«إعادة إعمار» في العيادة النفسية: حاجة السوريين غير المعلنة



في أحد مقاهي حيّ صلاح الدين في حلب أول من أمس (أ ف ب)

تنامت الحاجة إلى التعامل مع الأثر النفسي الذي خلفته الحرب لدى السوريين، الذين تعايش معظمهم مع ارتكاساتهم النفسية إما لجهة الخوف من وصمة المرض النفسي، أو لاعتبارهم الصحة النفسية ضرباً من ضروب الرفاهية وسط مشهد الخراب العام

ريمه راعي

اللاذقية | تتحاشى أم محمد النظر إلى الجالسين بينما تنتظر دورها في زيارتها الأولى لعيادة نفسية. لم تتخيل يوماً أنها ستقوم بهذه الزيارة، لكنها جاءت بموجب إحالة من طبيب «الهضمية» بعدما فشلت الأدوية التقليدية في علاج آلام معدتها، الأمر الذي اعتبره طبيبها دليلاً على المنشئ النفسي للألم. أثناء جلسة العلاج سردت أم محمد تفاصيل «الفلاشات» التي تبرق في ذهنها طيلة الوقت: القذائف تنهال فجأة على بيتها في حلب، والداها جثتان هامدتان، ابنها الأصغر ما زال يتنفس بينما يمكن رؤية أحشائه من خلال جرح كبير في بطنه وهي تحمله وتركض نحو المشفى، لتصل أخيراً وابنها جثة أمامها. المعالج النفسي سهيل زيدو، الذي يشرف على حالتها، يحاول أن يجعلها تتقبل فكرة أنه من الطبيعي لمن فقد عائلته وبيته أن يصاب باضطراب نفسي، لكن هذا لا يعني أنه سيبقى مضطرباً طيلة حياته. يوضح زيدو أن «التحدي الذي خضته معها بداية كان إخراجها من حالة الإنكار، التي هي حال العشرات ممن يجري تحويلهم إلى المركز، وتسيطر على وعيهم الجمعي فكرة أن الاضطراب النفسي وصمة عار يجب إخفاؤها».
12 جلسةً تستغرقها خطة العلاج التي يخضع لها مراجعو المركز الواقع في طرطوس والتابع لـ«الهيئة الطبية الدولية» (IMC)، وهي منظمة دولية تقدم برامج دعم نفسي واجتماعي. ويشرح لـ«الأخبار» أن «أطباء الداخلية والأطفال والنسائية يقومون اليوم بتحويل مرضاهم إلى الاختصاصيين النفسيين، مستفيدين من كون وصمة المرض النفسي، بعد الحرب، باتت أخف وطأة لأن المريض يلقي اللوم على الحرب، علاوة على كون الخدمة النفسية متوافرة وبالمجان».

تشخيص دون علاج

«لن أنسى ما حييت وجه الرجل المسن الآتي من إدلب، الذي كان يبكي طوال الوقت. أخبرنا من أتوا معه انه طيلة الطريق نحو اللاذقية كان يحمل جثة طفله، بينما ترك جثث أبنائه الثلاثة الآخرين خلفه»، تقول الناشطة في المجتمع الأهلي في اللاذقية، نسرين محلا، بينما تشرح حال الهاربين من مناطق النزاع، الذي يتفاوت بين البكاء المتواصل والصمت المطلق.

وتضيف: «إحدى الحالات كانت فتاة عولجت من طلق ناري في الرأس، اعتقدناها خرساء لأنها لم تتجاوب معنا، لكن حين جاءت والدة خطيبها أخبرتنا أن صدمة أسكتت الفتاة، بعدما ذَبح جيرانهم إخوتها الصغار بينما كانوا يلعبون في الشارع، بحجة أن أختهم مخطوبة لعسكري. استطاعت أن تهرب، ثم أصيبت بطلق ناري وهي على ظهر شاحنة تنقل الهاربين نحو اللاذقية».
«اضطراب كرب ما بعد الصدمة» هو الاضطراب الأكثر شيوعاً بين المتضررين من الحرب، بحسب خبير الدعم النفسي الاجتماعي، جبران خوندة، الذي يوضح أن دور الفرق العاملة في مجال الدعم النفسي الاجتماعي، لا يتعدى كشف وجود الاضطرابات دون علاجها، الذي يتطلب اختصاصيين نفسيين. ويكشف عن «فجوة ناجمة عن قلة عدد الاختصاصيين، علاوة على الجهل الموجود في المجتمع والذي بناء عليه تكون فكرة العلاج النفسي غير مقبولة»، مضيفاً: «نستطيع لمس الاضطرابات السلوكية والعدوانية الموجودة حالياً من خلال الغضب المنتشر في الشوارع، كالمشاجرات التي تحدث عند الأفران أو بين سائقي السيارات، حيث يجري تفريغ الضغوط بطرق غير سوية».

أزمة هوية

«اسمي محمد وأنا مسلم سني»، هذا ما أجاب به طفل عمره 11 عاماً عندما طُلب منه التعريف عن نفسه في سياق جلسة دعم نفسي واجتماعي، في مدينة حمص، كان فيها أطفال راوحت أعمارهم بين 8 ـ 15 عاماً. إجابة محمد دفعت بقية الأطفال لتعريف أنفسه بالطريقة نفسها: الاسم، الديانة ثم الطائفة. المشهد كان كافياً ليدرك الاختصاصي الذي يدير الجلسة، عزت ابراهيم، أن عملاً طويلاً ينتظره مع هؤلاء الأطفال. «أطفال عانوا الحصار والجوع والنزوح، وباتت لديهم اليوم مشكلة في التواصل مع الآخر المختلف، ومشكلات تتعلق بالهوية وتعريف الذات، علاوة على تغير مفهوم المستقبل لديهم وفقدانهم الثقة بقدرة الدولة على حمايتهم»، يقول ابراهيم. ويضيف: «نعمل اليوم مع هؤلاء الاطفال على مفهوم الهوية وعلى فهم التنوع والاختلاف، والشيء الجيد هو أن الأهالي يحضرون أبناءهم للمشاركة في هذه البرامج وهذا مبشر بالخير».

اكتئاب عام

«اضطرابات ما بعد الهجوم والتهجير» ليست وحدها في المشهد اليوم، ففي اللاذقية المصنفة «آمنة»، ثمة اضطرابات نفسية على رأسها القلق والاكتئاب. منازل خلت من رجالها الذين يقاتلون على الجبهات، ونساء بتن وحيدات ما بين ثكالى وأرامل وحبيبات ينتظرن، علاوة على ضبابية المستقبل وارتفاع تكاليف المعيشة، التي جعلت تأمين متطلبات الحياة اليومية ضرباً من النضال.
مضادات الاكتئاب التي لا تباع إلا بوصفة طبية، هي الأدوية «الأكثر طلباً حالياً» بحسب أحد الصيادلة. الغالبية ممن يحتاجون لهذه الأدوية لا يملكون القدرة على مراجعة الطبيب النفسي ولا على شراء دواء يعد من الكماليات. سهيل، يفكر كثيراً في حاجته لعلاج نفسي، لكنه يعده ضرباً من ضروب الرفاهية، شارحاً: «استشهد 4 من عيلتي... من سنة تركت بيتي يلي كنت مستأجره، وسكنت أنا وزوجتي وأولادي ببيت أهلي، لأن ما عاد قدرت إدفع الإيجار وعم جاهد لطعمي عيلتي، وأي... معي اكتئاب وشديد كمان، لكن أكيد ما رح روح لعند دكتور نفسي، لأن معاينته2500 ليرة، بطعمي ولادي فيهم».

محاربة الاكتئاب بالتجميل!

أبناء الطبقة المخملية، التي تعد الأقل تضرراً من الحرب، هم اليوم الأكثر استهلاكاً لمضادات الاكتئاب، فضلاً عن «علاج» من نوع خاص يحصلون عليه في عيادات التجميل، التي تعج بنساء وفتيات وحتى برجال يحاربون الاكتئاب بحقن «البوتوكس» والإجراءات التجميلية، برغم الارتفاع الهائل في تكاليفها. «الناس يجدون متنفساً في التجميل ولا يعترضون على تكاليفه المرتفعة، طبعاً أتحدث عن طبقة معينة قادرة مادياً». تقول الاختصاصية الجلدية، نيرمين العبدالله، وتشير إلى شاب جاء مؤخراً إلى العيادة لإجراء حقن« بلازما» لوجهه، علّ النضارة تخفف من اكتئابه بعدما استدعي لخدمة الاحتياط.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com