تطوير الخطاب «الحسيني»: الضرورة والمبرّرات



من إحياء مراسم «أربعين الحسين» في العراق قبل أيام (أ ف ب)
محمد شقير

الخطاب الحسيني هو مجمل ما يبيّن، ويكون موضوعه الإمام الحسين (ع) في رسالته، وثورته، وقيم هذه الثورة، وأهدافها، وفكرها، وثقافتها... فيعمل على بيان مجمل ما يتّصل بتلك المسائل في أبعادها التاريخية، والدينية، والأخلاقية، والتربوية، والاجتماعية، والسياسية... ليكون هذا البيان معبّراً بصدق، وبنحو صحيح عن رسالة الحسين (ع) وتعاليمه، وعن أهداف ثورته وقيمها.

وسنباشر بحثنا بمدخل تمهيدي، قبل أن ننتقل إلى بحث المبررات المنهجية لتطوير الخطاب، وبيان أهمية هذا العمل، وما الذي يمكن أن يترتب على جمود الخطاب، وعرقلة تطويره.
1. مدخل: إنّ ما يُبيّن أو يُلقَى من خطاب حول قضايا عاشوراء، ورسالتها، وأهدافها، هو محاولة فهم لتلك الرسالة، والقيم، والأهداف. حين يبذل العلماء، والباحثون، والمحقّقون جهوداً مضنية ومشكورة، لفهم مجمل ما يتّصل برسالة الحسين (ع) وثورته، وقيمه، ليعمل تالياً على تقديمها إلى جميع المتلقّين، والمستمعين، والمشاهدين في هذا القالب الخطابي أو ذاك. وعندما نقول إن ما يُبيّن من خطاب هو محاولة فهم للرسالة والقيم والأهداف، وليس هو الرسالة نفسها، أو الأهداف، والقيم نفسها، لا نريد بذلك التقليل من مكانة ذلك الخطاب ورفعته وسموّه، بل نريد أن نضع ذلك الخطاب في سياقه العلمي والمنهجي الصحيح، حتى تترتّب على ذلك الفصل نتائجه العلمية الصحيحة. وإلّا فإنّ نتائج خاطئة عديدة تترتّب على عدم التفريق والفصل ما بين الرسالة الحسينية والخطاب الحسيني. فمثلاً يمكن اللفت إلى أن القول بأنّ الخطاب الحسيني هو محاولة فهم لرسالة الحسين (ع)، وقيمها، وأهدافها، يفتح الباب على مصراعيه على النقد، والتجديد في الخطاب الحسيني، ما يؤدّي إلى إيجاد دينامية علمية، تسهم في تكامل الخطاب الحسيني، وتطويره المستديم، ليكون يوماً بعد يوم بمستوى تلك الرسالة وقيمها، ومعبّراً بنحو أفضل عن أهدافها ومقاصدها.
أمّا عدم الفصل ذاك، فقد يؤدّي إلى تعطيل تلك الدينامية من جهة، وإلى إلصاق النقد بالرسالة الحسينية وقيمها من جهة أخرى، بدل توجيهه إلى الخطاب المعبّر عن تلك الرسالة وقيمها، والذي قد يخفق في بعض الموارد في التعبير الأفضل، أو الصحيح عنها، ما يؤدّي إلى فتح باب النقد، والتخطئة. وهو في الواقع ما يجب أن يتّجه – أي النقد – إلى ذاك الخطاب الحسيني، وليس إلى رسالة الحسين (ع) وقيمها.
إذاً، يقوم هذا البحث منهجيّاً على الفصل ما بين رسالة الحسين (ع) وأهدافها وقيمها، التي هي متعالية وثابتة، وما بين الخطاب المعبّر عن تلك الرسالة وقيمها الذي هو غير متعالٍ – بالمعنى المعرفي وليس القيمي – وهو يقبل التغيّر، ويحتمل النقد، والتجديد، والتطوير... وهو محاولة فهم لتلك الرسالة، وقيمها، وأهدافها. قد تصيب في كثير من الأحيان، لكنّها قد تخفق في أحيانٍ أخرى. فيكون الخطاب عندها تعبيراً عن الخطيب أو القارئ وثقافته، أكثر منه تعبيراً عن تلك الرسالة، وقيمها، وأهدافها. ولا بد من الإشارة إلى أن التغيّر في الخطاب الحسيني ليس علامة نقص فيه، بل هو دليل قوّة. وهو أيضاً شاهد على ما نقول. وهو ــ أي التغير ــ لا يحتاج إلى كثير جهد لإثباته، إذ إنّنا نلحظ هذا التغيّر وذاك الاختلاف في الخطاب ما بين زمن وآخر، وما بين مجتمع وآخر. بل نلحظه أيضاً ما بين قارئ وآخر، تبعاً لاختلاف المستوى الثقافي والعلمي، والخلفيات الفكرية، والعادات، والتقاليد، والأعراف، بل والعديد من العوامل التي تترك أثرها في هذا المجال. وبناءً عليه، سنبحث في مبرّرات التطوير، وفي أهميته، بل ضرورته، وفي السلبيات التي تترتّب على عدم التطوير ذاك، وأهمية النقد وتفعيله في هذا المورد أو ذاك، وصولاً إلى الخاتمة، وما تتضمّنه من توصية وخلاصة في هذا الشأن.
2. مبرّرات تطوير الخطاب: بناءً على ذلك الفصل المنهجي ما بين الرسالة وقيمها من جهة، والخطاب المعبّر عنها من جهّة أخرى، يمكن تلمس المبرّرات الآتية، والتي تستدعي بنحو دائم، وعلمي، ومنهجي، العمل على تطوير ذاك الخطاب:
1. يجب أن يكون الخطاب معبّراً بشكل أفضل عن الرسالة وقيمها، وبما أن فهم الرسالة يتأثّر بنحو فاعل بعلومنا وخبراتنا، وبما أن هذه العلوم والخبرات تتطوّر يوماً بعد يوم، فهذا يعني مطلوبية الاستفادة من تطوّر تلك العلوم والخبرات ذات الصلة في تطوير الخطاب وجميع عناصره.
2. بغض النظر عن تطوّر العلوم والخبرات، ربما لم يفلح الخطاب، الذي تمّ تشكيله في هذا المورد أو ذاك في التعبير بنحو أفضل عن قيم الرسالة الحسينية وأهدافها لسبب أو آخر. وهو ما يستدعي البحث في ذاك الخطاب وقدراته التعبيرية، حتى ولو لم نلحظ ذاك التطوّر في العلوم والخبرات.
3. بما أن تشكيل الخطاب العاشورائي قد يتأثّر بجملة من العوامل والمؤثّرات الثقافية والاجتماعية وغيرها، وبما أن بعض تلك المؤثّرات قد لا يكون صحيحاً أو سليماً، فقد يترك ذلك أثره في الخطاب العاشورائي على شاكلة أخطاء وثُغَر في موارد جزئية، بل قد يصل الخلل إلى بنية الخطاب، وبعض أسسه ووظائفه.
4. أليس من الصحيح أن يُقال إنّ من أسس بناء الخطاب العاشورائي ومقوّماته هو استجابته لظروف هذا المجتمع أو ذاك، ومشاكله وأولوياته وحاجاته؟ وبما أن هذه الظروف، وتلك المشاكل والأولويات متغيّرة، فهذا يعني ضرورة تغيّر الخطاب وتطويره، بتغيّر ظروف المجتمع، وأولوياته، وحاجاته، وزمانه ومكانه...
5. من الواضح إنّ للخطاب الحسيني جملة وظائف تربوية، ودينية، وإصلاحية، واجتماعية. ومن المعلوم أن هذا الخطاب كلّما بُنيَ وشُكِّل على أسس علمية صحيحة، وبطريقة هادفة ومنهجية وصحيحة، كان أقدر على قيامه بتلك الوظائف بنحو أفضل. وهذا ما يحتّم العمل الدائم والدؤوب لتطوير ذاك الخطاب، ليقوم بوظائفه تلك بنحو أفضل من ناحية التعبير عن القيم الحسينية، واستجابتها لقضايا المجتمع وإنسانه.
6. هناك أبعاد ومديات سامية في ثورة الحسين (ع) ورسالته، ومدرسته. وقد يُتاح لنا يوماً بعد يوم ــ ولأكثر من سبب ــ فهم تلك الأبعاد وتلمّسها، والمعاني، والمضامين الجديدة.

ألا ينبغي عندها الاستفادة من ذلك الفهم الجديد لتلك المعاني والأبعاد، والعمل على إدراجها في الخطاب الحسيني، وتجديده، وتطويره في ضوء ذلك الفهم والمعاني؟
نخلص من جميع ما تقدّم إلى ضرورة العمل الجاد والواعي والهادف على تطوير الخطاب العاشورائي بنحو مستديم، من أجل ترشيد ذلك الخطاب، وتنقيته ممّا قد يكون علق به من شوائب، أو استقر فيه من أخطاء، أو أصابه من خلل في بنيته وتشكيله وصناعته. حتى ولو كانت هذه الموارد جزئية، أو ذات آثار محدودة. وليكون أقدر على قيامه بوظائفه، وأكثر تعبيراً عن رسالة الحسين وقيمه وأهدافه، وليكون يوماً بعد يوم أكثر رقيّاً وسموّاً، ويقترب أكثر فأكثر من سموّ تلك القيم والأهداف، التي يسعى إلى محاكاتها والتعبير عنها.
3. أهمية تطوير الخطاب: هناك جملة من الإيجابيات والنتائج التي تؤكّد أهمية تطوير الخطاب العاشورائي وتجديده، والتي منها:
1. للخطاب الحسيني قدرة كبيرة على التأثير، وتشكيل الوعي، وبناء الثقافة...، ولذلك كلّما عمل على تشكيله بنحو صحيح وعلمي وهادف، أمكنت الاستفادة بنحو أفضل من قدرته تلك على التأثير والفعل.
2. هناك جملة وظائف للخطاب العاشورائي، وهو كلّما عمل على تطويره، أمكنه أن يقوم بوظائفه بنحو أفضل، وأن يتجنّب تخلّفه عن بعض تلك الوظائف. أو لربما، وفي بعض الحالات، قيامه بما يخالفها، ويخالف مقاصدها.
3. كلّما عمل على تطوير الخطاب العاشورائي، كان أكثر تعبيراً عن رسالة الحسين وقيمه، وهذا يعني أنّه كلّما عمل على تطوير ذاك الخطاب، أمكن فهم رسالة الحسين (ع) وقيمها بنحو أفضل، وصولاً إلى العمل على تطبيقها وتسييلها بنحو أصح وأفضل.
4. إن تطوير الخطاب يعني العمل على تنقية الخطاب العاشورائي من تلك الشوائب والأخطاء، حتى لو كانت محدودة أو جزئية. وهذا يعني تلافي أي فهم خاطئ أو مشوّه – وصولاً إلى تجنب نتائج ذاك الفهم – لثورة الحسين ورسالته وقيمه، بل والمدرسة التي ينتمي إليها الحسين (ع)، أو المجتمعات التي تحمل تلك القيم، وتسعى إلى تطبيقها.
وعلى ما تقدّم، يمكن القول إن الالتفات إلى هذه النتائج وغيرها – فضلاً عن المبرّرات التي ذكرت – يلقي على جميع المعنيين مسؤولية كبيرة واستثنائية للقيام بكل جهدهم، بهدف تطوير ذلك الخطاب، ورفع الموانع التي تعوق تطويره، ولفعل كل ما يلزم لإنجاز هذه المهمّة بأفضل طريقة ممكنة، وبما يمكن أن يرتقي بالخطاب إلى سموّ رسالة الحسين (ع) وقيمها، وبما يمكن أن يفي تلك التضحيات التي بذلها الحسين (ع) وأهل بيته وصحبه بعضاً من حقّها.
4. ما الذي يترتّب على جمود الخطاب؟ هناك العديد من السلبيات التي يمكن أن تترتّب على عدم تطوير الخطاب العاشورائي وجموده، وسنذكر هنا جملة تلك السلبيات:
1. إنّ هذا الخطاب – ولو في بعض مفرداته أو جوانبه – لن يكون ملائماً لبعض المجتمعات، أو مراعياً لخصوصياتها، أو مستجيباً لمشاكلها وقضاياها.
2. قد يعني ذلك استمرار بعض تلك الأخطاء والشوائب دون تنقيتها. وما يمكن أن يترتّب على ذلك من سلبيات ونتائج.
3. إتاحة الفرصة لأكثر من فهم خاطئ لرسالة الحسين (ع) وقيمه، وللإساءة إلى الخطاب العاشورائي نفسه، بل لتعزيز بعض المقولات الخاطئة والمغرضة عن تلك المجتمعات، التي تحمل رسالة الحسين (ع)، وتسعى إلى تطبيقها.
4. تعطيل الخطاب العاشورائي عن قيامه ببعض وظائفه، أو بالحد الأدنى إضعافه عن القيام ببعض تلك الوظائف، وبلوغه أهدافها.
5. توسيع الشرخ بين رسالة الحسين (ع) وقيمها وبين الخطاب العاشورائي. فبدل أن يعمل على أن يكون الخطاب معبّراً بالكامل عن تلك الرسالة وقيمها، يصبح في بعض جوانبه أو عناصره معبّراً عن هذا المتكلّم أو ذاك في ثقافته وخلفيته الفكرية وتقاليد مجتمعه وأعرافها أكثر ممّا هو معبّر عن تلك القيم الحسينية ومعانيها وسموّها ورقيّها.
5. خاتمة: نخلص من جميع ما تقدّم إلى أن تطوير الخطاب العاشورائي ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة دينية، وأخلاقية، وإنسانية، واجتماعية، وحضارية، لما للخطاب الحسيني من قدرة على الفعل والإنجاز والتأثير. حيث يمكن - في ما لو أحسن تشكيل ذلك الخطاب وتطويره بنحو دائم - أن نستفيد من طاقته وقدراته في الإصلاح، وإقامة العدل، ومواجهة الفساد، وعلاج الكثير من المشاكل الاجتماعية، والتربوية، والاقتصادية، والسياسية، التي تعاني منها مجتمعاتنا. هذا فضلاً عن جملة الوظائف الدينية ذات الصلة بهذا الخطاب.
إن ما اردنا تأكيده، هو أنه توجد العديد من المبرّرات المنهجية والدينية التي تستدعي العمل الجاد والواعي لتطوير الخطاب العاشورائي وترشيده، وجعله أقدر على القيام بوظائفه.
كذلك هناك أهمية كبيرة تترتّب على تطوير ذاك الخطاب، من ناحية أهمية النتائج التي تترتّب على ذاك التطوير، في حين أنّ العديد من النتائج السلبية يمكن أن تترتّب على جمود الخطاب وعدم تطويره.
من هنا ينبغي القول إن العناية بثورة الحسين (ع)، ورسالتها، وقيمها، لا تنفك عن العناية بالخطاب العاشورائي وبنائه وتشكيله. وبما أن هذا الخطاب هو محاولة بشرية (جهد بشري) للتعبير عن تلك الرسالة وقيمها، بأفضل طريقة وأحسن السبل، التي توصل إلى تحقيق أهداف الرسالة، ووظائف الخطاب، من هنا ينبغي بذل أقصى جهد علمي ممكن بطريقة منهجية واعية، للوصول إلى أفضل مستوى من ذاك التعبيرعن تلك الرسالة، وتحقيق تلك الوظائف. وهذا يتطلّب التوصية بأمرين:
أولاً: أن يُبادر إلى مشروع علمي ومنهجي شامل، يتناول كل ما يتّصل بالخطاب العاشورائي، وأسس تشكيله، وأهدافه، ووظائفه، وعناصره، وأساليبه، ومفاهيمه، ومفرداته، ولغته، وجميع ما يتّصل به.
ثانياً: لا شكّ أن جهوداً كبيرة بذلت وتبذل في هذا الاتجاه مورد البحث، لكن هناك حاجة ملحّة إلى توحيد الجهود، وتنظيمها، وترشيدها، وحسن إدارتها بنحو منهجي شامل، من خلال الشروع بعمل مؤسّساتي يضم جميع الخبرات اللازمة، والتخصّصات المختلفة من علماء تاريخ، واجتماع، وتربية، ونفس، ودين، ولغة، وأدب... بحيث يعمل على:
1. نقد الخطاب الحالي، وتنقيته من أخطائه وشوائبه.
2. العمل المستديم لتطوير الخطاب العاشورائي في مختلف عناصره، وقضاياه، وجوانبه.
وهو ما يستلزم أن يضمّ ذلك العمل المؤسساتي:
1. مركز دراسات وأبحاث بمستوى تلك المهمات.
2. كليّة أكاديمية، تعنى بالخطاب الحسيني. وينبني منهاجها العلمي على تخطيط منهاجي معاصر، يستفيد من معايير ضمان الجودة في بناء المناهج وتطويرها؛ بهدف إعداد الخطباء الحسينيين وتأهيلهم، والعمل على تدرجهم إلى أعلى المراحل العلمية والأكاديمية قبل شروعهم في مزاولة الخطابة العاشورائية، لأن ذلك قد يكون السبيل الأهمّ للتعبير عن تطوير الخطاب العاشورائي، وقيامه بوظائفه، وإيصاله إلى متلقيه.
* أستاذ جامعي

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]