بيروت المجمّدة 40 تحت الصفر



لن أصطحب عائلتي إليكِ فأنا لا أريد لأحد أن يراكِ على حقيقتك (هيثم الموسوي)
بيروت حمود

انصهر لحمي في إسمنت بيروت المدنيّة. لم يعد هنا ما هو غريب عليّ. الإسمنت! بعد ثلاث سنوات أقول إن لحمي انصهر في الإسمنت، في أحجار البيوت، وشرفاتها المطلة على الازدحام؟ هل يمكن لمدينة في هذا العالم كله أن تكون أقسى علينا من بيروت؟ الإسمنت يا بيروت!

برغم ما علمتِني إياه من قساوة وفظاظة لا أعرف لماذا ما زلت أحبكِ! أهو الشوق إليكِ؟ الشوق الذي عشّش فيّ اثنتين وعشرين سنة، واستحال حاسة سادسة لا أستطيع الحياة من دونها؟ أو يكون الاسم الذي ألصقه والدي بي منذ ولدت، الاسم الذي ربطني بك على سبيل التيمّن؟ قد يكون هذا مثلاً... لا أعرف، ولن أعرف.
في الحقيقة، لا أريد أن أعرف، لكنني سأعترف لكِ بِأنني لم أكن أرغب هذه المرة في الرجوع إليكِ وإلى إسمنتكِ المتعالي وبعضِ ناسكِ الفارغين من كل شيء، سوى مقاهيكِ التافهة. لماذا أحقد عليكِ؟ هل ستغفرين لي ذلك؟ تعرفين أنني حزينة الآن، وأنني أشبه حزنكِ وفراغكِ الدائم. فراغكِ الذي بدا لي ــ حين كنت غريبة ــ أنه حيز مليء بالمثقفين وبالفنانين وبالساهرين الجميلين، لكنني رأيت صبايا يهززن خواصرهن في إحدى حاناتكِ على أنغام ماذا: نشيد موطني؟ على أنغام نشيدنا الوطني يا بيروت!
هل هذا «الجميل» الذي تردينه إلينا نحن ــ أولاد فلسطين ــ مع أننا أيضاً لم نقصّر؟ على كل حال، شكراً، ذلك ليس ذنبكِ؛ إنه ذنب بعض ناسكِ وسيّاحكِ وجاهليكِ. دعيني أشتمكِ هذه المرة فقط وأفرغ ما في بطني من عتب! يمكنكِ أن تغضبي؛ لم يعد يهمني! لا أريد منكِ شيئاً.
لم تعودي تعنين لي، فأنا عائدة للتو من لقاء عائلتي التي لا تستطيع المجيء إليكِ ولا إليّ، وتحبكِ لأنها تجهلكِ مثلما كنت أجهلكِ من قبل، لكن، مهلاً، لماذا أقول ذلكَ كله؟ فأنتِ، أنتِ وحدكِ تحملتِنا، ووقفتِ في صفنا، أنت الوحيدة ــ ربما ــ التي لا تزالين تقفين إلى جانبنا، وقدمت شهداء في سبيل قضيتنا، ولا تزالين، بل أنتِ وحدكِ اليوم التي تحتضنين في ضاحيتكِ، وفي الجنوب منكِ، من يدافع عنا ويعدّ لعودتنا.
مع ذلك، لا أشتاق إليكِ. كل ما أشتاق إليه الآن هو الجليل! وطني الذي فصلت جسدي عنه بمحض إرادتي لا يزال متحداً بي، كأنني مربوطة إليه بحبل سِري، هو الجنين ولست أنا. لا يزال خد أمي البارد الأزرق والحزين كهواء إسطنبول، يلامس وجهي، برغم أنني عدت إلى لبنان، وهي إلى فلسطين، لكنني أشعر به!
لا شيء يضاهي هذا الحزن. لا شيء يفوق هذا الوجع. مع ذلك، لا رغبة لي في الخروج من متاهة الضيق لأنني أحترم مساحتي. أحب تخصيص وقتٍ للبكاء على أشيائي الخاصة، فالحزن جميل! ولأنه كذلك، أجد نفسي منغمسة في قراءة بحث عن الجثامين المجمدة في ثلاجات الاحتلال. أبوح لنفسي بصوت خفيض: لا تتابعي القراءة، توقفي حالاً.
لكنني، لا أتوقف، بل أغوص عميقاً في قصة تلك الأم الفلسطينية التي استشهدت وفي أحشائها جنين، لا تزال مجمدة هي وطفلها في الثلاجة. أقرأ شيئاً عن تجميد الموت، وتجميد الزمن، ثم استئناف الموت بعد عودة الجثمان إلى العائلة لدفنه... عن استحالة إذابة الجسد المجمد، وشهادات أهالي الجثامين المجمّدة بحرارة 40 تحت الصفر.
كم أنا صغيرة أمام هؤلاء! لكن الاحتلال أيضاً جمّد تلك اللحظة التي ودعت فيها أمي. جمّدها لأن استئنافها سيحدث بعد عام، أو أقل، أو أكثر. المهم أن هناك زمناً لاستئناف اللقاء، للحضن و"عبّوطة الأم"! هناك زمن جمّدت عنده صرخة طفلي ــ جواد الجليل ــ وهو يبكي قائلاً: «تيتا بَحْ» (تيتا لم تعد موجودة).
لكن، لماذا أعتب عليكِ أنتِ بالذات؟ ما دخلكِ في كل ما يحدث لي؟ ما دخلكِ في كل هذا الحرمان المعتق؟ دعيني أتفشّش فقط، فآذانكِ وحدها تصغي إلي في صباح كهذا يشبه «الضوء الأزرق»، للأديب الفلسطيني حسين البرغوثي!
لا أعرف من أين يكون البدء. الله قال إنه من الكلمة. على أي حال، إن كان هذا الله موجوداً فلينزل، ترى لماذا يتركنا؟ أي أشغال لديه أهم منّا؟ فليترك أشغاله حالاً ولينزل! ألا يرى ما يحدث؟ ألا يوجد لديه قلب كبير؟ ألا يحزن علينا؟ هل مرّ عليه في التاريخ أقسى من الذي يمر علينا، نحن أبناءه المتروكين المنسيين في عالم مجنون كهذا؟
على أي حال، نسيت أن أخبركِ أن إسطنبول كانت جميلة جداً، ولا أعرف إن كانت تسلّم عليكِ أو لا، فهي لم تحمّلني سلاماً لكِ. أنت مجمّدة مثلي، داخل حيزكِ المتروك للغرباء بعدما هجركِ شبابكِ، لكن، أتعلمين؟ الحق عليكِ وحدكِ! ماذا أعطيتهم سوى الفقر والبطالة والجوع؟ هل تنتظرين عودتهم مثلاً؟ لن يعود أي منهم، ففي الخارج وجدوا حياة أرحب من العيش فيكِ. أقصد... ليس أنتِ، بل هؤلاء التجار الكبار الذين يشبهون مافيات الأفلام المكسيكية.
كل البدائل ــ إن وجدت ــ ستكون أفضل منكِ. مع ذلك، لن أترككِ مثلما فعل أبناؤكِ! ليس لأنه لا يمكنني التنكر لجميلكِ، ولا لأنك كنتِ في نظري «المدينة الفاضلة» عندما كنت أجهلكِ، بل لأنني... فعلاً أحبكِ.
دعينا نضع هذا الحزن على الرف، أو تحت سجادة. وتعالي نرتشف قهوتنا على مهل ونفكر معاً: أين كنت سآخذ عائلتي لو حضرت إلى هُنا، بدلاً من لقائها في إسطنبول بعدما أتت من فلسطين.
بالطبع، لن أصطحبها إليكِ، فأنا لا أريد لأحد أن يراكِ على حقيقتك، ثم لا يعود يحبكِ. عائلتي لن تفهمكِ! لن تفهم أن الطائفية التي أنهكت لبنان لا علاقة لها بالدين، بقدر علاقتها بالطبقية. لن تفهم كيف يقدر الناس على العيش في بلد كهذا؟ كيف يصطفّون في طوابير مؤسسات رسمية للحصول على أوراق ثبوتية ووثائق مندون أن تخصص لهم «الدولة» مقاعد للجلوس وأجهزة إلكترونية لسحب الأرقام، وتلفازاً ومكيفا... كي لا يتأففون في زمن الانتظار!
لن تفهم عائلتي أن الفوضى هي المنظومة التي يسير فيها البلد! لن تفهم أننا نعيش هُنا في كنف «الواسطة»، فيما نكون أول النازلين إلى الشارع للمطالبة بإلغائها. ستتعبها تناقضاتكِ المربكة.
طلبت من جدتي كونها كبيرة في السن أن تأتي لزيارتي هنا، لهذا السبب قد لا يتعرض الاحتلال لها عند عودتها. لكن، هل تعرفين ماذا قالت؟ قالت إنها تخاف أن يقطع الاحتلال مخصصات تأمينها الوطني التي تعادل مرتباً شهرياً لمهندس يعمل في إحدى شركاتك. كم هذا طريف!
على أي حال، لماذا ألف وأدور في «متاهة أوزيريس» المظلمة وأنا أعرف استحالة الخروج منها؟ أنتِ جميلة رغم كل هذه البشاعة، وربما قد تكون بشاعتكِ هي الجمال الذي أراه حين أنظر إليكِ!
حسناً سآخذهم إلى جبيل فهي أقرب إلى قلبي منكِ، وهي أجمل وأعظم. على الأقل، تشبه عكا كما تشبه صيدا القديمة. ربما سيجدون هناك قليلاً مما يحكى عن «لبنان الجميل».

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | BeirutHamoud@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]