وجْه بيروت في حيفا



لعكا وجهان: وجهٌ لصيدا، لكننا «عندما وصلنا صيدا في العصر صرنا لاجئين» (من بحر عكّا ــ آي بي ايه)
أنهار حجازي

الجليل المحتلّ | لولا الحدود، والاحتلال، لوصلت إلى بيروت بالسيارة في خلال ساعة ونصف، أو أقل. كنت سأتجول في شوارعها لأرى كم تشبه حيفا، لأن «لبيروت وجهين، وجه (منهما) لحيفا». نقاشي الدائم عن أصل أطباق الطعام سيكون بلا معنى، أيها لبناني وأيها فلسطيني، فالتبولة هي نفسها و«الكبة النيّة» كذلك، والسمك أيضاً يسبح بين عكّا وصيدا.

هذا أول ما خطر لي عندما قيل لي إن صفحة «مخيمات» في «الأخبار» ستتوقف، مع حلول عيدها السّابع. ربما كان من المفترض أن أفكر في أنه لولا الحدود والاحتلال، لما وجدت الحاجة ربما إلى صفحة كهذه تعطي منصة للفلسطينيين في لبنان وخارجها، لأنه ربما ما كان هناك أي فرق أصلاً. لكني لم أستطع إلا أن أفكر في كم مرة حلمت بزيارة بيروت، وهو حلم مشترك لفلسطينيي الـ 48 المحرومين منها.
رغم أننا نعلم أنها مثل جميع عواصمنا العربية، تأكل أبناءها، فإن بيروت وحدها حلمنا البعيد عنا بضعة كيلومترات، وشريطاً حدودياً.
لبيروت وجهان، وأنا لم أرَ إلا وجهها في حيفا، لا أعلم هل تشبهها حقّاً؟ حيفا جميلة، ومخيفة. حيفا تنمو من حزننا، وفي بعدنا تكبر. وأنا أحلم بأن بيروت هي وجه حيفا الجميل، لأني أرفض الاعتراف بأن بيروت على الغالب مثل حيفا، مخيفة وبائسة.
حدث الكثير منذ بدأت الكتابة مع «مخيمات»، حتى إنني كبرت معها، وأنهيت دراستي الجامعية، وسافرت وعدت مراراً، ولم يغادر قلبي يوماً الجليل. أما عقلي، فظلّ مشرداً بين المدن، مدن أسكنها وأخرى تسكنني، مدن زرتها وأخرى أنوي السفر إليها، وبيروت، وحدها أحلم بها.
كيف يختلف جنوب لبنان عن الجليل؟ لا يختلف، أنا مقتنعة بأنه لولا «سايكس ــ بيكو» ولولا الاحتلال، لما كان هناك أي اختلاف. عكا أيضاً كانت ضمن الممالك الفينيقية، وإذا كان لبيروت وجهان أحدهما لحيفا، فلعكا وجهان أحدهما لصيدا، وأنا بينهما.
كفر ياسيف قرية في الجليل، قضاء عكا، لها موقع تاريخي يقع على الطريق التجارية بين عكا وصيدا. لكني لا أزورها كثيراً. أنا أيضاً أمرّ بها كقوافل التجار قديماً، مع أني لا أكمل طريقهم. آخر مرة مررت بها رأيت مطعماً لبنانيا، للسخرية صاحب المطعم «أصله لبناني، وهو عميل من جماعة لحد»، كما شرحت لي صديقتي، عندما رأت الدهشة على وجهي لرؤية العلم اللبناني على لافتة المطعم، فيما العلم الإسرائيلي يحيطه من الجانبين.
هؤلاء «العملاء»، الذين جاؤوا من الجنوب اللبناني بعدما خانوه، واستقروا في حيفا خاصة، وعكا والجليل عامة، حتى هم حاولوا أن يظلوا قريبين من بيروت على طريقتهم، قدر المستطاع!
لبيروت وجهان، كما لكل مدينة، وأنا أختار أن أرى وجهها الجميل فقط، وأغضّ الطرف عن الوجه الآخر، أو أعطيه لحيفا، ربما. تغضبني حيفا لأنهم يقولون إنها تشبه بيروت، وأنا لا أستطيع زيارة بيروت. وحيفا «مدينة التعايش» تقتلني بنفاقها، وإن كنت أرى وجه بيروت البغيض في حيفا، لا بد أن وجهها الجميل لا يزال في بيروت نفسها، أو هكذا أقنع نفسي.
محمود درويش وسميح القاسم التقيا في كفر ياسيف، لكن درويش خرج من حيفا آخر الأمر، ولم يمض بضع سنين حتى صار في بيروت، فيما ظلّ القاسم في حيفا... وصار لبيروت وجهان، أحدهما لحيفا. أما قلبي، فبين بيروت وحيفا، ولولا الحدود والاحتلال لكانت بيروت أقرب لي من القدس!
أيضاً، لعكا وجهان: وجه لصيدا، لكننا «عندما وصلنا إلى صيدا في العصر صرنا لاجئين».

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]