صوت الشعب يختنق بدموعه

كانت ليلة انتظار صعبة. الخبر وقع فجراً. الخامسة فجراً. كان منتظراً برغم تفاؤل كان يتربع في قلبي، ملامساً بوقاحة التمرد على القدر، برغم تلك الأخبار المتلاحقة المنذرة بنهاية فاجعة. من أين أتى التفاؤل؟ أمس مساء، غصّت كاترين عندما هاتفتني من الإذاعة لتخبرني ان مديرها كلها بتحضير "شي" عن رضوان حمزة لأن حالته حرجة جدا، ثم أجهشت بالبكاء ولم يفرّج عنها إلا ما لوحت لها به من أمل من أنه سيستفيق من الكوما، لا شك!

من أين أتى كل هذا التفاؤل؟ ربما من الإحساس بظلم الموت العادي لكائن رقيق مسالم لا يزال أمامه عمر ليحياه؟ ظلمه الموت باستيفاء روحه باكراً، في حين أنه داور كل شيء ليستطيع البقاء، من أجل لمى وعلي ووليم، من أجل بعض الأفكار الجميلة التي أراد أن يقوم بها، أن يتابع القيام بها. كأنها مهمات طاردة للموت وللملل وللامعنى.
رضوان؟ جاري وزميلي وأنيس جلسات مختطفة حول صحون المازة التي تحضرها لمى زوجته الفنانة الجميلة، في حين يتنطط علي ووليم كعفريتين شقيين بين لوحات رسمتها للتو. أجلس على تلك الكنبة، أنظر الى المكتبة مقابلها، ولعابي يسيل اشتهاء لبعض كتبها. كتب لم تبخل بها عليّ "شرط رجعيه ها... لأنو هيدي طبعة قديمة وبرجعلو من وقت لوقت". كان كتاب "المثنوي" لجلال الدين الرومي، فيلسوف التصوف، يقرأ لي منه مقاطع، ثم يتوقف فجأة مردداً الجملة التي سحرته، كأنه أحس للتو معنى كل مفردة يتفوّه بها، فيتردد في افلاتها ضناً بلذة مذاقها في فمه.
لرضوان المتمهل بطبعه، تمهل إيقاع الإلقاء المسرحي، مواهب عدة كان يغدقها على من حوله من تلامذة وحواري يتعلمون الإلقاء أو الصحافة الثقافية أو المسرح. متمهل وصوت هادئ دافئ يجبرك بدون طلب على خفض صوتك وإن “تكنّ”.
أسمعتنا إياه صوت الشعب مرة أخرى صباحاً، بعدما توقفت سوسن عن قراءة النعي مختنقة بدموعها، دموع " فقدان ثلاثة أغصان من السنديانة الحمراء"، كمال القاعي وجورج البطل ورضوان، غصن الإذاعة الذي كانت تحط عليه مواهب شابة، تنقد حب التجربة وتتزود بماء المهنة.
في العمل الأخير الذي سجلناه معاً في استديو زياد الرحباني، أقصد ألبوم "ما العمل؟ الجمهورية ب" الذي أصدرته جريدة الأخبار والذي يحتوي على نصوص لزياد كتبها في بدايات الجريدة، كان يدعوني الى التمهل بالقراءة وهو يكور أصابعه، ناظراً إليّ من تحت نظارتيه الطبيتين، أنا المستعجلة دوماً والتي لا تطيق الجلوس في مكان واحد أكثر من عشر دقائق. حاولت في الحقيقة تبطيء إيقاع إلقائي، وظننت أني نجحت، لكني لم أدرك أني لم أفعل إلا حين صدور الألبوم وسماعه، حيث لاحظت بالمقارنة مع قراءة رضوان، وطارق، أني الوحيدة المستعجلة. معجبة أنا بأدائك يا رضوان، هل قلت لك ذلك؟ الأرجح. كنت أحب صوتك العميق والعريض والهادئ كأنك شخصية خارجة من كتب وروايات الاتحاد السوفياتي التي تتحدث عن أشخاص يعيشون في قرى نائية يغطيها الثلج والصمت العميق والتأمل.
لم أر رضوان ممثلاً على المسرح إلا في مسرحيات زياد، لكني "زاملته" هناك، حيث كان يعطيني الثقة عندما كنا نلعب معاً في اسكتش ما. كان، كما في حفلة المركز الثقافي الروسي، يساعدنا في التمرينات: ملاحظات بسيطة بصوت هادئ، لكنه لا يصرّ. يدير ظهره وينصرف ليجلس مدخناً سيجارته في زاوية ما مراقباً من بعيد، أو قارئاً لنصه أو … شارداً هكذا في عالمه الخاص. لا يصرّ على مطالبه. تماماً كما يكون قد فعل اليوم فجراً.
لمَ لم تصرّ يا رضوان؟ ربما كان كل شيء ليتغير يا صديقي... ربما كنت لتبقى هنا، حيث لا نزال بحاجة إلى دفء صوتك وصداقتك وهدوء ابتسامتك التي تطمئن الأحبة بأن كل شي سيكون بخير. لم لم تفعل يا رضوان؟ لم يا رفيق؟

*يصلى على جثمانه ويوارى الثرى في مسقط رأسه كفرحتى قضاء صيدا عند الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا من يوم الاربعاء الواقع فيه 7/9/2016 الموافق ذو الحجة 1437هـ .تقبل التعازي طوال ايام الاسبوع في منزله الكائن في كفرحتى،كما تتقبل اللجنة المركزية للحزب واهله التعازي يوم الاربعاء الواقع فيه 14/9/2016 من الساعة الثانية الى الساعة السابعة عصرا في جمعية خريجي الجامعة الاميركية – بيروت.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com