نحو ترسيخ الحركة النسويّة



مزيداً من التضامن والنقد والعمل اليومي الشاق

وردة هي شهيدة النضال العمالي اللبناني، وسقطت في مواجهة قطاع صناعة التبغ عام 1946. في مناسبة يوم المرأة العالمي، بحثنا عن كل شيء يتعلق بالناشطات العربيات في القرن العشرين: من ظروف المرأة في السجون، إلى السياسة والحقوق الجنسية

ديما قائد بيه *
بالنسبة إليّ، يحلّ يوم المرأة العالمي ليدلّ على أهمية المجتمعات النسوية. لكنني لطالما أحببت في يوم المرأة العالمي الفرصة التي يقدمها لتثقيف هذه المجتمعات. المرة الأولى التي قرأت فيها عن وردة بطرس إبراهيم كانت أثناء إعدادنا لنشاطات يوم المرأة العالمي. وردة هي شهيدة النضال العمالي اللبناني، وسقطت في مواجهة قطاع صناعة التبغ عام 1946. في مناسبة يوم المرأة العالمي، بحثنا عن كل شيء يتعلق بالناشطات العربيات في القرن العشرين: من ظروف المرأة في السجون، إلى السياسة والحقوق الجنسية.

أرجو أن نتمكن في المستقبل من إدراج هذه النظريات والمعلومات النسوية في الكتب المدرسية وفي مؤلفاتنا القصصية الخاصة.
قد يبدو هذا التوق إلى المعرفة بمثابة ترف في زمن الحروب. عندما تشن الحرب على المرأة، وعلى الثورات وحتى على الطبيعة، كيف يمكننا التوجه إلى المكتبة بدلاً من الشارع؟ بيد أنني أؤمن بمسؤولية اكتساب المزيد من المعرفة، لا من الكتب فحسب، بل مما خُطّ بين تجاعيد النساء وندوبهنّ في حياتنا. الشوارع والمنازل، واليوميات والمكتبات، جميعها تحمل معلومات غنية. كلما سمعت قصصاً من مختلف النساء، ازددت رغبة في معرفة المزيد. إن مشاركة النساء في الثورات الحالية في شمال أفريقيا وغرب آسيا، يدفعني إلى التنقيب عن تاريخ مساهماتهن في نضالات التحرير المناهضة للاستعمار. كذلك تدفعني معيشة العاملات الأجنبيات في ظل العنصرية والتمييز الجنسي إلى التساؤل بشأن حياتهن التي توجب عليهن تركها خلفهن في بلادهن.
على سبيل المثال، حثتني القراءة عن العاملات السريلانكيات في الخدمة المنزلية في لبنان على إجراء بحث عن الحركة النسوية السريلانكية. فأن تكون نسوياً مناهضاً للعنصرية معناه أن تثقف نفسك بشأن المجتمعات المقموعة. بعض المعلومات التي اكتسبتها من بحثي عن النسوية السريلانكية، مثلاً، أنه: في الستينيات والسبعينيات، ازدهرت الحركة النسائية السريلانكية تحت شعار «الشخصي هو السياسي»، وعملت على قضايا الجنس، والعدالة الإنجابية، والتحالفات الطبقية، والرغبة في إعادة كتابة التاريخ من وجهات نظر نسائية. تعرفت إلى أول مجلة نسوية سريلانكية صدرت في الثمانينيات وتدعى «صوت النسوة»، وقد تأسست على أيدي نساء اشتراكيات من مختلف الأعراق. كذلك تعرفت إلى منشور آخر صدر في الثمانينيات من قبل نساء عاملات وحلفائهن الناشطات واسمه «دابندو» (قطرات من العرق)، ويتضمن قصصاً وشعراً ومقالات سياسية تتعلق بحياة النساء العاملات؛ كانت تصدر هذه المنشورات خلال حقبة الصراع العسكري والرقابة وقوانين العمل المتقهقرة، برعاية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وقرأت أيضاً عن مجموعات مثليات الجنس، والنساء الثنائيات الجنس والمتحولين جنسياً في كولومبو وعن الأعمال التي قاموا بها.
اكتشفت أيضاً، أنه رغم دخول المرأة السريلانكية الميدان السياسي بسبب موت أو هزيمة أحد أقاربها الذكور، فإن حضور النساء في المجال السياسي في سريلانكا بارزٌ أكثر من لبنان. عام 1960، أصبحت سيريمافو باندرنايك أول امرأة تتسلم منصب رئاسة الحكومة. لا يعدّ ذلك بالضرورة إنجازاً نسوياً، لكنه حدث جدير بالمعرفة. في عام 1996، «ستراون»، وهي مجموعة تقودها النساء، انتقلت من كونها منظمة اجتماعية تنشط بين العمال الزراعيين في الريف إلى حزب سياسي مستقل في مقاطعة نوراة إليا. لم يفز الحزب بسبب الاحتكار والتلاعب والترهيب الذي مارسته الأحزاب المهيمنة. في السنة التالية، ترشحت مجدداً ويمالي كارونارتني، رئيسة «ستراون» لمنصب رئاسة الحكومة، متحالفة مع أحد الأحزاب المهيمنة الذي كان قد هددها ومارس عليها ضغوطاً في السنة السابقة؛ لكنها لمرة أخرى، لم تُنتخب.
وهذا الحد الأقصى الذي بلغته الأمور. عادة، يكون التعرف إلى الحركات النسوية الأوروبية والأميركية/ البيضاء أسهل، ذلك لأن الأمركة والاستعمار سهّلا وصولها إلينا. لكن هذا يعني أنّ علينا بذل جهد أكبر لنشكل تحالفات مع الحركات النسوية في العالم الثالث التي تملك تجارباً شبيهة لتجاربنا. لأن النسوية تعني عملاً شاقاً.
ثمة دائماً الكثير لنتعلمه، ونُعلمه. لكن ما هي الطرق التي يجب أن نتبعها بحيث لا تتكرر هياكل السلطة نفسها؟ إن أردنا أن نعرف المزيد عن الحركات النسوية السريلانكية أو الفيليبينية أو الإثيوبية أو النيبالية، فما هي العواقب السياسية المترتبة جراء تدريس «مختص» لبناني لهذه المعلومات مقابل شخص من سريلانكا على دراية بتاريخه بشكل أعمق؟ ومن سيستفيد من هذه المعلومات؟ المجتمع المدني اللبناني، أم ربات المنازل أم العاملات السريلانكيات وغيرهن من العاملات ممن قد ينشئن أشكالاً هجينة جديدة من الحركة النسوية، وخليطاً من الدروس المسيسة من البلد الأم ولبنان؟ كيف سنشكل تحالفات مع عاملات أجنبيات خارج بيروت؟ كيف نستمر بتحدي أنفسنا لتخطي مشكلة الوصول هذه؟
خصخصة المعرفة والسلطة
النسوية تعني عملاً شاقاً. وواحد من أصعب الأمور التي ينبغي لنا دائماً فعلها هو التأمل في حياتنا وممارستنا الخاصة. لذا، سأقدم هذا النقد لمشاركتي في حركة نسوية شبابية (وأصر على تسميتها حركة)؛ لأن الإخفاقات الشخصية تسلط الضوء على المشاكل البنيوية. إن الأخطاء التي ارتكبتها، ولا أزال أرتكبها أحياناً، هي أنماط سلوك يصعب كسرها. إخفاقاتنا لا تعني أننا أشخاص سيئون، بل تظهر الجهد الذي نبذله لكسر عادات أجسادنا، وعقولنا وتفاعلنا مع بيئتنا وكل من حولنا. ولا يتعلق الأمر دائماً بالأيديولوجيات السياسية. في بعض الأحيان، ننسجم سياسياً، لكن انقساماتنا (الطبقية والمناطقية) حقيقية وتفرق بعضنا عن بعض.
تتعلق المسألة بديناميكيات السلطة. وهذا لا يعني فقط الزعماء المحتكرين للسطة؛ بل يعني أن الكثير منّا لا يطالبون ولا يسعون إلى الحصول على سلطتهم الخاصة، ولا يواجهون ولا يعبرون عن أنفسهم علانية. كان من السهل لي أن أكون ضعيفة، وأنتقد من خارج الدائرة، بدل أن أغير سلوكي أو أحاسب أحدهم. أحياناً أتساءل إن كنا نخشى، إن كنا في مواقع شبيهة في السلطة، أن نكرر الأخطاء التي ننتقدها.
من جهتي، كنت متواطئة في خصخصة المعرفة والسلطة حتى ضمن دوائر الناشطين. لدى المعرفة ـــ أو ما تعتبره المجموعات والحركات معرفة هامة وفعالة ـــ وسيلة للبقاء أحياناً ضمن دوائر صغيرة آمنة، أي بين أشخاص يتشابهون بالتفكير. لا يستفيد الجميع من المعرفة التي تُنتَج، ولا يتفاعل الجميع مع معالم الأمر الذي نبتكره.
بالطبع، التعميم قد لا يكون دائماً الحل المناسب، إذ نرى كيف يمكن تعميمَ الجندرة أن يجتث من تطرف النسوية ويبسّطها. أعلم أن التنظيم، مثل أي شيء آخر، بحاجة إلى الدخول في مراحل عدة؛ كما تقول سامية أبي سمرا، هذه المراحل تتمحور حول ما هو الأكثر فعالية في فترة معينة: الأفكار الجديدة قد تتطلب ولادة في بيئة آمنة قبل أن تصاغ بشكل جيد وكاف لمواجهة بقية العالم. ومع ذلك، «صودف» في هذه الدوائر الصغيرة، بصرف النظر عن نقدنا للهرمية، أن نمتلك نحن الحائزين شهادات أكاديمية عليا من جامعات اوروبية وأميركية الأصوات الأكثر فعالية. شهدت فقط الحب والاحترام من الحركة. لكن اعيد وأكرر، لم ازعج أحداً قطّ. يعود ذلك بنحو كبير الى شخصيتي. بيد أن شخصيتي ترتبط عميقاً بجنسي (كنساء، تربينا أن نكون لطيفات ومرحبات)، وبنشوئي في الطبقة الوسطى (حيث كان علي أن اتصرف «باحترام»)، وبتعليمي الجامعي، وباطلاعي على المعلومات والشبكات. ولأنني لم أعمل يومياً على كسر هذه الأعراف، فإنني قد أسهمت في ترسيخ النظرة السائدة عمّا يجب أن تكون عليه النسوية من ناحية المظهر والتصرف والسلوك، وفي المقابل ترسيخ النظرة الموحدة إلى ما لا يجب أن تكون عليه النسوية. اختبرت أفضل ما يمكن المجتمعات والحركات أن تقوم به. ملأوا حياتي بالحب، والإحساس بالغاية، والصداقات المذهلة. إنه أمر أتمناه للجميع، هذا التواصل والانتماء. لكنني اختبرت أيضاً عزل المجتمعات التقدمية للناس، ودفعهم خارجاً. أظن أننا سنكرر الأخطاء ذاتها، مرة تلو الأخرى، إذا لم نكن أكثر حباً وصراحة مع بعضنا (وأنفسنا أيضاً)؛ وإذا لم نتخذ كلاً من الدعم والمساءلة ليكونا العمل اليومي التأسيسي للحركة النسوية.
* ناشطة نسويّة، لبنان

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]