بالتالي، على كل موزع مستقل أن يجنّد موزعين آخرين يقومون بدورهم بتجنيد موزعين مقابل عمولات، ما يعني أن الربح الأساسي يجنى من خلال إبقاء هذه الشبكة نشطة وفاعلة، وليس من خلال بيع المنتج بحد ذاته، وهو ما بينته بوضوح لجنة التجارة الإتحادية في الولايات المتحدة.

تهرب

دخلت Herbalife إلى السوق اللبنانية عام 2011 من خلال شركة Wellness S.a.r.l التي تستورد المنتج من اليونان. حاولنا الإتصال مراراً بالشركة في لبنان لطلب إجراء مقابلة مع المعنيين بهدف الإستفسار عن طريقة عملها وعدد الموزعين في لبنان وتقييم تجربة سنوات الست الماضية... إلا أن الشركة لم تتجاوب. البحث على موقع Herbalife الإلكتروني في لبنان لا يساعد في الحصول على أي من الأجوبة المطروحة، لا بل يزيد الشكوك. على سبيل المثال، يذكر الموقع أن شركة wellness S.a.r.l هي وكيل المنتج في لبنان، لكن بدون رابط إلكتروني للشركة يوضح إختصاصها وعملها ومن هم المسؤولون فيها. كما أن إحدى الخانات على الموقع معنونة بالإنكليزية «قصص نجاح»، وعند الإطلاع على المضمون يتبين أنها لا تحتوي أي قصة نجاح لأشخاص من لبنان سواء من المواطنين الذين إستخدموا المنتج للإستهلاك الشخصي أو لموزعين لبنانيين إشتروا المنتج للتجارة وتحقيق الأرباح.

لبنان الأول عالميا!

يقود البحث عن شركة Herbalife في لبنان إلى تقرير أعدته الباحثة كريستين ريشارد في أيار الماضي ويتضمن معطيات لافتة تزيد من الغموض المحيط بعمل الشركة في لبنان.

تكشف ريشارد إستناداً إلى بيانات علنية متاحة للعامة عن الصادرات الأميركية أن Herbalife أرسلت كميات ضخمة من المنتجات إلى لبنان. بحسب شركة Zepol (التي عادت وإستحوذت عليها شركة Datamyne) وهي شركة مختصة بتوثيق معاملات الإستيراد والتصدير في الأميركتين وتمتلك إحدى أكبر قواعد البيانات حول الإستيراد والتصدير في العالم، يتبين أن Herbalife شحنت إلى لبنان عام 2014 نحو 3.6 مليون علبة من منتج Formula 1 أي ما يوازي علبة لكل مواطن تقريباً. وجعلت هذه الشحنات التي استمرت حوالي عام بمعدل شحنة يومياً، من لبنان بحسب أكبر سوق تصدير لشركة herbalife عام 2014.
اللافت أن شركة أخرى معنية بتوثيق معاملات الإستيراد والتصدير هي شركة Panjiva إمتلكت الإحصاءات نفسها، كما تطابقت أرقام Zepol مع أرقام Datamyne قبل أن يتم الدمج بين الشركتين. وكل الأرقام مطابقة لأرقام الجمارك الأميركية.
تشير الباحثة إلى أنه وبعد جهد تلقت جواباً من نائب الرئيس التنفيذي لشؤون المؤسسة العالمية آلان هوفمان أبلغها فيه أن الشركة لم تقم بالشحنات المعنية إلى لبنان.
العالم بشؤون الشركات، لا سيما الكبرى، يدرك أن دقة بياناتها محورية في عملها نظراً لما تمثله من أهمية للمستثمرين والمحللين والسلطات الضرائبية وغيرها. في حين تؤكد الشركات المختصة بتوثيق أعمال الاستيراد والتصدير أنها تتلقى عشرات التصحيحات يومياً. إلا انه بعد مرور سنتين لم تقم Herbalife بأي محاولة لمعالجة الخطأ في البيانات كما تدعي!

سراب الثروة

تجيد Herbalife من خلال استراتيجيتها التسويقية المتبعة دغدغة أحلام الناس وإيهامهم بالنجاح الباهر والسريع بغض النظر عن خلفياتهم الإجتماعية وخبراتهم المهنية. وهي في هذا الإطار تستخدم وسائل عدة لإيقاع الفريسة بالطعم، كالفيديوهات الترويجية لموزعين يتحدثون عن الإنجازات الخيالية التي حققوها والمبالغ الطائلة من الأموال التي كسبوها من بيع منتجات الشركة. سيارات فخمة، فيلات، قصور، ويخوت تظهر في الصور والفيديوهات والصفحات الشخصية للكثير من موزعي الشركة على فيسبوك وتويتر وغيرهما من وسائل التواصل الإجتماعي، والتي يعاد الفضل باقتنائها إلى Herbalife.
حتى موقع الشركة الإلكتروني في لبنان لا يخرج عن هذا الإطار، حيث يسأل القراء بالإنكليزية في خانة «فرص العمل»: «هل ترغب بكسب المزيد؟» ليستعرض لهم منافع أن تكون موزعاً لمنتجات herbalife، ومنها ان تكون سيد نفسك، تتحكم بوقتك، وأن تعمل من المنزل بدون الحاجة إلى تحمل تكاليف الإستثمار في متجر. لكن، بحسب الشكوى التي قدمتها لجنة التجارة الإتحادية في الولايات المتحدة (FTC) ضد Herbalife، فإن الحقيقة مغايرة تماماً لا بل سوداوية إلى حد مخيف مما تحاول الشركة تسويقه وإقناع الناس به. تشير اللجنة إلى أن «بيع منتجات Herbalife بالتجزئة ليس مربحاً، أو غير مربح بما فيه الكفاية... وبناءً عليه فإن الأغلبية الساحقة من موزعي Herbalife الذين يبحثون عن فرص عمل يجنون القليل من المال أو لا يكسبون أي أموال على الإطلاق، ونسبة كبيرة منهم تخسر ما إستثمرته». تحليل بيانات الشركة وفقاً للجنة التجارة الإتحادية في الولايات المتحدة يظهر أن «غالبية الموزعين يتوقفون عن طلب منتجات جديدة بعد إنقضاء عام واحد» وأن «حوالي 40% من منتجات Herbalife تباع إلى موزعين لا زالوا في عامهم الأول». وفي مؤشر خطير يتبين بحسب (FTC) انه في عام 2013 على سبيل المثال إنضم إلى Herbalife في الولايات المتحدة 277 ألف موّزع جديد، لكن 256 ألفا غادروا في العام نفسه».

القانون اللبناني

لا يتناول القانون اللبناني هذا النوع من الشركات والأعمال التجارية. وفقاً للمحامي إيلي شاهين «يكرس القانون اللبناني حق ممارسة التجارة الحرة، إلا أن هذه الحرية تبقى محكومة بإطار قانوني لا يمكن لمن يمارسها تخطيه. فالحق بالربح مشروع ومحمي قانونا، إلا أنه لا يمكن أن يكون مطلقا، أو مستندا إلى وسائل غير مشروعة. هنا تكمن مخاطر الشركات التجارية التي تتلطى بعباءة قانون التجارة وحقوق التجار، لتمارس نشاطات وإن بدت بظاهرها مشروعة، إلا أنها بواقعها لا تقل عن أن تكون ضربا من ضروب الاحتيال الموصوف».
يوضح شاهين أنه «لا يوجد في قانون التجارة اللبناني أي نص يحرم هذا النوع من الشركات، إما لأن نظامها حديث العهد، أو لأن قانون التجارة يعنى بتنظيم علاقات التجّار والتجارة على أنواعها. فتقع هذه الأفعال «الجرمية» تحت مجهر قانون العقوبات، أو القوانين المالية الحديثة. وعليه، لا بد من دراسة مدى تطابق نشاط هذه الشركات، ووسيلة الربح المتبعة فيها، مع قوانين العقوبات، لا سيما تلك المتعلقة بالجرائم المالية، وأكثر تحديدا، جرائم الاحتيال المنصوص عنها بالمواد /655/ وما يليها من قانون العقوبات اللبناني».
ألا يفترض المنطق إستناداً إلى ما عرضته لجنة التجارة الإتحادية في الولايات المتحدة (FTC) والذي دفع شركة herbalife إلى قبول التسوية أن نعتبر أقله أن Herbalife تخلق في ذهن الناس أملاً بالربح، وأن الشخص الثالث هو حكماً الموزع الذي يهمه جذب موزعين آخرين؟
وبالعودة إلى لجنة التجارة الإتحادية فإن «Herbalife تدعي أن الأشخاص الذين يشاركون في أعمالها يمكنهم أن يتوقعوا أن يتركوا وظائفهم وأن يكسبوا آلاف الدولارات شهرياً أو حتى الثراء. لكن الحقيقة أن الغالبية الساحقة من الموزعين يجنون القليل من المال أو لا مال إطلاقاً».
يمكن أن تكون لشركة Herbalife أحسن النوايا، وقد تكون خلقت فرص عمل للكثيرين وحقق العديد من الناس أرباحاً بفضلها. لكن بين تحليل النوايا ودقة الأرقام تبقى الأخيرة المرجع الأدق لمحاولة بناء أي تحليلات. وما كشفته الأرقام ومعطيات لجنة التجارة الإتحادية الأميركية لا يمكن تجاهلها. ففي ظل الأوضاع الإقتصادية الصعبة التي يشهدها لبنان يصبح من السهل على أي شخص أن ينقاد خلف أي شعار أملاً بمستقبل أفضل، ويكون بالتالي مصير عائلات بأكملها في خطر من تجارة قد يكون مردودها الوحيد... الوهم.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | RedaSawaya@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com