مايوه العلمانية الشرعي

لا أعرف ما هو إحساس السيدة التي ترتدي البوركيني بالنسبة الى الابتراد المطلوب حين تغطس في مياه البحر. ما أعرفه أنه خيار اعتمدته اللواتي يحاولن المزاوجة ما بين الإيمان الإسلامي والحاجة إلى الحياة بشكل طبيعي مع خياراتهن الدينية، فيمارسن الرياضة ككرة سلة الشاطئ والسباحة، أو مجرد الابتراد في مياه البحر الذي هو ملكية عامة لكل المواطنين، مؤمنين وملحدين، رجالاً ونساءً. إنهن سيدات تحاولن الخروج من قوقعتهن بالحد الأقصى الذي يسمح به تدينهن، والحد الأدنى الذي افترضن إن قوانين الجمهورية الفرنسية تسمح به.

قد يظن البعض أن حل الشاطئ المخصص للنساء مناسب، وأقل إثارة للضجيج الإعلامي. لكن، أبداً. فقد ضغطت الجبهة الوطنية اليمينة لإلغاء حجز أحد المسابح ليوم كامل كان مخصصاً للنساء، بحجة احترام علمانية الجمهورية. هكذا، أصبح ارتداء البوركيني في فرنسا، وعلى شاطئ كالريفييرا الذي يُعَدّ "كارت بوستال" مقدساً بالنسبة إلى السياحة في فرنسا، مناسبة لتظهير درجة الإسلاموفوبيا التي تهزّ أوروبا وفرنسا خاصة منذ فترة، على وقع الاعتداءات الإرهابية باسم الإسلام المتشدد. هكذا، أصبح الموضوع حدثاً محلياً أولاً، تتمحور حوله نقاشات المسؤولين في الجمهورية العلمانية، وهم يخوضون صراعاتهم الفارغة سياسياً، بعد ان تشابهت خطابات اليمين واليسار علي وقع اللهاث خلف اصوات الناخبين اليمينيين عشية الانتخابات الفرنسية الرئاسية المقبلة، متهربين من القضايا الأساسية التي تكاد تشلّ فرنسا، وثانياً حدثاً أوروبياً بعد أن انتشر فيديو يوتيوب لرجال شرطة بالزي الرسمي يطلبون من سيدة أن تخلع البوركيني أو تغادر الشاطئ! فما كان منها إلا أن خلعته، لتثبت ــ كما قال بيان الشرطة في ما بعد ــ أنها تلبس المايوه! ثم ما لبثت ان غادرت الشاطيء من دون ان نعرف ان كانت قد غُرّمت 150 يورو كما بات القانون ينصّ!
حتى اليوم، منعت ثلاث بلديات فرنسية ارتداء البوركيني، بدواعي الحدّ من التوتر والحفاظ على القيم العلمانية الفرنسية "والأمان أثناء السباحة"، وكان النقاش قد بدأ حول أحقية البلديات بفرض قوانين منفردة على القوانين العامة، ورفع ائتلاف مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا شكوى لدى المحكمة الإدارية بمدينة نيس لإلغاء قرار عمدة مدينة كان، الذي برره بأن "أيّ زي ديني في الشواطئ العمومية يتنافى مع قيم العلمانية الفرنسية، وأنه يعدّ علامة على التشدد الإسلامي". إلا أن الحكومة بشخص وزيرة حقوق النساء شخصياً لورنس روسينيول، دعمت العمدة! وصرّحت روسينيول لإذاعة "أوروب 1" بأن "البوركيني لديه معنى، وهذا المعنى هو إخفاء جسد المرأة" وهو "ليس مجرّد لباس، بل هو مشروع مجتمعي"، مطالبة بالتصدي لهذا اللباس، وما كان من المحكمة إلا أن قضت لمصلحة العمدة، مبررة ذلك بأنّ قراره لا يخالف المادة الأولى من الدستور الفرنسي التي تشدّد على علمانية الدولة. وقد قرّر الائتلاف الإسلامي رفع القضية أمام المحكمة العليا بباريس.
حسناً. أي موقف علينا اتخاذه؟
فلنبدأ بالعكس: سيدة تستلقي عارية على شاطئ في فرنسا، التي ينص القانون فيها على عدم التعري في الأماكن العامة. هل ستثير كل هذه الضجة المرعوبة؟ أجزم بـ"لا". قد تطمح إلى صورة في مجلة فواسي مثلاً، أو ما يشبهها لو كنا في الستينيات. أما اليوم، فلا. وعلى ذكر الستينيات التي كانت أوج النضال النسوي في فرنسا، ربما كان الفرنسيون يذكرون الشعار الذي كانت النساء يرفعنه بأيديهن، علامة العضو النسائي، فيما كنّ يصحن بأعلى أصواتهن: "هذا لي"، أي ليس لأحد التحكم بجسدي. فإن كان شعار "هذا لي" يعمل في اتجاه العري، فلم لا يعمل باتجاه التحجب؟ لمَ تُثير تغطية الجسد النسائي كل هذه المخاوف؟ الجواب واضح، لكن ما ليس واضحاً هو أسلوب الحكومة الفرنسية والذي يحابي اليمين الفرنسي على حساب مسلمي فرنسا، تماما كما يحابي الاسرائيليين على حساب الفلسطينيين. انه اسلوب يفتقر إلى الذكاء والنية الحسنة ويتَّسم بعنصرية واضحة في التمييز بين المواطنين على أساس الدين والخيارات الشخصية التي لا تؤذي أحداً.
شواطئ العراة غير ممنوعة في فرنسا، فلم لا يتساوى المختلفون بمعتقداتهم أمام القانون، في ما يخص المساحة العامة؟ لم لا تخصص شواطئ بعينها أو مسابح فقط للنساء احتراماً لمعتقداتهن كما يخصص للعراة؟
كل ما كانت تطمح إليه تلك السيدة على شاطئ الريفييرا أن تبترد من القيظ الذي يجتاح فرنسا هذه الأيام، حيث بلغت الحرارة في باريس مثلا ٣٧ درجة، وهي قد غامرت بكل شجاعة بالظهور هكذا بين من قد يعتبرون مظهرها حقيراً أو بشعاً أو متخلفاً أو حتى غريباً.
كانت تجلس على الرمل بجانب تلك السيدات اللواتي ارتدين مايوه الجمهورية الشرعي، اي البيكيني، وربما لم تكن تطمح إلا إلى ابتسامة تواطؤ بين نساء مهما اختلفت أصولهن، فهن قادرات على التضامن فيما بينهن، تماماً كما كنّ في ثورة الستينيات. إلا أن ما حصلت عليه هو تماماً ما ظهر في الفيديو: صورة فرنسا القرن الواحد والعشرين... العنصرية التي فقدت عقلها ونبلها من الخوف.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com