الملحق الاسبوعي: كلمات

في روايتهِ «المؤتمر الأدبي» التي صدرت عام 1997 (انتقلت أخيراً إلى العربية عن «دار مسكلياني»)، يخبرنا سيزار آيرا عن تجربة مجنونة لعالم وراثة. تمثل هذه التجربة قيم العالم الحديث، وتصير بالتالي، تجريباً في السرد، وسعياً لابتكار مفاهيم تحاكي القيم المتغيرة وتؤسس لها.
ينحت آيرا مصطلح «علم الوراثة الأدبي» مُحيداً فكرة التناص. إذ إنّ كلّ نص هو جزء من مخيال أدبي يتخذ الماضي باعتبارهِ مفهوماً عقلياً معياراً لجدارة النص. تبدأ الرواية التي نقلها إلى العربية عبد الكريم بدرخان كأول عمل مترجم، بالحديث عن خط ماكوتو في فنزويلا، وهو لغز أعده قرصان مجهول. الخط عبارة عن حبل مصنوع من مواد طبيعية وممتد بين الجبل والبحر. يخفي الحبل كنزاً وفق حيلة عجزت الأجهزة الحديثة عن حلّها. سيزار، الشخصية الرئيسية في الرواية ينجح في تفكيك عالم القراصنة الخرافي عبر مصادفة مفادها وجوده في فندق بالقرب من الخط وخروجه في حالة من الفراغ متأملاً الأولاد وهم يغوصون في البحر متجنبين الصخور. فعل معتاد يجده سيزار فعلاً أسطورياً. في هذا الجو الهادئ والعارم بوحدة الرجل، يتوجه إلى الحبل ويُقلّب عقده المتراكمة، ليطلق القوس المشدود منذ قرون سهمهُ إلى الشاطئ.

كلمات | العدد ٣٢٨١

صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر


(مريم بودربالة ــ تونس)

أحكمتْ تثبيتَ خمارِها تحت سترتِها. تأمّلتْ شكلَها أمام المرآةِ المرقّشةِ. لا شيءَ تغيّرَ. لا شيءَ يتغيّرُ. سمرةُ الوجهِ لم تملْ بعدُ إلى البياضِ. والوجنتان لا تزالان غائرتين داخل فمها. حاولت أن تأكلَ أكثرَ. ظهرَ ذلك على خصرها فخافت أن تخسرَ آخر ما بقيَ من الأسلحة. عادت إلى زهدها في الأكل وعادت إلى إظهار نحافة جسمها. مطّت شفتيها مراراً لعلّها تستخرجُ منهما بعضَ البريقِ. مزيداً من أحمر الشفاهِ. هذا أفضل. كلّفَ القلمُ ثروةً صغيرةً، لكنّه يستحقّ، يثبتُ ذلك في كلِّ مرّة. بعضُ الألوان على الوجنتين. تقول المُزيّنةُ، يجب أن تتناسق الألوانُ مع الأثوابِ. هذا يجعل المهمّةَ أكثر تعقيداً. لون البشرةِ، لون الأثواب، ألوان الزينة، ألوان الرجال... حُقّةُ هذا البُنّيِّ تكادُ تنتهي. ضمور الوجنتين يكادُ يختفي. ستوصي نزيهة بجلبِ المزيدِ منهُ من تركيا. الحاجبان! لا بدَّ من إبراز الحاجبين!
«أُذِّن وإلا ما زال؟»
شعرتْ بتوتّر حينما سمعت العبارة. تفضِّلُ دائماً أن تخرُجَ دون أن يشعرَ بها أحدٌ. ليس بها رغبة للتواصل داخل هذه الجدران. فضّلت أن لا تجيبَ. عاودت التطلُّعَ إلى المرآةِ من مسافةٍ أبعدَ. لا بأسَ. يومٌ جديدٌ. محاولةٌ جديدةٌ. اِختارت الألوان بعناية هذه المرةَ. راقبته طويلاً. عرفتْ إلى أيّ الألوان يميلُ.

كلمات | العدد ٣٢٨١

«ممرضة عاطفية» للبناني رؤوف رفاعي (أكريليك على كانفاس ــ 150× 250 سنتم ــ 2011)

تذكَّرْ واحفظْ لي ذلك، يا رجوانُ. يا رجوانُ الفاشلُ قاتلاً. يا رجوانُ الشجرةُ العمياءُ في السماء. يا رجوانُ... القتيل. لا ينتهي أسبوع الآلام. الصمت أعظم الآلهة. ملاذٌ دائمُ الحضور والصفاء. يرى ويسمع ويتكلّم. لا يسمعه أحد. لا يعبده أحد. لا ملاذَ سواه.
الخامسة بعد الظهر. نازِك، مساء الخير. النهار جثَّة طائر رماديّ لم تبرد بعد. برنامج اليوم جالس في الغرفة معي. لم أنفِّذ منه شيئاً. مركبي انقلب في الصباح قريباً من الشاطئ. لا أحاول إنقاذه. أتفّرج عليه. أفكِّر أحياناً لماذا أستسلم للخراب.

كلمات | العدد ٣٢٨١

المسالك النّحيلة
المسارب
الطُّرُق الحديثة الأقدام
الطُّرُق الجديدة،
الضيقة
الصوت الآمر بالتّقدّم
تردّد الأقدام
دقّات القلب المسموعة
تسارع الأنفاس
صياح العائدين أن لا أحد غيرهم

كلمات | العدد ٣٢٨١

«في الثانية والنصف من صباح يوم الجمعة، 5 أكتوبر 1973، رن الهاتف في منزل رئيس الموساد تسفي زامير، كان رئيس مكتبه، فريدي عيني، على الخط يحمل رسالة عاجلة: لقد اتصل الملاك، وكان يتكلم عن الحرب».
لم يحصل أشرف مروان على الاسم الحركي «الملاك» مباشرة، وفق كتاب الإسرائيلي يوري بار جوزيف «الملاك. الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل» (2016). كانت الأسماء الحركية التي يطلقها الموساد تؤخذ من لوائح معدة مسبقاً وتُعطى عشوائياً. وقد أعطيت لأشرف مروان أسماء عدة في البداية كان منها «باكتي» و«أتموس». لكن الاسم استقر في النهاية عند «الملاك»، باقتراح من ضابط كان مولعاً بمسلسل «القديس» لروجر مور، والذي تم بيعه لإسرائيل تحت اسم «حملاخ» (الملاك) بسبب الوقع المسيحي للاسم الأصلي. بعد سنوات، وبانتهاء حرب أكتوبر، ظهر جلياً كم كان الاسم الحركي ملائماً. يقول بار جوزيف في كتابه الذي صدرت طبعته العربية (ترجمة فادي داود) حديثاً عن «الدار العربية للعلوم في بيروت» ومكتبة «تنمية» في مصر.

كلمات | العدد ٣٢٨١

ما كان لنا في الطفولة لا يُنسى، سلباً كان أم إيجاباً، بل إنّ الحياة التالية تبنى على قاعدته بفضل أبوين نجحا في تهيئة المناخ لطفلهما. من هنا يمكن الوقوف على الحالة التي وجد الصبيُّ بيرنار نفسه فيها، بأوامر من والديه. وجد مُحاصراً بجدران أربعة لأيّام طويلة، في قلب الحرب العالمية الثانية. لا يقدر على وضع قدمه خارج البيت. بقي مسجوناً، ومحمياً من كل الذي يحصل في الفضاء الخارجي حيث النيران واحتمالات الموت كثيرة. خلال تلك الظروف، كان عليه أن يجد وسيلة لقتل الوقت بأي شكل ولو عبر تمرير العينين على صفحات معجم لغوي ضخم هو «اللاروس الصغير».
من مفردة إلى مفردة ومن صفحة إلى أخرى، تعلّق الصبي بالكلمات لتصبح قوت نهاره وليله إلى أن حفظ المعجم. لقد حفظه فعلاً. بالمعنى الحرفي للكلمة.
بعد كل العُمر الماضي، ما زال بيرنار بيفو يُمسك قلماً حين يقرأ ليضع خطوطاً على بعض السطور، «حتى يترك المرء آثاره على الكتب التي مرّ عليها» ويعيد مراجعة «المفردات الغريبة» كما يفعل حديثو العهد بالقراءة.

كلمات | العدد ٣٢٨١

تشتغل الأفغانية شابنام زرياب في منطقة سردية موازية لما أنجزه مواطناها عتيق رحيمي (أرض الرماد)، وخالد حسيني (عدّاء الطائرة الورقية)، في رسم خرائط بلادهم التي مزّقتها مطحنة الحروب المتتالية. لكنها تضيّق فتحة العدسة نحو طفولة مضطربة واكبت خلالها الحقبة الشيوعية التي فرضها الغزو السوفياتي على البلاد طوال فترة الثمانينات من القرن المنصرم. في روايتها «عازف البيانو الأفغاني» (دار دال- دمشق، ترجمة راغدة خوري)، ترصد شابنام سيرة طفلة تدعى ليلى وجدت نفسها في خضم طبقات من العنف لم تجد تفسيراً لها: لماذا يكره أبوها هؤلاء الجنود السوفيات اللطيفين، على عكس والد رفيقها «ميلاد» في المدرسة ؟ كان ميلاد قد أنقذها من شظايا قذيفة سقطت في باحة المدرسة، عندما ألقى بجسده فوقها بقصد حمايتها، لينتهي بندبة ستكون علامة فارقة فوق حاجبه الأيمن، وستتعلق الطفلة برفيقها معتبرة إياه حبّها الأبدي.
هكذا تتفتح البراءة على أسئلة صعبة لا تشبه الحياة في أفلام الكرتون التي كانت تتابعها الطفلة بشغف.

كلمات | العدد ٣٢٨١

فاروق يوسف

أطلقت «منشورات المتوسط» أخيراً، سلسلة «يوميات عربية»، بهدف رسم صورة بانورامية عن الحياة المعاصرة للكتاب العرب ويومياتهم.
كتاب «رسوم نهارية ومسافر نائم» لفاروق يوسف هو أحد أول المؤلفات التي صدرت ضمن السلسلة. يتنقل الكاتب العراقي في كتابه بين مدن عديدة؛ سامراء ودمشق وبغداد ومسقط والدوحة وصولاً إلى هلسنكي. بموازاة التنقلات المكانية يقدّم يوسف تجاربه الذاتية المتنوعة المرتبطة بالزمان والمكان.

كلمات | العدد ٣٢٨١

الزهور الثلاث فوق القبر وزجاجة الكونياك

في بالتيمور، خلف كنيسة وستمينستر، ينتصب قبر ادغار آلان بو. أقل من قرن بعد موته عام ١٨٤٩، في ليلة شديدة البرد من يناير. قامة غير واضحة المعالم لشخص يدخل المقبرة، يضع زهوراً ثلاثاً فوق القبر وزجاجة من الكونياك، ثم يختفي في الفجر الجليدي. طقس سيستمر دون توقف لمدة سبعين عاماً. من هو هذا الشخص الغامض الذي شرب حتى الثمالة نخب مؤلف Histoires Extraordinaires التي عرفها العالم بترجمة مذهلة من شارل بودلير، والتي نجدها مع «الف ليلة وليلة» وأعمال ديكنز وهانز كريستيان أندرسن في جلّ مكتبات العالم. كاتب من طينة آلان بو، بأعماله الجامحة مثل «القط الأسود» وقصيدة «الغراب» (The Raven) التي اعتبرت ضمن نفائس الأدب الانكليزي والعالمي، سيظل يثير أكثر من زوبعة مرتبطة بحياته وبموته على قدر سواء: حياته التي ابتدأت في بوسطن عام ١٨٠٩ وانتهت في بالتيمور عام ١٨٤٩. اربعون عاماً ابتدأت بيتم مبكر وطفولة بائسة، ومشاجرات مع الأهل بالتبني حول المال وكلفة التعليم، الى الانتساب للكلية الحربية والسفر مثل الشاعر الانكليزي اللورد بايرون الى اليونان عام ١٨٢٧ للقتال الى جانب جيشها ضد الاتراك، ثم الفشل في كلية «وست بوينت» الحربية والتفرغ للرواية والأدب.

كلمات | العدد ٣٢٨١