آلهة رندا ميرزا تمدّ لسانها للدواعش!



«عام الفيل» (105 × 70 × 75 سنتم ــ 2014)

أحد أعقد المواضيع المحرمة قاربته الفنانة اللبنانية في معرضها «الزهرة لم تولد في يوم واحد» الذي اختتم أخيراً في «غاليري تانيت». «عام الفيل»، و«فينوس»، و«إساف ونائلة» و«اللات» استحالت لوحات ثلاثية الأبعاد عن طريق الديوراما... تلك الصناديق الصغيرة التي تضم عناصر بصرية مختلفة مثل الفيديو، والصور، والمنحوتات والإضاءة والحفر إلى جانب توظيف التكنولوجيا

نيكول يونس

الآلهة هي الكلمة الأكثر إغراءً وجدليةً في التاريخ البشري منذ الأزل، وستبقى كذلك إلى الأبد. لا ينافسها على ذلك سوى توصيف إضافي لجنسها: «الآلهة المؤنثة»، حتى يكتمل الإطار الاستطيقي ويشرق بالشغف والصخب والصراعات، والمعارك والحروب وحتماً بالإشكاليات.

خلقت رندا ميرزا (1978) آلهتها، جسدتها على صور آلهة قديمة بالاستناد إلى البحوث الأركيولوجيا والتاريخ العربي ما قبل الإسلامي، ثم دعتها للشهادة على التاريخ، هنا في بيروت. إذ أن الأرض العربية التي أنتجت هذا الكم الهائل من الآلهة، هي الأرض التي شهدت عبر التاريخ حروباً متواصلة وعنيفة باسم الآلهة، وهي الأرض التي لا بد من أن يطلق الآلهة صرختهم منها. إنها الآلهة «الجاهلية» التي دأبت «داعش» وأخواتها على تدميرها، وقد عادت إلى الحياة عبر الفن.
هي المرة الأولى التي يستقبل فيها لبنان هذا الكم من الآلهة، والمرة الأولى التي يستقبل فيها عرضاً تشكيلياً مركباً قوامه حصرياً الـ «ديوراما». خاضت «غاليري تانيت» (مار مخايل ــ بيروت) مع الفنانة والمصورة رندا ميرزا غمار عرضٍ استثنائي، قلباً وقالباً. قدمته للجمهور المتذوق للفنون البصرية في بيروت، تحت عنوان «الزهرة لم تولد في يوم واحد» (بدعم من «آفاق»). عرض تحتاج إليه الساحة الفنية البصرية اللبنانية على كافة الصعد؛ سواء على الصعيد الفني التقني الصرف، أم على صعيد الإشكالية التي يعالجها بحسٍّ نقدي متين، وقدرة إستطيقية محكمة.
غالبية اللبنانيين تعرف «صندوق الفرجة» أو تسمع عنه، والديوراما هي النموذج الأقرب إلى ذلك المسرح الصغير الذي يعيد تركيب مادة تاريخية أو طبيعية. هو من أقدم الأساليب التشكيلية ثلاثية الأبعاد، إذ تعود جذوره إلى القرن الثامن عشر. ما زالت هذه العلب ــ الكنوز حاضرة من دون منازع فعلي في الكثير من المتاحف العالمية المتخصّصة في الحياة الطبيعية أو حتى التاريخ. معظم محبي الفنون البصرية، أي التشكيل، والتصوير، أو المسرح يعرفون أهمية ما تعنيه علبة أحلام صغيرة ملؤها الدهشة للعين.

لكن كيف إذا اقترنت دهشة العين بموضوعٍ شائكٍ وممتعٍ ومدهش للأذهان؟ كيف إذا اقترنت بطرح فكري مصهور بالدلائل التاريخية، والتوثيق الدسم؟ كيف إذا كانت تربط الماضي والحاضر بحبل استطيقي لصيق بجذور الأساطير وأعاجيبها؟ كيف إذا اقترنت بروعة الدقة ثلاثية الأبعاد؟ هذا تماماً ما قدمته رندا ميرزا (بالتعاون مع ريكاردو كليمينتي وإيريك دينيو)، وهذا بالضبط ما قد يصيب الرائي عند دخوله «ديوراما» رندا ميرزا. في هذه العُلَب، تجد كل مبتغاك البصري: فيديو، صور، منحوتات منمنمة، مسرح مصغر، علبة فرجة، حركة إضاءة متنوعة، عناصر تشكيلية متحركة داخل العلب، حفر على خشب، حديد... يضاف إليها توظيف تكنولوجي لصالح التشكيل البصري. تطعم رندا ميرزا الديوراما هذه بالتقنيات الحديثة، حيث تضج علب العرض بالعناصر البصرية المتراصة بفعل عقلي هندسي عالي الدقة إلى جانب ضجيج الآلهة وحضورها الجميل. رؤيتها حية من جديد يزرع غبطة عند الرائي، خصوصاً بعد تدمير معظم هذه الآثار في الحقيقة. هكذا أصبحت صالة «غاليري تانيت» أشبه بهيكل مقدس، تضاعف قدسيته إضاءة «ديوراما» ميرزا على تلك الحقبات المخفية أو التي أخفيت قسراً من التاريخ العربي.
موضوع حساس ودقيق لم تتردد في عرضه نايلة كتانة ــ كونينغ، التي اشتهرت صالة عرضها عبر السنوات بتقديم المواد الفنية الأحدث سواء في بيروت أو ميونخ. لم تكتفِ كتانة باستقبال العرض فحسب، بل كانت عرابته بامتياز: «في الواقع نحن دخلنا في اللعبة لأننا وجدنا أن الموضوع المعالج في غاية الأهمية، فحاولنا أن نسهّل الأمور قدر الإمكان. لذا أنتجنا الأعمال وجهزنا المكان ليلائم المعطى البصري الجديد لطبيعة أعمال رندا ميرزا، أي لتقديم الديوراما»، كما قالت كتانة لـ «الأخبار». أما التعاون بين غاليري «تانيت» وميرزا فهو ليس الأول، إذ «عرضنا لرندا سابقاً مجموعة صور في قاعتنا السابقة في الجفينور. كذلك قدمت عرض أداء (performance) موسيقي مع عرض على شاشة (projection) هناك. وبعدها عرضنا لها ثلاث مجموعات من الأعمال في ميونخ».
إذاً نحن أمام معرض أنجزه طاقم عمل متكامل، وأمام فنانة متعددة الوسائط. لقد أبدعت ميرزا في كل مضمار خاضته، من التصوير إلى الفيديو إلى الأداء، واليوم تدخلنا هذه الشابة الطموحة الخلّاقة تجربتها الفنية الجديدة من بابها الأوسع والأعقد. تشرح ميرزا لـ «الأخبار» كيفية تحضير إحدى الـ «ديوراما» بعنوان «عام الفيل» اختارتها الغاليري لبطاقة الدعوة: «في هذه الديوراما خشب محفور على الـCMC، وهي آلة حفر بتقنية اللايزر على خشب. طبعاً أنا صممتها، لكن هناك عملية دمج الفنون أي العلبة كاملة اشتغل عليها أحمد خوجة. الموضوع كان يحتاج إلى دقة فائقة. فإذا تغير المعطى ولو بميلليمتر واحد، سيظهر مكان الإضاءة مثلاً وهذا ما لا نريده، إضافة إلى الكثير من المحاذير الأخرى. ثم هناك عمل طويل ودقيق على المنظور (perspective). حتى بالنسبة إلى الزجاجة العازلة، أي كيفية دخولها وتثبيتها في المكان الصحيح. وأكثر من ذلك، هناك علبة إضافية للإضاءة داخل الديوراما نفسها».
هناك إذاً ما يشبه المصنع خلف هذه العلبة التي يصل عرضها إلى متر واحد وارتفاعها إلى 70 سنتيمتراً وعمقها إلى 75.
مجموعة معطيات تكاد تكون مرهقة لذهن المتلقي إن لم يكن هاوياً للهندسة أو التصميم. أما البراعة، فتكمن في أن أحداً لا يتوقع هذا الكم من المواد المستخدمة في مساحة بهذا الحجم. في ديوراما «عام الفيل» خلفية مطبوعة على كانفاس معتقة. الصورة لمنظر طبيعي التقطته عدسة ميرزا لتوظفه في مكان مناسب يمنح بعداً جديداً للصورة. ثم هناك منحوتة طينية صغيرة للفيل تتناسب كلياً مع الأبعاد المنظورية لخلفية المشهد الطبيعي، يتقدمها في الوسط مجسم حديدي للكعبة. وصف العلبة لم ينته بعد. هناك مجموعة عصافير تتدلى من أعلى الديوراما فوق مجسم الكعبة الحديدي، في حركة دائمة شبه دائرية. كل ذلك مع تركيبة إضاءة معقدة تسمح لكل جزء من المساحة أن يأخذ حقه على هذا المسرح الصغير الذي يجسد مسرحاً تاريخياً أضخم.
«كنا نعمل كلنا بالتوازي: أنا كمصورة، وصاحبة الفكرة والتركيب المفهومي للعرض، فلنقل كقائد أوركسترا. جلسنا سوياً نحن مصممي المشروع، أنا وريكاردو كليمينتي واريكي دينيو لنحدد الأبعاد، والأحجام والقياسات (dimension). صانع الدمى إيريك، هو من صنع كل العناصر السيراميكية أي الطيور والفيل... أما المتخصص في الإضاءة ريكاردو، فهو الذي عمل على كل ما هو تقني مرتبط بالنجارة والخشب. عملنا لأسبوعين أو ثلاثة بشكل متواصل، لقراءة القصة ثم لنرى كيفية تطبيقها. في النهاية، طبعنا على الورق وبدأ العمل على المسافات/المساحات لأنها فعلياً هي ركيزة لعبة المنظور (perspective)»، كما قالت ميرزا لـ «الأخبار».
من «عام الفيل» مروراً بـ «فينوس» و«نزول الملائكة هاروت وماروت» ثم «إساف ونائلة» وصولاً إلى «اللات» وغيرها من الأعمال (5 ديوراما، ومنحوتتان مستقلتان)، تأخذنا ميرزا في رحلة تاريخية حفرت ملامحها من نصوص قرآنية وبحوث أركيولوجية، وأخرى ميثولوجية تاريخية. أبرز هذه المراجع «لغز عشتار» للباحث والمفكر السوري المتخصص في الميثولوجيا وتاريخ الأديان فراس السواح. بعيداً عن الدقة التقنية العالية والتأليف البصري الماكن، تملك ميرزا موقفاً واضحاً من هذه الأساطير والتاريخ الذي يتعرض بمعظمه للتدمير على يد داعش. موقف نقرأه في بيانها الفني الخاص لهذا المعرض: «الأساطير الهامّة متعددة الآلهة، سواء كانت منسية أو غير معروفة، تعرضت منذ زمن بعيد لرقابة وتنقيح الديانات التوحيدية، وهي مرئية اليوم حصراً عبر منظور استشراقي أورومركزي. وبالنسبة إلى هذا الأخير، فإن المجتمعات العربية لم تنتج ميثولوجيا خاصة بها ومميزة يمكن مقارنتها بميثولوجيا شعوب العصور القديمة الكلاسيكية، مما دعا إلى تهميش هذه النصوص أو عدم إيلائها الاهتمام والدراسات والبحوث الجادة والمعمقة. عملي يكشف جزءاً من الفكر الأسطوري للشعوب العربية ظلّ حتى اليوم مغموراً. وهو أيضاً يرتكز إلى هذه الاستعادة للماضي ويسجل ضمن إطار منظور نقدي مادي».
تأتي طروحات ميرزا ضمن أعمالها التي تناولت فيها تابوهات المجتمع العربي عموماً، إلا أنها لم تطرح تساؤلاتها بشكل استفزازي، أو عنيف. لقد استطاعت الفنانة اللبنانية الفطنة أن تقارب أحد أعقد المواضيع المحرمة، أي الآلهة السامية «الجاهلية»، في هذه المنطقة الصاخبة التي يتكاثر فيها «الدواعش» المدمرون للآثار التاريخية العريقة. آثار لآلهة اعتبروها جاهلية، استضافتها رندا في معرضها داخل الـ «ديوراما» وأحيتها لتجيب على: من هو الجاهلي حقاً؟ وأين «الجاهلية» بين الأمس واليوم؟

http://www.randamirza.com

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]