مخيمات (اسبوعية)

رسائل صبابة وحنظلة

الوطن لا يختلف كثيراً عن وجه أمك

مخيم إربد | تبدأ موسيقى الصباح مع ابتسامة أمي البسيطة، تنظر نحوي بعينين ممتلئتين باللطف والصبر، يصحبها دعاء بصوتها الهش "الله يفرجها عليك يما". تتنقل في أنحاء المنزل كالمارد السحري تلبي حاجاتنا أنا وأخوتي من دون تعب أو ملل، أراقبها جيداً خوفاً من أن تجد الفانوس وترحل عنا.

العدد ٢٨٣٧
عن الخيار المرّ حلواً
عبدالرحمن جاسم

رسالة الشهيد

لا شيء يبدو في فلسطين كما يبدو من الخارج. يستطيع الناظر من الخارج أن يرى أشياء كثيرة، شعبا مقاوم، شعبا تحت الإحتلال، شعبا يختار موته كما حياته. كلها أمورٌ ترى من الخارج، لكنها ليست الصورة كاملةً. لن تكون أبداً الصورة كاملة إذا ما شاهدتها بهذا الشكل. الأمر لا يكتمل إلا إذا ما سمعت القصّة كما هي، بعيداً عن أي تزييف للحقيقة أو حتى مجاملةٍ تريدها لأنّها تناسب خيالك وعقلك. يأتي مثلاً أنك تريد أن ترى الشهداء مناضلين في كل الأوقات، تريدهم، أن تظل خياراتهم صائبة كل الوقت، تريد أن تعزلهم عن بشريتهم، عن كونهم "حقيقيين" وبشراً عاديين اختاروا المر، لأنه ليس هناك أحلى منه .. لحظتها!
خذوا عندكم الشهيد أحمد يوسف عامر، ذا الستة عشر عاماً، أحمد وللمفارقة المدهشة لم يحتجْ إلى أن يخبرنا نحن المشاهدين كثيراً، بل ترك رسالةً عند أهله لتوديعهم، الرسالة ذات الخط المبعثر، تظهر شخصاً مختلفاً عن فكرة "الشهيد" المعتادة.

العدد ٢٨٣٧
الحقائب لن تتسع
سومر سلام

العمل لكاتبة النص سومر زكي سلام

الجزائر | ضمن حقيبة ظهر وردية اللون، وضعت أوراقي المهمة مستذكرة إرشادات حالات الطوارئ التي تلقيتها في أحد مراكز مخيم اليرموك في وقت مضى. وقت لم أعِ فيه أنني سأتّبع هذه الإرشادات حقاً يوماً ما. وزعت بعض الأغراض الأخرى في حقائب متنوعة تشاركتها مع أختي وأمي، كانت إحداها مخصصة لأدوات الرسم.
أذكر أن كل شيء حدث على عجل، وأنني لم أكترث تماماً لما سآخذه معي. كل الأشياء كانت تفقد معانيها، ولم يلفت نظري أبداً أي شيء، كنت أردد في نفسي: ما قيمة الأشياء مقابل أناس يفقدون حياتهم أو حياة عزيز عليهم، ليس ببعيد عن منزلنا.
لم أتوقع حينها أن رحلتنا ستطول سنوات عديدة، وأن الليل سيعيد تكرار هذا المشهد في رأسي مرات ومرات. تكرار عنيد متواتر لأعيد توضيب الأشياء من جديد: صورنا بكاميرا أبي التي رافقتنا منذ طفولتنا والتي نسيناها في غفلة منا، أو بسبب التوتر من القذائف التي تساقطت حولنا. منحوتات والدي، إنتاجه الفني على مدى ثلاثين عاماً من البحث المستمر في خدمة القضية، خزفيات أمي التي صنعتها بكثير من الإتقان والحب على مدى سنوات...

العدد ٢٨٣٧
إلى متى ستشبهنا فلسطين؟
أيهم السهلي

انت لست هنا - العمل لعماد الوهيبي

سنكتب لنحب الأمل القادم من سراب الأغنيات العاطفية عن وطن ضيعته السياسة، وسنكتب لنحلم أكثر أن المدن السعيدة هي مدننا حين نعود إليها، بكامل الفرح والحسرة على مخيمات ستبقى وحيدة، لا يؤنس وحدتها عبث الأطفال ولا نكايات النساء وكيدهن ولا ضحك الرجال بالصوت المرتفع ولا حتى شاب سكير يترنح بين طرفي زقاق لا يتسع لاثنين معاً.

العدد ٢٨٣٧
بعدسة أهلها

في غزة بعدسة رهام الغزالي
العدد ٢٨٣٧
بين الشلل والأمل: حكاية محمد
يافا أحمد

العمل لفنان الغرافيتي محمد الطيب

رام الله | هو هنا وهناك. هنا يقف على الأرض ويمشي حاثاً خطاه نحو الأمام، وهناك في اللاوعي عاد محمد زيادة طفلاً، لم يدرك بعد أنه تمكن من المشي.
حصلت هذه الثنائية لابن قرية بيتللو البالغ من العمر 20 عاماً، بعد أن انهالت عليه قوات المستعربين بالضرب عند حاجز بيت إيل العسكري شمال مدينة البيرة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، ثم أطلق أحدهم رصاصة استقرت في رأسه، عند حاجز بيت إيل.
قال الشاعر مرة: "أظنها طلقات الغدر حين هوت تكاد لو أبصرت عينيك تعتذر". لكن محمد، حتى وإن لم يستشهد، إلا أن بعض قواه قد تهاوت، وإن أصبح بوسعه المشي، إلا أنه بحسب طبيبه، لم يدرك أو لم يصدق بعد أنه بدأ المشي مجدداً، وكذلك نطقه بات متعذراً، وبات تمييزه بين الكلمات المتشابهة عسيراً؛ محمد لا يميز اليوم بين "محرمه" و"مروحه"، محمد لا ينتظر اعتذاراً على طريقة الشعر والشاعر اللبناني خليل حاوي، لكنه يريد كما كل أبناء الشعب الفلسطيني، أن ينال القتلة عقابهم، وفق القانون الدولي الذي يحرم ما جرى معه، خاصة أن ما حصل مع الشاب موثق بكاميرات عدة قنوات محلية وعربية وعالمية.

العدد ٢٨٣١
شتات أصعب من الشتات
ليلى عماشا

للفنان الفلسطيني هاني عباس

يُحكى أنها يوم استقرت في مخيم عين الحلوة، لم تكن تأبه لكل المعاناة التي تواجهها وسكان المخيم. لم تكن الكثافة السكانية تعنيها رغم أنها تفضّل دائماً الهدوء والبعد عن الناس. ولا كانت تهتم لكل الصعاب التي تواجهها ككل الآخرين والأخريات. لم تكن تتذمر أبداً وبدت طيلة العمر الذي قضته هنا، بعيدة كل البعد عن أي تجمع أو تحرّك يطالب بتحسين ظروف الحياة أيّاً كان المطالِب ومهما تغيرت وجوه المطالبين بحدّ أدنى من الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني في الشتات. اختارت دوماً أن تتمتم بغضب واضح "بديش اشي من هون".

العدد ٢٨٣١
حكايات ستي | مسرحية جعيدان
تهاني نصار

كان ابن عمي محمد الذي يكبرني بأشهر قليلة، يشاركني الصف نفسه في روضة الهدى. ولأننا كنا نسكن في الدار نفسها فوق بيت جدتي سودة، كنت أستيقظ على صوت زوجة عمّي وهي تصرخ على محمد حتى يستيقظ، فقد كان يحب النوم كثيراً؛ وكان من المستحيل إيقاظه في أيّ من أيام الأسبوع. لذلك كانت زوجة عمّي تفعل كل شيء وأيّ شيء كي توقظه.

العدد ٢٨٣١
الشهيد المحظوظ
منذر جوابرة

لوحو لمنذر جوابرة

نراقب عدد الشهداء. ليس رغبة في معرفة قصصهم، بل إدماناً للعبة الأرقام! كم هو العدد اليوم؟ خمسون؟ مئة؟ مئتان؟ نتطلع الآن لمن سيفوز بهذا الرقم الجميل المدور، هذا الرقم المميز. سنهتم بشدة لمعرفة اسمه وبلده، وفي أي عام رمت به الحياة إلينا.
هل سنعتبر صاحب الرقم مئتين، محظوظاً؟ هل سنعتبره فائزاً في لعبة "اليانصيب الجنائزي"؟ كيف سيكون وصف هذا الشهيد الذي لم ينتبه إليه أحد في حياته، وانتبه إليه الجميع هنيهة في موته؟ من سيكون ضحية هذا العيد لهذا اليوم... "عيد الحب"؟ وهل سيكون شهيداً أم عاشقاً؟ وهل عشقه لفلسطين حلال أم حرام؟
محظوظ أنت أيها الشهيد الذي سيكون رقمك مئتين! سيتابع أخبارك العديد من الناس، وسيكتبون لك بعض العبارات الثقيلة، وسيحصل اسمك على الكثير من اللايكات... وسيعمل العديد من الأشخاص بعدك على وضع صورتك واسمك بجانب الرقم (٢٠٠)، ومهما يكن، فستبقى رقماً، رقم الفرح للمهللين لرقمك المميز، وسيزيد عدد أصدقائهم الفيسبوكيين، هي لعبتهم القائمة على موتك، هو حظهم المبني على حظك.

العدد ٢٨٣١
انتصاره هزمنا جميعاً!
أماني شنينو

العمل للفنان الراحل مصطفى الحلاج

غزة | أربعة وتسعون يوماً من الصيام حتى عن الملح. أربعة وتسعون موتاً، ميتات من كل الأشكال والألوان لاحقته يوماً تلو يوم، هرب منها بأعجوبة الصمود، على الرغم من أنه كان أعزل سوى من قلب مليء بالإيمان والحب لفلسطين يساوي.
لا أدري لماذا أستصغر كلماتي وكلام الجرائد، وحتى المتضامنين في الشوارع، كل شيء يبدو تافهاً وأقل مما يستحق، أقل من حقه ومن سموه ومن كرامته، نعم كرامته التي سحقتنا جميعاً أسفل قدميه!
في كل مرة كنت أشاهد فيها صوره كنت أحس وجهه يلومني "لماذا أنا هنا؟ كنت أدافع عنكم لا تجعلوني عبرة مرتين!"، مرة حين أُعتقل في سجون السلطة الفلسطينية، لأنه تظاهر وعبر عن رأيه، والدستور الفلسطيني ينص في مبادئه على "الخرس" وإلا السجن، ومرة حين أخذه الاحتلال الإسرائيلي من بين أولاده وزوجته، لتصريحاته ضدهم، وكأن عليك تقبيل يد سارق أرضك وحياتك وتمجيده! أيّ استخفاف هذا؟! أما زوجته وفي أول يوم صادفت فيه وجهها على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد عرفت من الذي حرك كل شيء لأجل محمد، من الذي حرك الرأي العام وحملات التضامن معه!

العدد ٢٨٣١
بعدسة أهلها

مرّ على غزة حروب عدة، وعاش أبناء القطاع حصاراً قارب عشر سنوات. برغم كل ذلك، يجد الفلسطينيون ما يرفهون به عن أنفسهم. في ميناء غزة، التقطت عدسة الزميل نضال الوحيدي صورة لرسام غزّي.
العدد ٢٨٣١
الجنسية XXX
محمد القطاع

لوحة لمنذر جوابرة

لم أتوقع حين اعتزمت الانتقال الى الدراسة في ألمانيا أن يكون طريقي يسيراً، بل تجهزت للكثير من المتاعب والتحديات، تلك التحديات التي تواجه أي مغترب عن وطنه وعائلته وبيئته التي يحب، ولكن بعدما بدأت طريقي، علمت أن ثمة ما يؤرقنا نحن الفلسطينيين، دوناً عن غيرنا من المغتربين في ألمانيا.
في أول إجراءات إثبات محل السكن في مبنى بلدية فرانكفورت، كانت البداية، وهو إجراء روتيني يتم بتقديم ملف يحتوي على اسمي وجنسيتي ومحل سكني. ذهب معي في ذلك اليوم صديق، وقال إنه سينتظرني في الخارج لأن الأمر لا يحتاج الى مساعدة في اللغة. كان علي أن أقدم الملف وأنتظر أن تنقل الموظفة بياناتي الى الحاسوب؛ ولكن الأمر كان بالنسبة إلي أكثر تعقيداً مما توقعنا، صديقي وأنا. فما يتم إنجازه في ثلاث دقائق استغرق في حالتي ما يزيد عن نصف الساعة، واضطررت أخيراً الى طلب مساعدة صديقي بالترجمة الذي أوضح لي، أن الموظفة تعتذر عن عدم وجود لجنسية فلسطيني في نظامها، وعليه كان علي أن أختار ما بين مصري وإسرائيلي أو عديم الجنسية.
من ذاك اليوم كتب على بطاقة تعريفي: الجنسية xxx. كان الأمر مدعاة للمزاح، فالقليل من الولايات الألمانية كانت قد اعترفت بفلسطين، وأضافت جنسيتها الى نظام حواسيبها، ما دعا أصدقاءنا المقيمين فيها الى الاستهزاء منا على أساس أنهم لم يعودوا عديمي الجنسية كما معظمنا، ولكن الأمر كانت له تبعات أخرى خصوصاً في ظل البيروقراطية الألمانية المعقدة.

العدد ٢٨٢٥
في دوامة الرقم 60
سومر سلام

بين السماء والأرض للفنانة الفلسطينية سومر سلاّم

الجزائر | بين حين وآخر، أجلس في الحديقة الخلفية للدار التي أسكنها، في منطقة الديس بوسعادة، منذ أكثر من ثلاث سنوات، حيث تبعد عن الجزائر العاصمة مسافة 242 كلم جنوباً...
أجلس لأمتّع عيني بمشهد لسلسلة من الجبال الجرداء الجميلة، ما زالت تدهشني بتبدّل ألوانها كلما تبدّل الطقس من حولها. هي ذاتها الجبال التي جذبت منذ عقود مضت عدة فنانين مستشرقين، أهمهم ايتان ناصرالدين دينيه، الذي فضّل بوابة الصحراء هذه على أي منطقة أخرى من العالم ليعيش ويرسم ويُدفن فيها.

العدد ٢٨٢٥
لا إقامة ولا فيزا
أيهم السهلي

كاريكاتير للفنان هاني عباس

صحيح أن العمر لا يتسع لكثير من الهموم، ولكن يبدو أنه يتسع لكل شيء لدى العرب، عندما يتعلق الأمر بالفلسطيني...
لو أن متابعاً لا يعرف قصتنا مع الحدود والإقامات في الدول العربية كافة، لقرأ مبالغات فلسطينية وكثيراً من الكذب، واجتراراً للمأساة.
لكن كل ما نكتبه عن معاناتنا مع الحدود والإقامات حقيقة، وهذه قطوف من قصتي، لتضاف إلى أرشيف الألم الفلسطيني...
لي أخت وحيدة، غادرت دمشق إلى الجزائر، منذ نحو سنتين ونصف سنة تقريباً، لتكون مع زوجها الذي استعاد جنسيته الجزائرية بعد أن كان فلسطينياً، مثله مثل مئات الجزائريين الذين عاشوا معنا في مخيم اليرموك، كلاجئين فلسطينيين، بعد تهجيرهم من فلسطين سنة 1948، وقد قدم أجدادهم قديماً إلى فلسطين مع الشيخ عبد القادر الجزائري.
أختي، لكونها فلسطينية، لم تحصل على إقامة في الجزائر تمكّنها من الخروج والعودة، مثلها مثل أي فتاة ليست فلسطينية متزوجة من جزائري. وعلى ذلك فلا يحق لها تقديم دعوة لأهلها لزيارتها. وأهلها، أمي وأبي وأنا، لا يمنحنا بلد المليون شهيد "فيزا" لزيارتها بضعة أيام. من المؤكد أننا لن نحاول شق السلم الأهلي، بين الجزائريين، ولن نحاول الانقلاب على الحكم، ولن نفعل أي شيء سوى زيارة أختي.
أما زوج أختي الجزائري، لأننا نحن فلسطينيون، فلا يمكنه دعوتنا. وبالتالي، فالفرصة الوحيدة من مواطن جزائري، تذهب أدراج الرياح.

العدد ٢٨٢٥
ويشير بالوسطى إلى الكوكب أني هنا
محمود نصار

لوحة لابراهيم جوابرة

مخيّم إربد | تدقّ الساعة السادسة أجراسها، معلنة معها انتهاء يوم عمل شاق آخر. أسير باتجاه مخيم إربد الذي يقع وسط المدينة التي يحمل اسمها في الشمال الأردني، متعباً، منهكاً. أخرج ما في جيبي من نقود وأفكر مراراً في أنسب و"أذكى" طريقة يمكن بها أن أصرف بعضاً من الاثني عشر ديناراً التي أشقى لأجلها، وتوفير أكبر جزء منها... للمستقبل.
أكمل السير وأنا أدندن مقطعاً من أغنية بالإنجليزية لفيلم "البؤساء" لا أحفظ غيره منها، يأتي صوت من خلفي ينادي: "غزاوي"! أنظر خلفي لا أرى المنادي، لكني أدرك أنه لا بد صديق. فأنا معروف بين أصدقائي بـ"الغزاوي".
وكما ظننت، يظهر صديقي "أحمد" ليسأل مباشرة قبل السلام: "شيف محمود، شو صار معك بعمّان؟ لاقيت شغل؟". أنظر إليه مبتسماً، فهو يعلم جيداً، ومسبقاً، الإجابة. يُتبع السؤال بجملته المعتادة وسؤاله الاستنكاري الذي يعرف إجابته جيداً: "يا زلمي، لازم تكون غزاوي؟ إنتو الغزازوة مغضوب عليكم هون"! "مغضوب علينا في كل العالم على ما يبدو"، أفكر بيني وبين نفسي.
أبتسم مرة ثانية، وأخبره عن أختي التي أنهت دراسة هندسة إلكترونيات بمعدل جيد جداً قبل عام والتي ما زالت تنتظر أي فرصة عمل. أحكي له قصتها مع إحدى الشركات الضخمة في عمّان قبل مدة ورفضهم لها لأنها "غزاوية".

العدد ٢٨٢٥
مش رح أخلّي استاذي يوقف لحاله
تسنيم القاضي

لم أكن محبة للمدرسة. على العكس، كنت أكره الاستيقاظ صباحاً، وكنت أكره أيضاً الزي المدرسي وطابور الصباح. أما الحصص المدرسية، فقد كانت تصيبني بالضجر والإرهاق، كذلك كانت هنالك عداوة بيني وبين الكتب ومؤلفيها ومعديها. باختصار، المدرسة كانت مرحلة لا بدّ منها. مرحلة عبور (إذا صحت تسميتها بذلك) أُجبرنا جميعنا على سلوكها.

العدد ٢٨٢٥
كاريكاتير مخيمات

محمد سباعنة
العدد ٢٨٢٥
أرجوكم... فجّروا معبر رفح
عبد الرحمن نصار

مشهد من معبر رفح على الجانب الفلسطيني( تصوير عبدالرحيم الخطيب - آي بي ايه)

ثمة تعديلات طفيفة يمكن أن تحوّل بعض أمثالنا الشعبية إلى نكتة، كأن نقول: «المعبر الي بجيك منّو القبيح، فجره واستريح». فخيار أن «تعيش مطلّقاً» سيئ، لكنه أقل سوءاً من أن تبقى «معلّقاً» بـ«رحمة اللي ما بيرحمش نفسه».

تجلس في بيتك باطمئنان واستئناس لا تريد الخروج. يأتي عمّك ليغلق الباب ويحذرك من أنك لن تخرج. للحظة تشعر بأنك قُيدت ويجب أن تخرج، مع أنك لم تنو الخروج أصلاً. هذا تقريباً ما جرى مع «عمّنا» وجارنا المصري. لقد علا صوت بعضنا عليه، فغضب. أصلاً هو لم يكن يحتاج مبرراً لإغلاق معبر رفح على مليوني نسمة يعيشون في 365 كلم مربعاً، ولكن لا بد أن يساعد المقتول قاتله، كما يجري عادة لسوء الحظ.

العدد ٢٨١٩
غزة ليست وطناً وهذا ليس بمعبر!
هاني إبراهيم

عبد الرحيم الخطيب (آي بي ايه)

ما هو الوطن؟ لعل أفضل توصيف للوطن ما قيل فيه، إنه «المكان الذي إن اضطررت إلى العودة إليه، سيضطر هو إلى قبولك». لكن هذا الوصف قد لا ينطبق على غزة، التي غالباً لا تقبل عودتك إليها، هي أو من حولها. أُسأل دوماً: «هل تشتاق لغزة؟»، جوابي يكون بسيطاً: «لا»، مع استدراك: «إن اشتقت، أشتاق لأهلي فقط».

العدد ٢٨١٩
خارج «معتقل غزة»
عبيدة زين الدين

"زوروا فلسطين" ( من اعمال الفلسطيني عامر الشوملي - ستديو زان)

لم أجد تفسيراً واضحاً للخوف الذي أصابني حينما دخلت بيروت. حتى بادر أحدهم إلى سؤالي. لقد ذكرتني بيروت بغزة. غزة التي خرجت منها قبل عامين. حياتي في بلد غير عربي صنعت فجوة بيني وبين ذلك الماضي.

إسطنبول | الطفل الذي بلغ العشرين ولم يدرك ماهية الوطن بعد... ثمانية عشر عاماً في غزة، مسجوناً بالمعنى الفيزيائي والروحي في 360 كلم مربعاً. لا يعرف منها سوى ثلاثة أحياء. تولد تحت الاحتلال. تزرع في رأسك فكرة واحدة: وطنك محتل؛ وطنك الذي لم تعرفه جيداً.
يلقنونك في المدرسة: مساحة فلسطين 27000 كلم مربع، وفي الجغرافيا تتعلم تضاريس الجبال والصحراء والسهول التي لم تلمسها عينك. أنت تتعلم ولا ترى شيئاً. أنت تحفظ ما على الورق لا أكثر. أصعب ما كنّا نتبارى فيه من يتقن «طعجة» حيفا في الخريطة. أما تقعيرا طبريا والبحر الميت، فسهلان في الرسم. تبدأ القصة بعد الولادة بقليل. حين تسجل في «الكوشان»* فلسطينياً. هذه الورقة هي الصلة الأولى لك بفلسطين. تكبر قليلاً لتجد نفسك في الروضة تستمتع بالأغاني الوطنية وتحفظها بحماسة، ثم تتعلم النشيد الوطني وتحية احترام العلم. حتى الآن هذا ما يربطك بفلسطين.

العدد ٢٨١٩