التمرين الأصعب!


ديمه دو كليرك

كتابة تاريخ الحرب الأهلية، وخصوصاً عندما نكون شهوداً عليها، هي تمرين صعب للغاية، نظراً إلى امتدادها عبر وسائل أخرى في السياسة المحلية الراهنة، ونظراً إلى الحساسية المفرطة للواقع ونقص أو محدودية الوصول إلى المعلومات الموثقة. مفهوم الحرب الأهلية يثير بدايةً مشكلة مزدوجة. أولاً: النفور من قبل الجناة ومن قبل الضحايا بالإقرار بها وتسميتها باسمها.

يتضح ذلك من خلال استخدام تعبيرات ملطفة مثل: حوادث، أحداث، مصائب، ويلات، «التعتير الذي عشناه»... والمشكلة الثانية هي الندرة في التفكير التاريخي والتأريخي حول الحرب الأهلية. في حين أنّه يمكن للحرب أن تتمظهر تحت شعارات البطولة والشرعية والمجد والقضية العادلة والوطن، تعتبر الحرب الأهلية حدثاً سلبياً ومخزياً بلا مأثرة أو مجد أو تخليد أو جائزة (باستثناء عدد القتلى الذي يسجله فريق في مرمى الآخر)، نظراً إلى خصائصها. فما هي خصائص الحرب الأهلية؟
الحرب الأهلية هي أولاً حرب بين الإخوة، تقوم على «العنف الحميم»، الموجّه ضد القريب أو الأخ. فهي تعبر العائلات وتصل إلى قلب المدينة وتهدف إلى القضاء على «أعداء الداخل». يصبح الجميع مشتبهاً فيهم. هذا يصبح خائناً أو عميلاً، ما يؤدي إلى تفاقم النزاعات والتسبب بالتجاوزات من قتل ومذابح وانتقام، لذلك تدين جميع الأطراف الحرب الأهلية، إذ يرمي كل طرف المسؤولية على الطرف الآخر. يتناولها الصحافيون وعلماء الأنتربولوجيا والنفس قبل المؤرخين، كما يقاربها المشاركون فيها في مذكراتهم من أجل تبرير أفعالهم، ما يؤدي إلى الصعوبة في تحويلها إلى مادة تاريخية موضوعية. ينكر اللبنانيون ما حصل، ولا يستخدمون مصطلح «حرب أهلية»، فمنهم من يعتبرها عبثية أو عاراً، ومنهم من يحاول منحها معنى ليتمكنوا من قبول التضحيات أو تعزية أنفسهم أو المغفرة كي يواصلوا حياتهم.
الحرب الأهلية هي حرب شاملة، تطمس التمييز بين محارب ومدني، بين المقدس والمدنس (أماكن العبادة والمقابر لا تُوَفر). لا تأخذ بعين الاعتبار عامل العمر (أعمار العديد من عناصر الميليشيات كانت بين 13 و18 سنة) والجنس (تشارك فيها النساء كما الرجال). الجميع معني بها وهي لا ترحم أحداً. الاشتباه بالمشاركة في الأعمال الحربية ينسحب على المجتمع كله، حتى لو لم يشارك الجميع في الحرب، واستمر البعض في التواصل مع الآخر. من ناحية أخرى، ترسّخ الحواجز بين ذوي الهويات المختلفة، وحيث كانت هذه الحواجز قد تراجعت، فهي لا تقبل الحياد وتجبر كل فرد على اختيار معسكره: «إذا لم تكن معنا، فأنت ضدنا». «نحن» و«أنتم» تصبح «نحن» و«هم»، بمعنى نزع صفة الإنسانية عن الآخر وإلغاء كل حوار بين الأطراف المتنازعة واستبداله بالاتهامات. في الحرب الشاملة، يحجب العنف العام جميع أنواع العنف الخاص، وتتم تسوية الانتقام الشخصي تحت ستار الحرب. وبالعكس، هناك خطر أن يتحول العنف الخاص إلى عام عندما تبرز الهوية الطائفية للفاعلين.
مع ذلك، وبعيداً عن كونها عبثية، تبلور الحرب الأهلية رؤيتين متنافستين في البلاد، واستمرار السياسة من خلال العنف في مجتمع مستقطب للغاية، لأنّ الحرب تفترض وجود مجتمع يتنافس فيه «الإخوة الأعداء»، ويتقاتلون على إعادة تعريف الرابط الاجتماعي والسياسي بينهم. فتكون الحرب الأهلية التعبير الوحيد للصراع عندما تتعارض المفاهيم جذرياً. هذا الأمر يقود المؤرخين إلى الاعتراف بالدور الوظيفي للحرب الأهلية، ما يخلق خطر تجاهل الخسائر البشرية المروعة أو تبريرها. من ناحية أخرى، إعطاء المؤرخ الحرب الأهلية جدوى يضفي معنى على التضحيات التي سجلت، ما يؤدي إلى تجاوزها.
السمة الثالثة للحرب الأهلية أنها لا تزال في الذاكرة، ما يؤدي إلى صعوبة كتابتها. هي تتواصل من خلال رفض خطاب الآخر وعبر التحديد المناطقي.
في مقاربة الحرب الأهلية اللبنانية، يواجه المؤرخ صعوبة إضافية: كتابة تاريخ الزمن الحاضر، أي الذي يعيش فيه، وهو الزمن الذي يفصلنا عن نقطة التحول الأخيرة. بالنسبة إلى لبنان، إذا كان التاريخ المعاصر يمكن أن يبدأ من فخر الدين أو بشير الثاني، فالتاريخ الحاضر يمكن أن يبدأ من الاستقلال أو من أوائل عام 1970، وهو رواية لم تكتب بعد وغير مدرجة في الكتب المدرسية. يتعامل التاريخ الحاضر مع الأحداث الجارية، لأن ذاكرة الحرب تطيل الحرب وتجعلها حدثاً مفتوحاً. ففي حين يتناول التاريخ المعاصر الحقائق وحقبات مقفلة، يقارب التاريخ الحاضر أحداثاً لم تنته. لذا على مؤرخ الزمن الحاضر أن يصنع التاريخ مع الشهود والمقابلات لمعالجة النقص في المصادر، كون الشهادة إعادة بناء لاحقة للماضي، فلها وضعان: الدليل الذي يعكس الوقائع الحقيقية، ووضع يعكس حقيقة الشاهد، وأثر الحدث عليه. استقبال الشهادة وتفسيرها وتحليلها يعتمد على هوية المؤرخ وقصته الخاصة. فالشهادة يجب أن تنتقد باستمرار لاستبعاد الشائعات والفرضيات. على المؤرخ أخذ المسافة الصحيحة والتمكن مراعاة جميع الروايات، فهل يمكن بناء رواية نقدية لتاريخ لا يزال يتفاعل ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأحداث مؤلمة؟ يمكن أن يستغرق الأمر مئات السنين، ريثما تنحسر الذاكرة.
التحدي كبير، ولم أتحدث هنا سوى عن صعوبة كتابة الحروب الأهلية من ناحية خصائصها والتي تتطلب منهجية معينة. ولم أتطرق إلى العقبات والضغوط السياسية والاجتماعية التي يواجهها المؤرخ في كتابة تاريخ هذه الحروب.
*باحثة وأستاذة جامعية

تعليم
العدد ٣١١٤ الاثنين ٢٧ شباط ٢٠١٧

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]