الشُّباك مُغلق



... لكنهم الآن يلقون بأياديهم وأصابعهم عليه نظرة الوداع الأخيرة (آي بي ايه)
منذر جوابرة

بيت لحم | وقف على النافذة، يعلك بعض قصصه التي لا تزال هي نفسها. أعدّ فنجان قهوته من دون السكر، وعلبة سجائره المهربة، وأشعل عود الثقاب لسيجارته الأولى. ينظر خارج غرفته الصغيرة التي يصطف فيها الكراسي المستعملة والمتعددة الألوان والشكل. كلما مر شخص من تحت نافذته، أطل برأسه و«قحقح» ليسمعه المارون فيلقوا عليه التحية، وليدعوهم إلى ارتشاف فنجان قهوة معه، لأن الوقت يمر بصعوبة.

مع مرور الوقت، تموت الحارة من الاختناق، فلا صوت فيها سوى الجارات اللواتي يصرخن على أطفالها، أو صوت قرع الأبواب، ففي هذا الوقت كبار السن يتزاورون ويطمئن بعضهم على بعض.
الذباب يحوم حول فنجانه كل حين، فيهشّها بيديه أو ينفخ عليها بعض دخان سجائره، وهنا يتمايل الدخان مع حركة الذباب التي تذكره بطائرات العدو حينما حطت ببصاقها على بيوتٍ أصلاً هالكة. يضحك والدمع يشق طريقه جاهداً ليخرج من هاتين العينين المتحجرتين. عيناه تزدادان احمراراً وتكوّراً للداخل مع كثرة البقع سوداء تحتهما.
يقف دقيقة، دقيقتين، ربع ساعة، خمسين دقيقة، فلا يمر سوى شخصين لم ينتبها إليه. يشعر كم هو وحيد، ويتذكر الأيام التي كانت فيها النسوة يعبئن مياه بيوتهن من العين، وكم كانت الحياة تدب أمام باب بيته وفيه.
ينسلّ بعيداً وعيونه تطل على النافذة الصغيرة خائفاً أن يمرّ شخص ما في غيابه. يخرج بنطاله القديم، ذا اللون الرمادي، الذي حصل عليه من «الوكالة» (الأونروا). يلبس صنداله البلاستيكي الأسود، مع قميصه «الكاروهات» (المربع) بالأحمر والأزق، ويوظب شاربيه قليلاً ويخرج للحياة.
بعد تحياته المعتادة على كل العابرين بالطريق يختفي في زقاق يشتهر بجدرانه الحجرية (السناسل). يمد يديه، ويخرج كوفيته وبدلته السوداء، ومشعبته (النقّيفة)، وسرعان ما ينضم إليه رفاقه الآخرون.
غطّوا وجوههم بالكوفيات الملونة، ما بين البيضاء والحمراء، أو الأقنعة السوداء. انطلقوا كالريح. ركضوا بسرعة تشبه الغزلان بأناقتها ورشاقتها. هتفوا، وعلا الصراخ وعلا صوت حريتهم ولعنتهم على المستعمر. لحظات ويبدأ صوت الرصاص يعلو فوق صوتهم: صلية من هنا، وصلية من هناك.
لحظات أخرى، فإذا بمجموعة من الشباب تركض بخطى أقل سرعة مما كانت عليه. تحمله على أكتافها جثة تتدلى يداها فوقهم، وبعض نداه يتساقط على رؤوسهم، ندى أحمر زكيا، تستطيع أن تشمّ رائحته ولا تخفى عليك، فكل عدة أيام، تعبق هذه الرائحة وتذهب باتجاه البيوت الصغيرة المغطاة بالورود والياسمين.
بعد الظهيرة، الشباك لا يقف عليه أحد، ولا دخان سيجارة يعبر منه، ولا رائحة قهوة، ولا عينين تطلان على الشارع، ولا «قحقحة» تهلّ كلما مرّ شخص ما، ولا دعوة للجيران بعد الآن. العيون كلها تنظر إلى النافذة لعله يطل عليهم ويلقي تحيته، لكنهم الآن يلقون بأياديهم وأصابعهم عليه نظرة الوداع الأخيرة.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]