مكانة الدِّين في الشأن العام


علي خليفة

بعض الاتجاهات الحديثة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، أعاد الدِّين إلى الحياة العامة كعامل اجتماعي فاعل في أكثر من مقام. وهذا التوجّه الناشئ تحديداً في بعض المجتمعات الغربية، يقابله من وجهة نظري تصوّر مجتزأ في لبنان، حيث ليس هناك ترسيم واضح للحدود بين الشأن العام في ما يعنيه (وهو أصلاً غير مكتمل في ثقافتنا وفي وعينا الجماعي) ومكان الدِّين فيه كعامل مساهم.

وطبعاً، إن لمؤسسة أديان، التي نظمت أخيراً حفل تخرج لبرنامج التنشئة على الأديان والشّأن العام في لبنان، رؤية خاصة تطمح إلى بقاء العامل الديني مهيمناً على الحياة العامّة، فلا يرى الفرد خصائصه إلا من خلال انتمائه الديني، ويربط حقوقه وممارستها بهذا الانتماء وكذلك واجباته كفرد وقيمته كإنسان. لا بل يفضي هذا المفهوم إلى اعتبار منظومة المواطنية بحدّ ذاتها مستتبعة للانتماء الديني، وملحقةً به، جرّاء التضحية بالعديد من مكوّناتها الأساسية، كالمساواة في الحقوق بين المواطنين الأفراد لمصلحة التعبير المفرط عن الخصوصيات الدينية لدى الجامعات الطائفية، وصون هذا الواقع، في حين أن المطلوب مقاربة الدين كمظهر ثقافي ومحدود.
إن لم نتّفق بجرأة ووضوح في هذا الأمر، فإن مشروع مؤسسة أديان يصبح خطيراً، لأنّه يمكن حينذاك أن يرتدي لبوساً مختلفاً، ليس أقلّه تكريس فضاءات طائفية منعزلة على ذاتها ومتباعدة عن بعضها.
أعتقد أخيراً أن المسؤولين والفاعلين التربويين على مختلف مستويات القرار، غافلون أو متغاضون عن الأمر، أو هم من غير أصحاب الرؤية الواضحة المطلوبة حيال هذه التبعات. كذلك إن صيغة ائتلاف الطوائف، التي تصادر بناء الوطن على قاعدة المساواة في حقوق المواطنة بين الأفراد، هي ذاتها البيئة الراعية لنشوء مشاريع تكريس الطائفية على قاعدة التقاء المصالح بين الطوائف المؤتلفة على حطام الدولة. فالطائفية السائدة على صعيد الحكمية السياسية، وفي العديد من عمليات التنشئة الاجتماعية، ومنها التربية والتعليم، تؤدّي إلى أن يكون للمغالين في التعبير عن الانتماء الديني حلفاء موضوعيون وأصدقاء لدودون، لا بين نظرائهم وحسب، بل بين أندادهم. فكلّ مغالٍ في التعبير عن الشأن الديني يرى، في نظيره وندّه من الدين الآخر، مبرّراً لوجوده ومسوّغاً لعمل كلّ واحد منهما على تقديم الشأن الديني على الشأن العام، ومصالح المجموعة الطائفية على المصلحة العامة المشتركة، ومنظومة الخصوصيات على الوحدة والاندماج.

* أستاذ التربية على المواطنية في كلية التربية في الجامعة اللبنانية

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]