الملحق الاسبوعي: كلمات

ترجمة: جولان حاجي

نهر ميت يتدفق
تحت الجسور الحيّة.
والصيادون يبكون.
■ ■ ■
وجوه ميتة تراقبني-
أناس أخطأتُ في حقهم وأحببتُهم.

كلمات | العدد ٣١٦٩

«الفستان الأسود» لأليكس كاتز (1960)

1

 هذا الليل ليس ماكينة أحلام كبيرة تطيِّر العقل.
 فقط لو أن له أذنين ليسمع كائناته، هذه العربة الحمراء الطائشة تحت شِباكي، أزيز الرياح الباردة التي تحرك الستائر ودرفة الشيش، هذا الصوت الموحِش للأشياء، يجلها في مرتبة واحدة معي.

كلمات | العدد ٣١٦٩

منذ عام 1980، حدث تحول في فرنسا: لم يعد فهم الإسلام هو المهم فحسب، بل فهم الإسلام السياسي أيضاً. لقد فضّل الجيل الجديد من الباحثين أمثال أوليفييه روا، فرهاد خسروخافار، فرنسوا بورغا، اعتماد مقاربة مختلفة لا تركز في الجدليات الدينية الإسلامية الكبيرة التي تعود بتفسيراتها إلى الماضي. لقد انتهجوا مقاربة لا يفسّرون بها الثورة الإيرانية عام 1979 بالعودة إلى الانشقاقات الحاصلة في صدر الإسلام التي أدّت إلى انقسام شيعيّ اثني عشري- سنيّ. مقاربةٌ لا يستخرجون فيها من السور القرآنية، ما يدلّهم على التطرّف الجهادي. يريدون فعليّاً فهم تلك الحركات السياسيّة التي تطالب بالعودة إلى القرون الأولى من النبوة الإسلامية، لكنّها في الوقت نفسه منخرطة اجتماعياً في الحداثة إلى حدٍّ معيّن: فالنشطاء الإسلاميون هم فعلياً نتاج التمدّن والتعليم الشامل، لا يصنّفون على أنّهم رجال دين ــ باستثناء واضح لنموذج الشيعية الإيرانية - بقدر ما أنهم نخبة مثقفة شابّة. هي مقاربةٌ جديدة يربط فيها هؤلاء الباحثون أيضاً، الظاهرة الإسلامية بديناميات ومتغيّرات سياسية: صدمة ضياع فلسطين على يد الاحتلال الصهيوني، والنكسة العربية عام 1967.

كلمات | العدد ٣١٦٩

تبتعد رواية «فور ستبس داون» (دار الآداب) لمازن حيدر عن الأحداث الصاخبة والسريعة. في الباكورة الروائية للمهندس المعماري، يتمدد السرد على طبقات عدّة من الذاكرة الشخصية الملتبسة مع ذاكرة بيروت. والحق أن الالتباس متجذّر في العمل بمجمله؛ بين حاضر المدينة وماضيها، الذي يولد ضباباً محتماً للمستقبل. هناك التباس بين ذاكرة الأشخاص أنفسهم، فتصبح للذاكرة الواحدة قدرة على التنقل بخفة بين رؤوس عدّة ينتمي أصحابها إلى حقبات زمنية مختلفة. بالرغم من العلاقة المشحونة معه، يبدو بطل الرواية عالقاً في ماض ليس ماضيه الشخصي فحسب. كان راجي، يجد سبلاً كثيرة إلى الماضي، يعبره عبر بطاقات بريدية تركها أصحاب منزل بيت شارع ليون، وعبر تلك التي كان يبتاعها من مكتبة «فور ستبس داون» في رحلاته الكثيرة مع صديقه الفرهود إلى شارع الحمرا، ثم من خلال روايات والده وذكرياته عن المدينة ووسطها الزائل. وهو بذلك يعبر عن جيل الحرب الذي اعتاش على مرويات الآباء المثقلة بنوستالجيا ضاعفت من حدّتها القطيعة التي أحدثتها الحرب.

كلمات | العدد ٣١٦٩

يضع أسامة كوكش كائنات روايته الأولى «سيتي سنتر: سوق البسطة» (الدار العربية للعلوم - بيروت) تحت المجهر. طفيليات بشرية تسبح في مستنقع لا أمل بالنجاة من عفونته، أو الهرب من روائحه الزنخة. ههنا راوٍ ينبش القاع السفلي لمركز المدينة بدراية وعمق. وإذا بنا إزاء دمشق أخرى نكاد نجهلها سردياً لفرط خشونة طريقة العيش وهتك أرواح شخصيات وجدت نفسها غارقة في الوحل كمحصلة لألعاب شخصيات تعمل في الظل والغرف السريّة، تدير خيوط دمى بشرية، من دون أن تلوّث يديها بقذارة ما يحدث. هكذا سنتعرّف إلى «سوق البسطة» وبشره، من دون أقنعة، إذ لا أبواب مغلقة. يكفي أن نزيح الستارة قليلاً حتى نكتشف أحوال العري الحسي والروحي. أرواح قذف بها الشقاء إلى هذا المكان لتتموضع في زوايا هذا المكان بلا هوية راسخة. تكفي جولة تقوم بها دورية شرطة حتى تزعزع أسباب الطمأنينة المؤقتة بما يشبه الاستنفار خشية بطش رئيس الدورية. ذلك أن كل البشر الذين انتهوا إلى هذا المكان لم يعد لديهم أي ملجأ آخر.

كلمات | العدد ٣١٦٩

تقوم الكلمات بدور الناقل للوقائع إلى الآخر، والشعر كذلك، يثبُ من غصنٍ إلى غصن كعصفور لينقل الحكايا الصباحيَّة التي يبصرها. هذا ما يفعله الشاعر الفلسطيني السوري محمد أبو لبن في ديوانه «تمارين على الجدوى» (دار ممدوح عدوان)، كأنّ القصائدَ رسلٌ لها ما لها من خفّة الأرواح. في نصّه الأوّل: «مسّ اللحظة»، تمرّ جملة شعريَّة تفتح الآفاق لبداية القراءة والغوص في تفاصيل أرق الشعر، خلل عصرنا الرّاهن: «قدمٌ في الذكرى/ وأُخرى على سفر». تبدأ هذه الجملة برسم ما سيكون عليه الشعرُ في الصفحات المقبلة. ستغدو عناصر التكوين الشعريَّة ملموسةً: «الغياب، الذكرى، الغائبون، الغرابة». وكعدسة كاميرا، يصوّر أبو لبن، عبر اللغة، الشخوصَ وهم يغيبون، لا بل يدعونَ إلى مراقبة الغياب، ويبلغنا، بخفّةِ عصفور، بأنّه ابنُ الغياب: «لستُ عابراً ولا مقيماً/ ولا ابناً ضالّاً/ شبه حزينٍ/ أو وحيد/ أو تائه/ شبه فارغٍ ربمّا/ بيدي ورقةٌ من ريح/ تذوب شبهاً/ بين الحياة وفُرجتها». الأكثر قسوةً وإيلاماً في أيّ نص هو مقاربته لما يجري في الزمن الرّاهن، أي الدنوّ من المجريات شعريَّاً مع الحفاظ على مسافةٍ معيّنة تتيحُ للقارئ إمكانيَّة التخيّل والغوص في التفاصيل الأليمة.

كلمات | العدد ٣١٦٩

كان الصباح لئيماً، حاراً، ورطباً، بلا أي نسمة مغوية، ولا أمل في ولادة نسمة مغوية، حين طرقت برفق أولاً، ثم بشيء من العنف، ثم بعنف أشد تورماً، ذلك الباب الخشبي، المترب، العريض، الذي يبدو قديما جداً، لنزل: «الأخوات»، المبني بالحجر الصلد، والمدهون بلون أبيض متصدع، الذي أنزلني أمامه «متوافق هجو»، صاحب الحمار النحيل، ومضى بعد أن استلم أجرته ربع دينار، وزودني بوصف بيته، حتى إذا ما احتجت إليه في أي شيء، قصدته، وكان التقطني من مرسى المراكب القريب من المنطقة، حيث وصلت اليوم فقط إلى «بوادي» عاصمة مملكة «طير»، بعد ثلاثة أشهر من السفر المغامر، المرعب، في بحر، ساخر مهتاج، كان يتلاعب بمركبنا، ويسخر من كل مهارة نبديها في الحفاظ على توازن كنا بالكاد نعثر عليه.

كلمات | العدد ٣١٦٩

صارت الكتابة في السنوات الأخيرة أكثر إلحاحاً عند بول أوستر (1947). راح يحبس نفسه في القبو، يجلس بمفرده، وينكب على الكتابة سبعة أيام في الأسبوع. صار الروائي الأميركي أيضاً أكثر ميلاً للرجوع إلى الطفولة، وإلى أميركا التي كبر فيها، لكنه بقي مطارداً بهاجس الموت المفاجئ الذي سرق والده في عمر السادسة والستين. وربما لولا هذه الذكريات، لما أهدانا في عيد ميلاده السبعين مقتبل هذه السنة رواية «4321».

كلمات | العدد ٣١٦٤

لا يحتاج صلاح عبد الصبور (1981-1931) إلى «مناسبة» للعودة إلى تجربته الشعرية الثرية التي تزداد عتاقة كلما مر عليها الزمن. لكن هناك مناسبات عديدة، إذ حملت الدورة الأخيرة من «معرض القاهرة للكتاب» اسمه، ويتنقل المعرض في محافظات مصر المختلفة على مدى عام، ليصبح صاحب «مأساة الحلاج» شخصية العام في مصر.

كلمات | العدد ٣١٦٤

القاهرة | الكتابة عن شاعر مثل صلاح عبد الصبور صعبة. رغم حياته القصيرة، إلا أنه فتاح سكك كبير في الأدب العربي. وليس من المبالغة القول إنّه أتعب من جاء بعده. لم يستطع كاتب مسرح أن يتجاوز منجزه من المسرح الشعري الذي لم يتعدَ خمس مسرحيات.

كلمات | العدد ٣١٦٤

في مقدمة ديوان صلاح عبد الصبور الأول «الناس في بلادي» الصادر عام ١٩٥٧، أشار بدر الديب إلى الطبيعة الدرامية لقصائده، التي تبلورت من وجهة نظره في المسرحة الدائمة للمواقف والمشاعر، وزيادة الاهتمام بالتفاصيل الجزئية.
كما أنه من السذاجة البالغة اعتقاد أن انتقال عبد الصبور من كتابة القصيدة العمودية إلى شعر التفعيلة، كان مجرد قفزة عروضية في الهواء، بل هو اختيار واع يحاول الفكاك من أسر الغنائية المفرطة للقصيدة العربية باتجاه الفضاء الدرامي الرحب. وقد أتبعها صلاح بالتوسع في استخدام رخص عروضية نادرة في مسرحه، وبخاصة مع بحر المتدارك حرصاً على سرعة تدفق الحوار.
أما صلاح عبد الصبور نفسه، فلم يكن قانعاً قط بأن يكون مجرد كاتب مسرحي. يقول في تذييل مسرحيته «مسافر ليل»: «أنا أؤمن أننا - نحن الشعراء الذين نكتب للمسرح- قد أهملنا تقليداً جليلاً، وهو أن نكون كتاباً ومسرحيين في ذات الوقت كما كان أسلافنا منذ إسخيلوس حتى شكسبير.

كلمات | العدد ٣١٦٤

ترك لي صلاح عبد الصبور ميراثاً من الكلمات والموسيقى والشخصيات ما زلت أحتفظ بها. كلمات أرددها بيني وبين نفسي وتصدح موسيقاها في أذنيّ بين الحين والحين. كلمات حزينة جاءت من الشوارع والميادين، من القرى والنجوع بعدما طافت عبر التاريخ والتقت بفلاسفة ومتصوفة، بملوك وشحاذين. عانت كثيراً قبل أن تسقط من فمه بموسيقاها وأحزانها. كلمات تحمل أمراض الإنسانية وحيرتها الوجودية يضعها الشاعر على لسان شخصيات ليس فقط في نصوصه المسرحية، لكن في أشعاره أيضاً. لدى صلاح عبد الصبور دائماً حكاية يخاطب القارئ من خلالها. الكلمات لا تأتي عارية بل ترتدي ملابس الحكاية. كان على قناعة أن الناس في بلاده لا يفهمون الكلام المجرد. لا يعرفون سوى الحكاية منذ ديوانه الأول «الناس في بلادي» حتى الأخير «الإبحار في الذاكرة»، بالإضافة إلى أعماله المسرحية وهو يكلّم الناس بالحكم والأمثال.

كلمات | العدد ٣١٦٤

تغمرني رغبة الكتابة عن صلاح عبد الصبور الكائن في وحشته، وليس عن صلاح الكائن في شعره، وتغمرني الرهبة من هذه الرغبة، كأن عربتي السوداء تسير في اتجاهين. ومع ذلك ففي أواخر الستينيات، وعلى ناصيتي الشعر الكلاسيكي والشعر الرومانسي اللذين، ــ رغم ضعف ذاكرتي ـ أغرياني بأن أتوكأ عليهما، مسبوقاً بشوقي والجواهري وبدوي الجبل والأخطل الصغير وإبراهيم ناجي وجبران، قبل أن أرافق سعيد عقل، وأتجاهل آخرين، في تلك الفترة، أذكر أنني قرأت باستخفاف تام ديوانين صغيرين: «الناس في بلادي» لصلاح عبد الصبور، و«مدينة بلا قلب» لأحمد حجازي.

كلمات | العدد ٣١٦٤

ولدت في مطلع الستينيات من القرن العشرين، ولم يكن في بيتنا مكتبة. فقط مجلات وكتب قليلة مبعثرة، بعضها تحت السرير، وبعضها في الكومود المجاور لسرير أبي، تحت الراديو الخشبي الكبير، وبعضها في خزانة الملابس الكبيرة يعلوها صف طويل من «البدل» الشتوية الثقيلة. في البيت حكايات غير مؤكدة عن مكتبة حقيقية دخلت كتبها النار في الخمسينيات، في أعقاب القبض على خال لي، وهو في الوقت نفسه الصديق الأقرب لأبي. هكذا بدأت القراءة في المكتبة العامة. كانت المكتبة كبيرة ومقسومة نصفين: نصف صغير للأطفال، فيه مكان للقراءة يطلّ على النيل وحوض كبير مليء بالأسماك الملونة. طوال النهار صيفاً، أنا هناك، وعيني على النصف الكبير المخصص للكبار، على الكتب الكبيرة ذات الكعوب المذهبة. ولم يطل المقام بي في ركن الطفولة، فانتقلت إلى ركن الكبار وبحوزتي بطاقة استعارة خارجية باسم أبي.
كانت المكتبة عامرة بكتب الشعر العمودي، من المتنبي، والبحتري، وأبي العلاء إلى الشوقيات وديوان حافظ ابراهيم. وفِي البيت نجا من المحرقة علي محمود طه كاملاً («الملاح التائه»، «ليالي الملاح التائه»، «شرق وغرب»، و«أغنية الرياح الأربع»).

كلمات | العدد ٣١٦٤

loretta napoleoni, merchants of men, how jihadists and isis turned kidnapping and refugees traficking into a multibillion-dollar business. seven stories press, new york 2017. 224 pp.

ما الذي يمنح كتاب «تجار البشر: كيف جعل الجهاديون وتنظيم الدولة من الخطف وتجارة اللجوء عملاً يعود بأرباح بمليارات الدولارات» للوريتا نابليوني أهمية إضافية؟ إلى جانب ما يحويه من معلومات تفصيلية لم يسبق لي الاطلاع عليها من قبل، فإنّ مادة اللجوء والهجرة اللاشرعية أضحت جزءاً لا يتجزأ من المشهد العالمي على نحو عام، وفي بلادنا على نحو خاص. كيف يمكن تجاهل حقيقة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فاز في الانتخابات بسبب مواقفه العنصرية تجاه الآخرين ممن ليسوا من ذوي البشرة البيضاء، وأنه هو ومؤسساته لا يزالون منغمسين في حملة ترهيب من الآخر، تتجلى أيضاً في بناء سور حديدي على الحدود بين بلاده والمكسيك... لا نفهم لمَ لمْ يحاول الإفادة من خبرات رفاقه الصهاينة في العنصرية والاضطهاد!

كلمات | العدد ٣١٦٤