أمين معلوف... لم تبع إلا نفسك، لم تهدم إلا تاريخك


عماد خشان

ذكرتني قصة أمين معلوف وجوائزه الكثيرة وصولاً الى الجائزة الكبرى المتمثلة في ظهوره على شاشة اسرائيلية بقصة النبي أيوب كما وردت في التوراة. «كان رجل في أرض عوص اسمه أيوب». وكان أيوب رجلاً تقياً وثرياً، فأراد الشيطان أن يبرهن لله أن ايوب يعبد الله لأن الله أعطاه، وأكرمه. ولكن الله يصر أن ايوب يعبد الله حباً وتقى وورعاً‫.‬ وتدور معركة رحاها جسد أيوب وحياته وأسرته، ولكنه في النهاية ينجح في الامتحان ويرسب الشيطان‫.

‬أمين معلوف مثل ايوب، أعطته فرنسا، فأجزلت العطاء ثم أتى الشيطان الاسرائيلي ليرى إن كان ايوب اللبناني أمين معلوف يستحق كل عطايا فرنسا. وفي النهاية، نجح معلوف في امتحان فرنسا ورسب في كل المواد الأخرى من وطنية وكرامة وانسانية. فالفنان الحقيقي يقف دوماً مع الخير ولا يهادن أو يحابي الشر. معلوف يعود أخيراً الى اصله الفينيقي الذي اسسه جده الأول الملك حيرام الذي قطع خشب الارز المقدس وأرسله الى الملك سليمان مجرد أن طلبه منه دونما احترام ولا تفكير في حرمة شجر الارز ولا قداسته، وما زال اجدادنا الفينيقيون واحفادهم على العهد، يسيرون. لا بد من التنويه الى أن الملك حيرام بعبقريته الفينيقية وجد طريقة سريعة ورخيصة ليوصل خشب الارز الى الملك سليمان، فارسلها عبر البحر بما أن الخشب لا يغرق، فطاف خشب الارز المقدس الى أن وصل الى يد سليمان، فصنع من ارز لبنان الذي دنست حرمته واستبيحت قداسته هيكلاً له.
ما زالت القصة نفسها تدور بين لبنان أو بعض لبنان واسرائيل منذ ذلك الحين. ستة آلاف سنة من التبعية. لا مفاجأة هنا. تلك الابتسامة التي فلشها معلوف في مقابلته التلفزيونية الاسرائيلية ليست الا ابتسامة التاجر الذي يريد أن يبيع بضاعته ويضحك في وجه الزبون من دون أن يدري أنّه ليس فقط البائع بل، هو أيضاً البضاعة. ها هو أمين معلوف قد باع بضاعته ومعها باع نفسه، فطوبى له ملكوت اسرائيل التي كالعادة ما أن تنال منه وطرها، حتى تلقيه على قارعة الطريق، وقد يجد له مقعداً الى جانب مواطنه المخرج زياد دويري الذي لا نال الاوسكار الاميركي الاسرائيلي، ولا صان ما بقي له من وطن وشعب وأمة. أمين معلوف كاتب ممتاز وهنا تكمن عبقرية الغرب عموماً، وفرنسا بالذات. الغربي يختلف عن الشرقي العربي من امثال امين المعلوف. الغربي لا يتاجر بمبادئه ولو كانت خاطئة لأنّه في الغرب المبادئ والمصالح واحدة. أما العربي فهو ويتاجر ويسمسر، ويهوى المناقصات لأنّه كما قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي «ومن لا يحب صعود الجبال يعش ابد الدهر بين الحفر». والعرب بكل سهولهم وسهوبهم وجبالهم ووديانهم وفيافيهم وقفارهم لهم رغبة تقارب الاباحية في العيش بين الحفر. قصيدة اليوت «أرض اليباب» قد تكون سيرة للانسان العربي الذي يكره الجبال ويكره النهوض ويكره الربيع. ولأنه يكره الربيع، فانه حين يحاول أن يعيشه، لا يطلع معه ربيع الا كالربيع العربي. وقد كتب الشاعر العراقي بدر شاكر السياب قصيدة «أنشودة المطر» التي أرادها معارضة لقصيدة اليوت الشهيرة، لكن كلنا يعلم ما هو مصير المعارضة في بلاد العرب. هي إما أن تموت في السجون أو تختفي وتموت قهراً أو انها تهاجر وتجلس على مقاهي باريس ولندن، على أمل أن يكتشفها الناتو عبر وكيله الحصري هنري برنار ليفي، فيزيل الصدأ عنها ويلمعها ويسلحها ويردها الى بلادي مع طيور غوادي اسمها طائرات الفانتوم والـ «أف 18». الغربي يبيع ويشتري ولكنه يشتري ما يستحق الشراء فقط. وهنا نجح أمين معلوف في أن يكون كاتباً همماً مجدداً، ويستحق الشراء، فخاض في غمارها وشرا وباعا.
طبعا هذا لا يعني أنّ الغرب لا يشتري بضاعة مضروبة أو «عجرة» أي غير ناضجة. لكنه يفعل ذلك حسب الموسم، خاصة حينما تكون البضاعة النظيفة مقطوعة. وهكذا في موسم الحرب العالمية على سوريا، تصير سمر أو سحر (ليس مهما جداً ايهما) يزبك نجمة الساحات بما فيها ساحة ميس الريم، وتصير كاتبة من طراز هوليودي نوبلي غونكوري تنال كل مباهج الاقامة الفرنسية خاصة في فرنسا زمن اليورو وتنال مما تنال جائزة أو أقله رعاية PEN «العريقة والمرموقة». وهما الصفتان الأحب الى قلوب العرب، وخاصة من فئة الوراقين واحبار التحبير واسكافيي الثقافة وآكلة المناقيش بزعتر وجبنة كفعل بديل عن النشيد الوطني المحلي وعن تلاوة فعل الندامة «يا إلهي أنا نادم وأرجو الصفح عن كل آثامي، وأمقتها فوق كل شيء». ولكن هذا كله بما فيه فعل التلاوة لا يعني اننا لن نعود الى فعل الندامة عينه لاننا كلنا نعمل على مبدأ القديس اوغسطين الذي يقول «يا رب اعطني العفة والطهارة... ولكن ليس الآن». دعني الآن يا رب استمتع بملذات الدنيا وجوائزها الادبية وبعد قليل اتوب من دون أن يحدد قديس الحروب الصليبية لنا ما هو تعريف «ليس الآن». ولا بد من أنّ الكاتب معلوف قد سمع بالقديس أوغسطين خلال ابحاثه لكتابه عن الحروب الصليبية. اوغسطين هذا هو من أوجد الفتوى اللازمة للبابا أوربان الثاني بشن الحروب الصليبية على العرب المسلمين. اراد البابا اوربان تلك الحرب بكل جوارحه ولكنه لم يستطع أن يوفق بين دعوات الانجيل النظرية للسلام والمحبة وبين أعمال السيف فعلياً في رقاب الناس. قدم له أوغسطين القديس هذا ببراءة اختراع برر فيه حروبه الصليبية بأنّها دفاعية أو كما سيسميها جورج بوش في القرن الحادي والعشرين باسم الحروب الاستباقية، أو ما يعبر عنه المثل القائل: «نتغدى بهم قبل ان يتعشوا فينا» مع ان هؤلاء الـ «هم» لا هم بوارد غداء ولا عشاء وأصلاً لا يحبون الاكل الاجنبي لانه ليس أكل «حلال»، وخاصة اللحمة طبعاً إذا استثنينا لحوم النساء، فعندها كل شيء حلال، وكل شيء للقضية، كل شيء للوطن.
في زمن مضى، رفع الغرب من شأن الكاتب الروسي الكساندر سولجينتسين ليكون واجهة ادبية فكرية لهم في الحرب مع السوفيات، بل منحوه جائزة «نوبل» للآداب «العريقة والمرموقة» والمطلوبة كسراب في صحراء العرب والعالم الثالث والرابع. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، اختفى سولجينتسين كأنه لم يكن، وهو الذي قال في وصف الاميركان انهم «عديمو الرجولة»، وعاد خائباً الى بلاده التي سبق أن انكرها. واليوم هو دور الكاتبة سفيتلانا الكسيفيتش من جمهورية روسيا البيضاء منحت جائزة «نوبل» لعام 2015 مع أنّها ليست كاتبة روائية ولكنها تشتم فلاديمير بوتين في عز أزمة الغرب مع روسيا فلاديمير بوتين. شكراً للمصادفة السعيدة.
أخذ الغرب الاميركي في ذراعه الثقافي المتواجد في فرنسا معلوف، وصنع منه اسماً وسلمه أرقى المناصب الادبية ومن ثم طلب الثمن. والثمن الذي يطلبه الغرب من العالم كله ومن العرب خصوصاً، هو الانصياع لاسرائيل لانه كما قالت الولايات المتحدة على لسان جورج بوش الثاني، فإنّ الباب الى قلب اميركا هو اسرائيل، أي كأن جورج بوش قد قال «أنا مدينة الاستعمار واسرائيل بابها». ولا توجد فئة قد سمعت ووعت وعملت بهذا القانون أكثر من فئة الكتاب والأدباء العرب، خاصة بعدما شاهدوا بأم العين المجد والخلود اللذين حازهما سلمان رشدي. الأخير قالت عنه مارغريت ثاتشر بأنّه يشتمها يومياً فيما هي تؤمن له الحماية والمرافقة الشخصية على حساب دافع الضرائب البريطاني. ليكن، ألم نقل لكم إنّ العربي والمسلم تاجر شاطر وابن سوق وملعب؟ وهذا التصاغر كله لا يعني شيئاً لاحد لأنّ سلمان رشدي صار نجم المحافل وصار الزعماء يستقبلونه كأنه اكتشف دواء للسرطان. ولكن للامانة فان كتابه «آيات شيطانية» كتاب جميل بقدر ما يكون بحث طالب جامعي عن بدايات الاسلام ودراسات علم القرآن. لقد لاحظت أنّه صار في طبعات الكتاب الجديدة يذكر مراجعه ومصادره، ولا أذكر أنّي رأيت ذلك في طبعة الكتاب الاولى وقد اكون على خطأ. لكن من يقرأ الكتاب، يدرك مقدار ارتكازه في روايته على «تاريخ الملوك والامم» لمحمد بين جرير الطبري المتوفي عام 310 هجرية أي عام 923 ميلادية. وحين نقول إنّ رشدي استعان بتاريخ الطبري، فالمقصود انه شفط صفحات بحالها من تاريخ الطبري. لكن ليس في الامر عيب، على الاقل فان سلمان رشدي يقرأ التراث العربي الاسلامي ويستفيد منه في حين أن أوّل ما تلاحظه عند قراءة الكتاب العرب هو ضعف اللغة العربية التي يكتبون بها وضعف الفكر والخيال وضعف الحيلة. أمين معلوف مثل أبو صنصال مثل زياد دويري لم يبع الا نفسه ولم يحرق الا نفسه، ولم يهدم الا تاريخه هو. مع فرق أن أمين معلوف كاتب جيد ومثله سلمان رشدي، وهما يقومان بواجبهما على اتمه. فحتى لو تاهوا في متاهات السياسة، فعلى الاقل هم يقدمون نصاً ادبياً جميلاً ولو كان بقدر ما يمكن أن يقدمه ابناء المستعمرات الذين تعلموا الكتابة والقراءة واجتهدوا.
والحق يقال لا فلسطين استفادت ولا العرب استفادوا من معلوف لا قبل ولا بعد المقابلة مع التلفزيون الاسرائيلي. هو استفاد شخصياً ومعه هواة جمع طوابع العبقرية اللبنانية الفينيقية. فلسطين استفادت من تلك المقابلة المعلوفية، وقبلها من حديث الاستاذ الياس خوري الشيق مع الصحافة الاسرائيلية كما هي تستفيد يومياً من غيرهم الكثير. لا بد أن نعرف من فعلاً مع فلسطين، ومن هو مجرد خطيب ثرثار. من المقاوم ومن المقاول. من الشهيد ومن الدكنجي. لا بد من تنقية الاناء لكي لا يظل ينضح خيانة وعمالة ومن هم على شاكلة محمد دحلان، ومحمود عباس، وحملة جوائز جوقة الشرف الفرنسية. وليس في قصة معلوف ما هو غريب أو جديد، فمن يأكل من خبز السلطان لا بد من أن يضرب بسيفه. ها هو يرد الدين لفرنسا بما يظنه بعضهم خيانة، مع أنّي لا ارى في ذلك خيانة فعلية لاني أرجح أنّ أمين معلوف يرى نفسه فرنسياً اصيلاً ومنذ أكثر من عشر سنوات، وهو يتصرف بما تمليه عليه فرنجيته. اين الغريب في كل قصة معلوف؟ خاصة عندما نذكر ذلك الحوار الذي دار بين الرب وابليس حين أصرّ ابليس على أنّ ايوب يعبد ربه لانه ينتفع منه مالاً وعيالاً وارضاً وزرعاً وضرعاً. لكن الله اصر أنّ ايوب عبد مؤمن من كل قلبه. فرد ابليس قائلاً: «هل مجاناً يتقي ايوب الله؟ أي كما نقول في العامية كل شيء بحقه يا الله

*كاتب فلسطيني

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]