في «يوم المرأة العالمــي»... الفضاء الرقمي لنا



من تظاهرة جمعية «كفى» في بيروت(مروان طحطح)
ريتا فرج

يأتي يوم المرأة العالمي (8 آذار/ مارس) في العالم العربي على إيقاع خطاب سلفي إخواني مناهض للنساء. وفي ظل ربيع عربي قيل عنه الكثير، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة جديدة نهضت من رحم الانتفاضات. أصبح للمرأة الثائرة مدوّنات وصفحات إلكترونية شكلت الخط المضاد للبنى النيوبطركية المستفحلة.

النساء العربيات هنا في الفضاء الرقمي، ثائرات يعبّرن عن مواقفهن بشجاعة لم يشهدها التاريخ النضالي للمرأة العربية. هنّ يقارعن مجتمعات مأزومة لم تتصالح بعد مع «الجنس الثاني» على حدّ تعبير رائدة التيار النسوي الفرنسي سيمون دو بوفوار.
للثائرات العربيات حراك اعتراضي من نوع آخر. لقد أصبحن في صلب العالم الافتراضي القادر على تجاوز كل الطبقات والحدود الجندرية. فرضية واحدة أفرزتها النتائج الأولية للثورات الهادرة والصامتة من المحيط إلى الخليج، المحاولات الحثيثة لإعادة المرأة إلى المجال الخاص، بعدما شاركت وما زالت في الساحات والميادين، لكن كثيرات رفضن الذكورية الإقصائية قائلات: الشارع لنا.
يعكس الفضاء الرقمي جدلية الخاص والعام، ويبرهن في المرتبة الأولى عن تشابك محموم بين الرؤى المتناقضة. ما إن انطلقت قاطرة الاحتجاجات العربية الداعية لإسقاط الأنظمة العسكرية/ الأبوية حتى بدأت الثورة الرقمية النسائية، وأولى محطاتها أتت مع ظهور «سافرات عربيات» (كانون الثاني/ يناير 2011) و«انتفاضة المرأة في العالم العربي» (أكتوبر/ تشرين الأول 2011) الذي عرف نسبة تأييد عالية من الجنسين، وتبعته مواقع أخرى بينها «أنا امرأة ولست عورة». الأخير يوجه رسالة واضحة إلى الذين لا يرون المرأة إلّا عبر عورتها. وإذ تحمل هذه المواقع وغيرها رسائل متآلفة ومتباينة أحياناً، إلّا أنها تريد التعبير عن رسالة مشتركة عمادها حرية المرأة وإقرار حقوقها السياسية والاجتماعية والمجالية.
تضج المواقع النسائية بمشهدية مضطربة، وما نقصده أنّها حين تنشر بعض التصورات الذكورية، إنما تهدف إلى معاكسة البنى الفحولية، وللفحولة حيّزها السياسي والاجتماعي والنمطي. في الغالب، تطرح الصفحات الثلاث المشار إليها قضايا تعنى بالمرأة العربية وقلقها الوجودي المزمن، وتتبنى وتناصر كل ما له علاقة بالعنف المتمادي ضد النساء العربيات، كمناهضة التحرش الجنسي والحقوق السياسية والحق في التعبير عن حرية الجسد الأنثوي/ المقموع بفعل عوامل دينية (في طليعتها فوضى الفتوى) ومجتمعية من دون التقليل من سطوة الثقافة الشعبية.
ومع تعدد الأفكار المطروحة في الفضاء الرقمي النسائي الثائر على نكسة الربيع العربي، وما آلت إليه من نتائج، شكلت الفحولة السياسية أولى تجلياتها كردّ على الحضور الأنثوي اللافت في المجال العام، اشتدت إرهاصات الاعتراض داخل هذه المواقع الرقمية وغيرها.
يُعرف موقع «انتفاضة المرأة في العالم العربي» عن نفسه بأنه يطالب بحرية الفكر والتعبير والاعتقاد والجسد والقرار والزواج والطلاق والاستقلال والتعلم والعمل وحق التصويت والترشح والحماية من العنف الأسري، كما تضمنت صفحته «الإعلان العالمي لحقوق الانسان». المؤشر النوعي الأول الذي يلحظه مشاهد الموقع، خصوصاً في بدايات تأسيسه قيادة حملة من داعميه على فيسبوك، وذلك بالكتابة على ورقة بيضاء أو على شاشة الكمبيوتر «أنا مع انتفاضة المرأة في العالم العربي» مع إضافة سبب تأييد الانتفاضة، ومن ثم التقاط صورة لهم ولهن مع هذه الجملة وإرسالها إلى صفحة. واللافت أنّ المشاركين كانوا من الجنسين، فضلاً عن أن الحملة شهدت حضوراً للنساء المحجبات وحتى المنقبات، وهذا يدل على تقاطع بين المباح والممنوع، بين المقدس والدنيوي، خصوصاً إذا جرت مقاربة الحجاب الرقمي من بعض التأويلات الدينية الفقهية التي تمنع المرأة عن اختراق المجال العام وتريد حصر دورها داخل منزلها، أي ضمن الحريم المكاني.
ومن المهم القول إن الفضاء الرقمي النسائي، يحمل قدرة إفصاحية ضد كل ما هو مضاد للمرأة، وإن دل على شيء، فعلى الفعل السياسي أولاً. لا يحق للأنثى العربية (من دون تعميم) اختراق الفضاءات العامة، وإذا فعلت يُقال إنها وقحة أو فاجرة، وربما عاهرة، فتُحارَب بالجسد نفسه، ولعل ظاهرة الاغتصاب والتحرش الجنسي بالنساء المصريات إبان «ثورة 25 يناير» وبعدها، تفصح عن الأدوات الذكورية/ القمعية المستخدمة من السلطة/ الأبوية التي تعتبر نفسها وصية على كل الهرم الاجتماعي. لكن للفضاء الرقمي لغته أيضاً، فقد انطلق موقع مصري ضد التحرش بالنساء ولم يقتصر دوره على رفض هذه الظاهرة القديمة الجديدة، فقدم الحماية للناشطات في الميادين والساحات.
وكلما اشتد الاهتياج السلفي المتزايد في دول الربيع العربي، عبر الفتوى العابرة لأجساد النساء حيناً وممارسة الإقصاء الديني حيناً آخر، تفاعلت الصفحات الافتراضية النسائية كمّاً ونوعاً. على سبيل المثال، توضع بعض الفتاوى على أحد المواقع، ويُعلَّق عليها بأسلوب ساخر ومستنكر. لا يقتصر نشاط الفضاء الرقمي النسائي على مقارعة بعض رجال الدين الذكوريين، ثمة عناية بمسائل أخرى تشغل في الغالب الرأي العام كالاغتصاب وختان الإناث (رسوم المصرية دعاء العدل على الفايسبوك تتمحور حول قضية ختان الإناث المنتشرة في الريف المصري وبعض الدول العربية) وتراجع التمثيل السياسي للمرأة في حكومات الإسلاميين، وما إلى ذلك من موضوعات حظيت بحضور لافت.
مقابل الإضاءة على العنف الذكوري في المجتمعات العربية، تضيء الصفحات الإلكترونية النسائية على الإنجازات التي حققتها النساء العربيات في المجالات كافة (الميديا الاقتصاد التنمية العلم). وتحاول المنتسبات إلى الفضاء الرقمي إجراء المقارنات بين أحوال المرأة الغربية ونظيرتها العربية، وهنا يبدأ تسجيل المقارنات، وقد احتل موقع «سافرات عربيات» وموقع «أنا امرأة ولست عورة» الصدارة، فتوضع صورة امرأة منقبة مقابل امرأة غربية لها موقعها في المجالين العلمي أو المهني. بعض الرسائل المنشورة على هذه المواقع لها طابع مطلبي، كالتعسّف في فرض الحجاب أو النقاب على المرأة، ورفض إختزال النساء بأجسدهن وشن حملات رقمية على الاعتداءات الجنسية، والمناداة بوضع تشريعات مدنية في قانون الأحوال الشخصية تؤدي الى تكريس المساواة وتمنع التمييز على أساس النوع.
لا ينأى الجسد الأنثوي نفسه عن لعبة اكتساب الحقوق، فتنشر بعض الصفحات صوراً لنساء شبه عاريات، وهذه الصور عموماً رسومات خيالية تحمل إلى حد ما الأنماط الإسقاطية تجاه المرأة، ولا سيما ما يتعلق بالبعد الجنسي/ الأنثوي الشيطاني في اللاوعي الذكوري، الطبيعي ربما في القدرة التفاعلية. هنا يدخل التعري في معركة الفضاء الرقمي الجندري الذي دشنته علياء المهدي التي شُنّت عليها حرب ذكورية عربية، فلم تنجُ حتى ممن يدعون أنهم مع حرية المرأة. ما أقدمت عليه المدونة المصرية بصرف النظر عن رفضه أو تأييده هو في الأساس فعل طفولي اعتراضي/ سياسي، فمتى تصالحت المجتمعات العربية مع أجساد النساء اللاتي يخترقن منذ عقود الفضاء العام، يعود العري إلى مجاله الخاص من دون أن ننفي أنه شكل ويشكل دائماً آلية من آليات الرفض الأنثوي الذي خبرته الدول الأوروبية أيضاً، وكانت آخر مشاهده قيام ناشطات نسويات أوروبيات بالرقص عاريات أمام كاتدرائية Notre Dame de Paris احتفاءً باستقالة البابا بنيدكتوس السادس عشر من منصبه.
يذكر أنّ شركة «كومسكور» الأميركية المتخصصة في أبحاث السوق، أعدت تقريراً بعنوان «المرأة على الإنترنت: كيف تشكل النساء الشبكة» خلصت فيه إلى أن النساء محور أساسي في الثورة الرقمية، وأكثر انخراطاً من نظرائهن الرجال، ووجدت أنه فيما تشكّل الإناث أقل من نصف عدد السكان العالمي على الشبكة العنكبوتية (46 في المئة)، غير أن سلوكهن الرقمي متميز عن الرجال بشكل كبير.
يحمل الفضاء الرقمي في العالم العربي صوت المعارضة النسائية. نتائج الربيع العربي لم تفلح في إرضاء النساء. تراجع دورهن في مواقع القرار، وهنّ محاصرات بهجوم سلفي/ ذكوري غير مسبوق يريد إعادتهن إلى المنزل. لا تقل خطورة الاسلام السياسي الذي يدعي الاعتدال عن مخاطر السلفيين، وإن حاول تهذيب خطابه تجاه المرأة والادعاء أنه مع حقوقها كمواطنة. فهل يُقرّ الإخوان المسلمون في مصر بأحقية المرأة في رئاسة الدولة.
أدوار النساء العربيات تبدلت قبل الربيع العربي وبعده. لم تكن النساء المسلمات والعربيات يوماً خارج النشاط المجالي، والتاريخ يشهد على ذلك. هنّ اليوم حاضرات بقوة وإن لم يسجلن أرقاماً مشجعة في المجالين الاقتصادي والسياسي، لكن المنظومة البطركية غير قادرة على هضم تغير أحوال المرأة العربية، وهي مدفوعة بشكل دوري لاتخاذ ردود أفعال عنفية، يمكن مقارنتها بالصدمة النفسية التي يتعرض لها الإنسان فتترك آثاراً جرحية عميقة في اللاوعي، ما يفرض معالجات عيادية تسمح بتجاوز مؤثرات ما بعد الصدمة.
تخوض الناشطات العربيات ثورة متعددة الجوانب، بدأت بالميادين ولن تنتهي بالفضاء الرقمي. ومن دون الدخول في منطق المبالغة بفاعلية الصفحات النسائية، ومدى قدرتها على مواكبة حقوق المرأة، وكسر الحواجز بين الجنسين، من الأهمية بمكان القول إنّ الثورة الحقيقية إنما هي ثورة الوعي الذاتي، فكيف يمكن تخطي حال الاستلاب العقائدي؟ ونتساءل مع الباحث اللبناني مصطفى حجازي، لماذا تتقبل كثيرات من النسوة وضعية القهر، ويقتنعن بدونيتهن تجاه الرجل، ويعتقدن جازمات بتفوقه، وتالياً سيطرته عليهن؟

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]