المكتبة الموسيقية

في الأعمال الغنائية كما في الأعمال الآلاتية، سعى المؤلف الألماني يوهان سيباستيان باخ إلى تمجيد الخالق. الفرح أو الحزن في هذه المقطوعة أو تلك لم يكُنا للتعبير إلا عن إيمانه الراسخ. نسمع اليوم مقطوعة حزينة، هادئة، تعكس تأملاً عميقاً في الكون والوجود ومبنية بشكلٍ يستحيل ردُّها إلى حالة حزن إنسانية خاصّة. مهما كانت معتقداتنا، يمكننا مقاربة هذه التحفة من الزاوية نفسها، تلك التي تربط الإنسان بشيءٍ ما. شيءٌ كبير، بعيد، يتطلّب منّا العودة إلى حجمنا أمام هذا الوجود العظيم... وأمام قدرة الموسيقى على محاكاة هذه العظمة.

كتب باخ ست سوناتات تجمع الكلافسان (هاربسيكورد) بالكمان، اخترنا منها الحركة الأولى من السوناتة الأولى. أما التسجيل الذي نسمعه فيحترم الشكل الأصلي للعمل، إذ لم تتم الاستعاضة عن الكلافسان بالبيانو كما هي الحال في بعض التسجيلات الأخرى لأعمال باخ التي تدخل فيها هذه الآلة القديمة.

الجمعة 18 تشرين الأول 2013
في السنوات الثلاث الأخيرة لم يكتب موزار أي سمفونية. ففي صيف 1788 ودّع هذه الفئة بإبداعه ثلاث سمفونيات دفعة واحدة (39، 40 و41)، أنهاها بسرعة قياسية. السرعة عند موزار لا تأتي على حساب النوعية، فهذه الأعمال، وبالأخص الرقم 40، تتربّع اليوم على عرش فئة المقطوعات الأوركسترالية. اخترنا اليوم الحركة الرابعة والأخيرة من هذه السمفونية، علماً أن حركتها الأولى تُعَد من أشهر وأعذب الألحان التي صنعها البشر في هذا الوجود.
الجمعة 11 تشرين الأول 2013

في الحلقة الثالثة اخترنا عملاً نادراً ومغموراً جداً للمؤلف الألماني بيتهوفن. اليوم لا نذهب إلى نقيض الخيار السابق (أي إلى الأعمال الفائقة الشهرة كالسمفونية الخامسة)، بل إلى الحل الوسط، فنسمع الحركة الثالثة من الكونشرتو الثالث للبيانو والأوركسترا. العمل معروف نسبياً وله تسجيلات كثيرة. بدأ بيتهوفن بكتباته عام 1796 وأنهاه عام 1800 (أو 1802) ثم أداه لأول مرة عام 1803 (تولى بنفسه العزف على البيانو)، حيث كان قد فقد جزءاً من سمعه. ترك بيتهوفن خمسة كونشرتوهات للبيانو، الأول والثاني ينتميان إلى فترة تأثّره بموزار، وفي الرابع والأخير بات له شخصية خاصة، إذ تطور أسلوبه لدرجة التمايز التام عن الكلاسيكيين. أما الثالث فينتمي إلى الفترة الوسطى من مسيرة بيتهوفن، لذا، موسيقياً، يمكن اعتبار أسلوب التأليف فيه الجسر الفاصل بين الحقبتيْن الكلاسيكية والرومنطيقية، لكنه مع ذلك يحيلنا إلى أكثر من عملٍ من الفئة نفسها لموزار (يمكنكم مقارنة حركته الأولى بالحركة الأولى من الكونشرتو رقم 24 وكذلك الرقم 20 للمؤلف النمساوي)!

الثلاثاء 08 تشرين الأول 2013

قبل ثلاث سنوات، رحلت آبي لينكولن (1930 – 2010) تاركةً عشرات الروائع بصوتها الجميل، بعضها يحمل توقيعها نصاً و/أو موسيقى وأخرى كُتِبَت لها والباقي كلاسيكيات من ريبرتوار الجاز والبلوز. يومها ودّعناها من خلال مقالة نشرت في صفحاتنا الثقافية تحت عنوان «آبي لينكولن... رَمَت الحياة بعيداً»، في إشارةٍ إلى إحدى أشهر أغانيها «Throw It Away»، من ألبوم «Turtle's Dream». في تسجيلاتها الأخيرة نسمع صوت لينكولن الناضج، كما في الألبوم المذكور وما تلاه مثلاً.

الجمعة 04 تشرين الأول 2013

يمعن موسيقيّو الجاز هذه الأيام في التجريب والحداثة والمزج والمبالغة في تفسير كلمة "حرية" التي تشكّل إحد مكوّنات هذه الموسيقى. في المقابل ثمة من يفضّل الكلاسيكية، كتحدٍ موسيقي وجمالي لا كعجز عن "مواكبة" العصر. عازف الترومبيت والمؤلف الأميركي وينتون مرساليس (1961) هو واحدٌ من الذين يعتبرون أن آخر وأهم مدرسة في الجاز هي البي-بوب (Be-Bop).

الثلاثاء 01 تشرين الأول 2013

هذه المقطوعة هي واحدة من كلاسيكيات الجاز ومن أجمل ما تركه لنا تشارلي باركر (1920 – 1955) الملقَّب بـ"Bird". في الواقع يصعب معرفة كم مرّة سُجِّل هذا العمل. باركر سجّله وكثيرون غيره من بعده أيضاً. اخترنا اليوم أداءً مذهلاً لهذه التحفة، أنجزه عازف الألتو ساكس سوني ستيت عام 1963 وصدر في ألبوم مخصَّص لمؤلفات باركر بعنوان "Stitt Plays Bird".

السبت 28 أيلول 2013

سنبتعد اليوم، كما في الحلقة السابقة وكذلك في الحلقات الثلاث المقبلة، عن الموسيقى الكلاسيكية. ما نقترحه اليوم يمكن كتابة صفحات لشرحه، لكن ثمة معلومات لا يمكن تجاوزها مهما اختصرنا.

أولاً، نقرأ على أسطوانات الجاز عموماً اسم مقطوعة موسيقية لا غناء فيها، لكن مكتوبٌ تحتها اسما مؤلف وكاتب، والسبب أن أكثر ما غذّى ريبرتوار الجاز هو الأغنيات الشعبية الآتية من المسرح الغنائي الأميركي في النصف الأول من القرن الماضي. ينطبق هذا المنطق على ما نسمعه في حلقة اليوم.

الثلاثاء 24 أيلول 2013

يُعتَبَر "بورسالينو" من أهم الأفلام البوليسية في تاريخ السينما. هذا العمل من إخراج جاك دوراي وبطولة العملاقيْن آلان دولون وجان-بول بلموندو. لكن شهرة الفيلم اعتمدت بشكل أساسي على الموسيقى التي وضعها خصّيصاً المؤلف الفرنسي كلود بولينغ، إذ باتت من الكلاسيكيات "التي يمكن أن نصادف فرقة موسيقية أو عازف بيانو يؤديها في أي مكان من العالم" كما يقول آلان دولون. هذه الموسيقى استخدمها زياد الرحباني في برنامجه الإذاعي "بعدنا طيبين... قول الله" عام 1976 وأدّاها في أمسياته الموسيقية أكثر من مرّة.

الجمعة 20 أيلول 2013

في البدء كان باخ... لذا لم نتردّد في حجز الحلقة الأولى له. بعده جاء موزار وبيتهوفن حكماً. لكن، ما إن انتهينا من ثالوث الموسيقى الأقدس حتى بدأنا نواجه السؤال المتعب: ماذا بعد؟ ليس هذا بالأمر السهل، فعلاً، خاصةً عندما ترقى الرغبة في تقديم الموسيقى إلى مستوياتٍ سريالية، أي عندما نحلم بأن نُسمِع الناس، كل الناس، كل الموسيقى! لهذا السبب يلجأ المرء أحياناً إلى الحُجّة، وحُجّتنا اليوم هي رقم الحلقة “7”.

الثلاثاء 17 أيلول 2013

عام 1958 كانت مغنية البلوز والجاز بيلي هوليداي (أو Lady Day كما لقّبها عازف الساكسوفون لستر يونغ) في الـ43 من عمرها. كانت المواد التي تحمل اللون النقيض للون بشرتها قد محَت نعومة صوتها لكنها لم تستطع المسّ بعذوبته وجماله وقدراته الخارقة وإحساس بيلي الذي يذوِّب الفلاذ. في تلك السنة سجّلت بيلي بين 18 و20 شباط/فبراير ألبومها التاريخي Lady in Satin (مع راي إيليس والأوركسترا الخاصة به)، قبل أن ترحل في 17 تموز/يوليو من السنة التالية للأسباب المذكورة تلميحاً أعلاه. من هذا الألبوم نسمع هذه الأغنية.
لا يصف كلامٌ بيلي هوليداي. وحدها الدموع تصفها.

السبت 14 أيلول 2013

نسمع اليوم عملاً لدومينيكو سكارلاتي. هو مؤلف إيطالي (والده أليساندرو سكارلاتي، مؤلف من حقبة ما قبل الباروك)، تنقّل بين عدة بلدان أوروبية وعاش آخر سنين حياته (نحو عقديْن ونصف) في العاصمة الأسبانية مدريد، حيث كتب أكبر عدد سوناتات للكلافسان في تاريخ الموسيقى. الرقم سهل الحفظ، 555 سوناتة، تتمتع بثلاث ميِّزات أساسية:

الأربعاء 11 أيلول 2013

بعد البداية مع الثلاثي باخ/موزار/بيتهوفن، لا بدّ من لفتةٍ إلى عملاق في تاريخ الموسيقي. إنه المؤلف النمساوي هايدن، أستاذ موزار وبيتهوفن وأب الحقبة الكلاسيكية (النصف الثاني من القرن الثامن عشر). إنه مؤلف غزير فوق العادة، ترك مئات الأعمال بكل الفئات الموسيقية، من بينها مجموعة كبيرة من ثلاثيات البيانو (أيّ بيانو وكمان وتشيلّو) اخترنا منها الثلاثي الأشهر (رقم 39) في هذه الفئة، وتحديداً الحركة الثالثة التي اكتسب العمل شعبيّته بفضلها. والسبب هو الألحان التي تقوم عليها هذه المقطوعة، فهي مستوحاة من التراث المجري أو الهنغاري، وهذا ما يشير إليه هايدن بوضوح في تسمية الحركة الثالثة من هذا الثلاثي: "على الطريقة الهنغارية".

السبت 07 أيلول 2013

يُعتبر هذا العمل من أندَر ما كتب المؤلف الألماني بيتهوفن. فعلى الرغم من جمالها وسهولة تقبّلها، لم تنتشر هذه التحفة على نحوٍ واسع، كما لم تُسجَّل إلا نادراً. هذا واحد من التسجيلات القليلة لهذا الرباعي، ونسمع منه الحركة الثانية علماً أنه من ثلاث حركات. نشير أخيراً إلى أن بيتهوفن كتب أربع مؤلفات في هذه الفئة (رباعي البيانو)، تعود كلها إلى الفترة الأولى من مسيرته، حيث كان أسلوبه لا يزال متأثراً بالحقبة الكلاسيكية (موزار وهايدن تحديداً).

الثلاثاء 03 أيلول 2013

لفئة كونشرتو البيانو والأوركسترا ملكٌ واحدٌ. إنه موزار، المؤلف النمساوي الذي لا ينافسه أحدٌ على هذا اللقب، لا كماً ولا نوعاً. نقترح عليكم الكونشرتو رقم 18، وتحديداً الحركة الثانية لسببٍ مقصود هو دحْض "اتهام" موزار – من قِبَل المُكْتفين بالاستماع إلى عمليْن أو ثلاثة له – بأنه مؤلف فرحٌ وخفيف. هذه المقطوعة تنقض إذاً هذا الرأي المتسرِّع، وهي ليست استثناءً في ريبرتوار موزار. لا أحد ضدّ الفرح، لكننا بالتأكيد ضدّ التضليل والتعميم.

السبت 31 آب 2013

يعاني البلد تراجعاً حاداً في ذائقته وثقافته الموسيقيتَيْن وذلك لأسباب نرى أن لا علاقة للناس بها. المسؤولية تقع على الجهات التربوية وعلى وسائل الإعلام كافة بدرجة أساسية. وعندما نقول وسائل إعلام نعي تماماً أنها تتحرَّك بعلمها أو بدونه بواسطة أدمغة «شريرة» تعمل بتخطيط وثبات على تدمير الأخلاق في الوطن العربي عموماً، بغية تسهيل السيطرة عليه وتوجيه انتمائه بما يتناسب ومصالحها السياسية/ الاقتصادية.
قبل الـ«يوتيوب» وغيره من المواقع التي توفِّر الموسيقى مجاناً، كانت الموسيقى مكلِفة ونادرة (في لبنان بشكل خاص). وبالتالي كان الراديو أفضل وسيلة لنشر الموسيقى، لكنه لم يفعل. فبعد الحرب توافرت الأسطوانات، لكن سعر الواحدة منها كان يوازي مصروف أسبوع كامل لعائلة فقيرة. أما الإذاعات فاتجهت نحو الترفيه التافه للتماشي مع الإعمار والسّلم، وكانت ترى أن الناس بعد الحرب بحاجة الى الرقص (وهذا مِن حقها) ... لكن الرقص بدا «ربّيحاً» فلم تغيِّر سياستها حتى اليوم! اليوم الموسيقى متوفرة، إما على الإنترنت وإما من خلال النسْخ الذي وفّره أيضاً، وقبل الإنترنت بقليل، الكومبيوتر.

العدد ٢٠٨٩
الثلاثاء 27 آب 2013