تعليم التاريخ: كيف نبني مؤرّخاً صغيراً؟



المركز التربوي لم يكلف مؤسسة أديان بالقيام بأي دراسة ميدانية (هيثم الموسوي)

أيّ تاريخ نريد أن نعلّم في لبنان؟ حتى الآن، لا جواب نهائياً عن السؤال ما دامت السلطة ممسوكة من أطراف كانت أكثر من فاعلة في التاريخ المعاصر، ورواية ما حصل في هذه الفترة مختلف على تأويلها. هذا لا يعني أنّه ليس هناك مبادرات ناجحة يقوم بها مؤرخون وجمعيات تربوية يمكن التأسيس عليها لوضع مناهج جديدة لمادة التاريخ وتغيير طرائق التعليم. فهل تنجح «الهيئة اللبنانية للتاريخ» مثلاً في استنهاض المعلمين نحو التغيير الإيجابي والضغط على المؤسسات الرسمية باتجاه توضيح المفاهيم التاريخية وفق مقاربات تعليمية علمية؟

فاتن الحاج

ما يدرسه التلامذة اليوم في كتاب التاريخ لا يتناسب مع انتظاراتهم من هذه المادة. في جعبة هؤلاء أسئلة كبيرة حيال الكثير من الأحداث والمواقف التاريخية. ليس المجال هنا للخوض مجدداً في الجدل الإيديولوجي الذي كان سبباً في حلّ ثلاث لجان رسمية شكلت، منذ اتفاق الطائف حتى اليوم، لوضع منهج تاريخ معاصر، وسعت إلى إقامة توازنات ظاهرية هدفها إرضاء أطراف رئيسية في السلطة السياسية، والاستفادة من اللحظة «التوافقية» للخروج بكتاب تاريخ رسمي يحظى برضى اللبنانيين، فيما تنشأ في الظل تواريخ عائلية وطائفية.

الهدف هو الإطلالة على مقاربات جديدة لتعليم التاريخ قائمة على مبدأ أن المادة إشكالية وتتضمن وجهات نظر مختلفة وقضايا قابلة للجدل، وأنّ اللعبة ليست الأحداث، بل كيف نفسّر هذه الأحداث ونقدمها للمتعلم ليتأثر بها.
الأولوية، بحسب هذه المقاربات، تُعطى لتكوين التلميذ المتنوّر والمتسلح بالفكر النقدي، للانتقال به إلى مرحلة يصبح فيها هو المؤرخ الصغير المتحرّي والمخبر عن الماضي، فيبحث عن الحقيقة التاريخية، بعيداً عن التشريب عبر الكتاب والأستاذ. يقابل هذا التلميذ معلم ــ باحث لا ينقطع عن تجديد المعرفة الأكاديمية.
«الهيئة اللبنانية للتاريخ»: التفكير التاريخي
«الهيئة اللبنانية للتاريخ» نموذج تبنّى هذه المقاربات عندما أخذ على عاتقه نزع فتيل السياسة والتركيز على التفكير التاريخي، أي تحويل تعليم مادة التاريخ من سرد رواية موحّدة إلى مجال معرفي متخصص. كيف ذلك؟ تشرح رئيسة الهيئة نايلة حمادة: «لا نعلّم التاريخ إذا سلمنا بأنّه مادة غير قابلة للجدل، فطرح الأسئلة حول الأحداث، وإعطاء تفسيرات موضوعية ومتغايرة عنها يندرج في صلب صناعة المادة». وتقول إنّ إطلاع التلميذ على مصادر متنوعة ومستندات عدة يساعده في تكوين رأيه وفقاً لنهج علمي يعتمد على وسائل حديثة وناشطة داخل الصف، «فبدلاً من أن نعنون مثلاً الدرس: الحكم الإقطاعي في لبنان، نبدأه بسؤال كبير: كيف انتهت قرون من الإقطاع في بلادنا؟ وهنا ندرّب المعلمين على أنواع التغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية التي حصلت واتجاهاتها وسرعتها وما هي الجوانب التي استمرت بالرغم من التغييرات». برأيها، هذه المنهجية تخفف من التشنج الحاصل وتزيل الحواجز بين الناس.


تستدرك حمادة أن الهدف ليس التغيير دفعة واحدة، بل البدء بخطوات عملية وعدم انتظار التوافق السياسي وفرض السلطات الرواية الواحدة من أعلى، أي بمعنى آخر البدء بتمكين المعلّمين وتدريبهم انطلاقاً من أنهم لا يستطيعون أن يعتمدوا الطرائق الحديثة لتعليم التاريخ إذا لم يتدربوا عليها مسبقاً.
للغاية، وضعت الهيئة برنامجاً استراتيجياً عنوانه «تعزيز التفكير التاريخي» انطلق في 2014. تقول حمادة: «نظمنا العديد من ورش العمل التي شارك فيها مئات المعلمين في المدارس الرسمية والخاصة، المتعطشين لإحداث تغيير في تعليم التاريخ. هذه الورش تضع التلميذ في محور العملية التعلّمية، بحيث يشارك في فهم التاريخ ويكون قادراً على التحليل واتخاذ المواقف والمساهمة في إنتاج معرفة تاريخية جديدة. اليوم بدأنا مرحلة جديدة تمتد على سنتين تحت عنوان «كيف نبني من طلابنا مؤرخين صغاراً؟»، وهي تشمل تدريب 35 أستاذاً من مدارس رسمية وخاصة في ورش عمل يواكبها برنامج توجيه ومتابعة ودعم للمعلم ليحدث تغييراً في الصف.
المطلوب من المقاربة الحديثة، بحسب حمادة، تنمية مهارات التفكير العليا من خلال: تحليل أسباب الحوادث ونتائجها، فهم أنماط التغيير واتجاهاته في المحطات التاريخية التي يتضمنها المنهج، تحليل الاختلاف أو التشابه بين الأحداث التاريخية، فهم التأويلات التاريخية ووضعها في إطارها والمقابلة بينها، دراسة الأدلة والبراهين والأرشفة وتحليل كل منها والتأكد من صدقيتها في فهم التاريخ وتقويم الحوادث وأهميتها ودلالاتها.
الهيئة تطمح إلى جذب أكبر عدد من الناشطين في هذا المجال لتصويب المسار، وانخراط المعلمين في التفكير بما هو أفضل لتطوير تعليم التاريخ. وهنا تتحدث جيهان فرنسيس عن تجربتها فتشرح أن التدريب الذي تلقته مع الهيئة ساعدها لتحدث تغييراً في صفوفها، ثم لتنضم إلى فريق المدربين في الهيئة وتسهم في تمكين غيرها من الزملاء. أمّا ليلى زهوي، وهي الأمينة العامّة للهيئة، فركزت على أهميّة التجارب التي تحصل في مختلف المدارس والتي يجب أن نبني عليها لتطوير تعليم التاريخ. تقول زهوي: «لم تكن الانطلاقة سهلة، واستغرقنا وقتاً طويلاً لنحدد رسالة الهيئة وأهدافها، لكننا في النهاية وحّدنا ما يجمع بيننا لتغيير نهج وأساليب تعليم التاريخ وجعله مادة حيّة، مستجيبة لتوقعات الطلاب ومنمّية لقدراتهم».
تؤكد حمادة أنّ المقاربة الحديثة تحتاج الى ورشة وطنية لإعادة النظر في الأنماط التقليدية، واستراتيجيات التعليم، ومخارجه، ونظام التقويم وطرح أهمية تكييف المناهج مع النهج الجديد المطروح واستبعاد هاجس التلقين والحفظ، مع الاهتمام بزيادة عدد ساعات تعليم المادة. يذكر أن المنهج الحالي يخصص ساعة واحدة في الأسبوع لمادة التاريخ.
لا تنفي حمادة أنّ هذا العمل يحتاج إلى تضافر الجهود بين الرسميين والتربويين لإخراج التاريخ من دائرة النقاش العقيم، و«نلمس تعاوناً لافتاً من المركز التربوي للبحوث والإنماء».

المركز التربوي: إعادة النظر بالمقاربة التعليمية

لكن ما هو التوجه الجديد لدى المركز التربوي بشأن تعديل مناهج مادة التاريخ وتوصيف الامتحانات الرسمية؟ ولماذا كلف مؤسسة أديان بإعداد دراسة ميدانية لاستطلاع طرائق التدريس في هذه المادة؟ ما هو هدف هذه الدراسة؟ وهل حدد المركز معايير للمؤسسة؟ وما هي النتائج التي يتوقع الحصول عليها؟
تقول رئيسة المركز ندى عويجان: «شكل المركز لجنة لوضع منهج لمادة التاريخ تقدمت باقتراحات مختلفة أرسلت إلى المعنيين عام 2014 لدراستها وتقديم الملاحظات بشأنها. ونعمل حالياً من ضمن مشروع تطوير المناهج نحو مناهج تفاعلية على إعادة النظر بالمقاربة التعليمية في ما يختص بمادة التاريخ المثيرة للجدل، مع الإشارة إلى أن المركز التربوي أعّد وشارك في ورش عمل عدة في هذا المجال. أما توصيف الامتحانات الرسمية لهذه المادة فهو مرتبط بتعديل المنهج وبالأخص بالمقاربة التعليمية. وتصويباً لسؤالكم المتعلق بتكليف مؤسسة أديان بإعداد دراسة ميدانية استطلاعية، فإن المركز التربوي لم يكلف المؤسسة المذكورة القيام بأي دراسة ميدانية بهذا الشأن، إنما الاتفاقية التي وقّعت مع المؤسسة نصت على إجراء دراسة ميدانية يقوم بها المركز التربوي وتحت إشرافه، ونحن بصدد التحضير لها ضمن معايير وتطلعات تحديث المناهج».

مؤسسة أديان: تشخيص الذاكرة المجزأة

أما مديرة معهد المواطنة في مؤسسة أديان نايلا طبارة فتقول إنّ «الدراسة الميدانية تأتي في سياق التعاون مع المركز التربوي ووزارة التربية لتطوير التربية على المواطنة والعيش معاً. وبما أن المنهجية التي نتبعها مع الشركاء تقتضي دراسة الواقع بشكل علمي قبل البحث عن الحلول، اتفقنا على أن ننفذ دراسة تطال المعلّمين والمتعلّمين في مختلف المراحل التعلّمية ومن مختلف المناطق اللبنانية حول تعليم مادة التاريخ بهدف تكوين صورة واقعيّة عن طرائق التدريس المتّبعة والمصادر المعتمدة ورأي المعلّمين والمتعلّمين بكتاب التاريخ الحالي، والصعوبات التي يواجهونها واقتراحاتهم».
طبارة تشير إلى أنّ المؤسسة تعاونت مع المركز لوضع قراءة توثيقية لمحاولات وضع منهج جديد لمادة التاريخ منذ 1997 إلى يومنا للاستفادة منها بموازاة الدراسة الميدانية، وتحديد الصعوبات والعوائق أمام هذا المسار.
وترى أن «هناك مشاكل في مقاربة تعليم التاريخ وفي التعامل مع الذاكرة الوطنية المجزأة ونريد تشخيص ذلك بدقة انطلاقاً من خبرة المعلمين ومن وجهة نظر المتعلمين. إضافة إلى الإشكاليات، نأمل أن تظهر الدراسة أيضاً أن بعض المعلمين بذلوا جهوداً شخصية للتحرر من رواسب الحرب والذهنية الطائفية ويعتمدون مقاربات جديدة في تعليم هذه المادة».
وتؤكد طبارة أن المركز التربوي هو الجهة التي ستنفذ الدراسة، وفق المعايير العلمية من وضع للاستبيانات واختيار العينات ومعالجة النتائج. وهذه النتائج ستخضع للتحليل من الخبراء المتخصصين، وستكون بين أيدي المهتمين بالموضوع سواء كانوا من القطاع التربوي العام أو الخاص أو من المجتمع المدني أو الهيئات الأكاديمية لمناقشتها معهم.
وتقول: «بالرغم من اقتناعنا بضرورة الإسراع في تجديد تعليم التاريخ منهجاً وممارسة، نفضل عدم التسرع والشروع أولاً في قراءة الواقع جيداً والاستفادة من خبرات عالمية أخرى مرت بظروف شبيهة لظروفنا، وإطلاق عجلة الحوار البنّاء بعيداً عن التجاذبات السياسية أو الطائفية».

* للمشاركة في صفحة «تعليم» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]


نبذة | من هي الهيئة اللبنانية للتاريخ؟

هي جمعية أهلية تأسست عام 2013 على يد مجموعة من التربويين ومعلّمي التاريخ والناشطين في مجال مقاربة الماضي وبناء المواطنة. تعدّ الجمعية الوحيدة في لبنان التي تقارب بصورة خاصة تطوير طرائق تعليم التاريخ وتعلّمه. تحدد هذه الجمعية هدفها بالسعي الى تنمية فهم عام وأوسع لتعليم التاريخ باعتباره فرعاً معرفياً متخصّصاً، وتوعية الرأيّ العام حول أهميّة المادة، والحرص على أن تصبح أكثر تقديراً من المجتمع وأكثر إشراكاً لأهل الاختصاص والمتعلّمين على حدّ سواء في البحث النقدي واستخدام المصادر عند العمل بالمفاهيم التاريخية. كما تشجّع على التعلّم المستمر لمختلف الفئات العمريّة.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]