تراجيديا رمضان

حسناً. انتهى رمضان، موسم الدراما العربية، مخلفاً في الحلق مزيجاً مرّاً من الخيبة الممزوجة بطعم التفاهة الفكرية والضحالة الإبداعية. بالمختصر، كانت حصيلة رمضان الدرامية... تراجيدية. فمن هرب الى الشاشات لينسى انحطاط عالمنا الفظيع وتوحشه، استطاع أن يتعرف الى نوع آخر من الانحطاط الفكري والإبداعي وحتى التجاري. يعني... على الأقل تغيير!

ومع أن شهر رمضان يعدّ في عالم الدراما «خير من ألف شهر» إلا أن «الألف» مسلسل (تقريباً) لم يكن بينها ما يستأهل المشاهدة والمتابعة، لا من حيث القصة ولا من حيث بناء الشخصيات أو السيناريو أو الإخراج أو الملابس أو الماكياج أو الموسيقى التصويرية أو حتى التمثيل، إلا في ما ندر.
أما الدراما اللبنانية؟ فلا أفهم كيف من الممكن احتمالها. يا إلهي. ركاكة في كل شيء تجعلك تفزّ الى المطبخ لتأكل شيئاً دسماً علّه يعوّض طعمها الباهت إن كان هناك من طعم أصلاً! أما الخليجية؟ فلم يكن ينقصنا إلّاها في موسم الثقة بالنفس الخليجي، وهي ثقة نستطيع أن نقول، بكل راحة، إنها في غير محلها.
لكن ما زاد طين تفاهة المسلسلات بلّة مصيبة الإعلانات. فغياب القوانين أو تجاهلها لجهة تحديد المدة الإعلانية المسموح بها خلال العرض، والمنافسة الحامية على السوق الإعلاني، جعل «جلقان» المعلنين يتفاقم إلى درجة تحويلهم ساعة المشاهدة الى عذاب للمتابع الذي لم يكن يستطيع إكمال حلقة من دون أن يطّلع على أحدث اختراعات معاجين الأسنان ضد الحساسية، أو مساحيق الغسيل الأنصع بياضاً دائماً وأبداً، على رأي فهد بلان، أو أفضل حفاضات لنوم الأطفال ولكي يكبروا بسعادة، وذلك بوتيرة تتكرر كل خمس أو عشر دقائق! وكأنها أي الدراما ليست إلا إطاراً مناسباً لابتزاز المشاهد بالتشويق لإجباره على مشاهدة … الإعلان!
هكذا، كانت بعض الشاشات (المصرية خاصة) لا تتورع عن تقطيع حلقة المسلسل بمعدل ربع ساعة إعلان (أقسم بالله) لخمس دقائق دراما. هذه الفظاظة التجارية العديمة المبالاة بحسن متابعة المشاهد، طفّشت الكثيرين الى يوتيوب لمتابعة مسلسلهم! أما «المعترون في الأرض» ممن لا يملكون كومبيوتراً، فكان نصيبهم لعيان النفس والمسبّات في هذا الشهر الفضيل ساعة الإفطار.
وفي الحقيقة، لا أفهم المعلنين. عن جد! لا أفهم كيف أن شخصاً يريد بيع منتجه، يعمد الى استفزاز المشاهد بهذه الجلافة التجارية التي لا تحتمل. أنا شخصياً، أرى أن هذا «الفلتان» أو هذه «السياسة» الإعلانية أدت الى نتيجة عكسية، فقد قرفتني من المنتجات التي تلحّ على أبصارنا وأسماعنا إلحاح المتسوّل الكاذب، حين يراهن على أنك ستعطيه إحساناً لمجرد التخلص من إلحاحه!
فإذا أضفت الى الفظاظة تفاهة الإعلان شخصياً وزيف ما يعرضه، ووتيرته المتكررة كالتعذيب الصيني، معطوفة على مسلسل يتضح لك بعد جهد المتابعة وتحمل الفواصل الإعلانية، أنه تافه، مدّع، وسطحي، يصبح بإمكانك شرعاً أن تقفل التلفزيون الى الأبد، متمنياً لو كان جهازك مزوّداً بـ«سيفون» لتشدّه وتقذف بكل هذه الزبالة الى أقرب بلّوعة.
تشبه الدراما الرمضانية العربية، سنة إثر سنة، وضع منطقتنا المتدهور. فالإناء دون شك، ينضح بما فيه. فإذا استبعدنا مسلسلين اثنين، لا غير، مصرييين، هما «أفراح القبة» و«سقوط حر»، وسوريا «الندم» (أصلاً كتّر الله خير السوريين القادرين على العطاء برغم كل شيء)، وإذا ما أخذنا بالاعتبار حالة الجمهور وقبوله بكل ما يقذف أمامه، أي متابعة المشاهدة برغم كل ما تقدّم، بإمكانك القول بكل راحة ضمير إن «بوليميا» نفسية أصابتنا، وإننا معرضون لقبول ابتلاع المزيد بدون مقاومة تذكر، تماماً كما في السياسة والفساد والعنف وتوحش المجتمع، الى أن نصاب ببدانة الروح وترهّلها، فتقعد أرواحنا بثقل وزنها الزائد لا تملك حتى التنفس بشكل سليم وتموت مخيلتنا بأنواع مختلفة من «الاشتراكات».
أطفئوا هذه الشاشات التافهة، عاقبوها على مواسمها المجدبة، فالإعلانات بحاجة الى مشاهدين، وهذه قوة في أيديكم. باختصار «صوموا تصحّوا»، في رمضان أو في باقي السنة الهجرية.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]