جدار الصوت

دولة «الفان»

  انتظرتُ مرور واحدٍ من بينهم، وما إن لمحت الورقة الملصقة على باب «الفان» (ميكروباص) الداخلي من الجهة المقابلة، حتى أومأتُ له وركبت. كان هناك خمسة أو ستة ركاب تقريباً إضافة إلى الراكب إلى جانب السائق. اصطنعت أنني لم أرَ الورقة التي تحدّد اليوم (الاثنين) بداية لتقاضي أجرة 1500 ليرة من الركاب، إلا بعد برهة.

«الفان بألف وخمسة»

كانت الأوراق ملصقة بطريقة لا يمكن للركاب إلا أن يشاهدوها: على باب الفان، في الفسحة بين السائق والركاب. أما في الباصات الكبيرة، فقد أُلصقت تقريباً على كل شباك من الجهتين وبخط عريض: ابتداءً من الاثنين(غداً) أجرة الراكب 1500 ليرة. «هلّق عم تمزحوا ولا عم تحكوا جدّ؟» تسأل السيدة التي طلعت للتوّ من منطقة الصنايع، والمتوجهة الى حي السلّم، وهو مشوار طويل لا يتكفّل بتحمّل كلفته العالية نسبياً، إلا نقل مشترك تابع للدولة أو «فان»، في بلاد محرومة من النقل المشترك المحترم، لاستعاضتها ـ بطلاقة وزير النقل ـ عن فاعلية وزارته المرجوّة.

وحياة الناتو

مع إنني إخترت عن سابق تصوّر وتصميم عنوان «بدون اي تعليق» لمدونتي السابقة، لكنني أعترف لكم بأنها «ما قطّعت معي».
فالإجابات السوريالية التي ردّ بها من سألتهم الصحافية المصرية في الفيديو «ما هو حلف الناتو؟» (شاهد الفيديو ) تدفع المرء، بعد ردة الفعل الاولى اي الضحك، الى استخلاص ملاحظات هي على جانب كبير من الأهمية برأيي.

بدون اي تعليق

ميدان التحرير 3

شظايا الزجاج الأخضر المتبقي من قناني "الكازوزة" التي كانت سلاح البلطجية في هجومهم أمس على المعتصمين أمام مبنى هيئة الاذاعة والتلفزيون المعروفة بإسم  ماسبيرو، كانت تطقطق تحت قدمي وانا اتجه الى الخيمة التي جعلوها مقرهم. كانت ليلة امس طويلة، لم تمض الا على ايقاع كرّ وفرَ بينهم وبين البلطجية الذين لم يكفوا عن محاولة فض الإعتصام. بعد الهجوم الاول، الذي حصل عصر امس، دبّ المعتصمون الصوت عبر الرسائل النصية القصيرة والفايسبوك، فتوافد الآلاف ليلا اليهم  لحمايتهم من هجمات البلطجية. "جريح واحد" يقول عادل، حين أسأله للتأكد من معلومة تقول ان هناك العديد من الجرحى.

ميدان التحرير الآن2

إحتفال ام ثورة؟ هذا هو السؤال. من سينتصر في نهاية النهار؟ من سيخسر؟ أغيب لساعات ثلاث ثم اعود لأطل من الشرفة المشرفة على الميدان. تخرج "يا الهي" من فمي قبل ان افكر: فالمشهد تحت مهول. في الوسط، نواة من البشر المتراصين الى درجة انك، وكما يقول المصريون، لو رشيت ملح ما يوصلش الأرض. اما في الاطراف البعيدة؟ فالبشر لا يكفون عن التوافد. إحتفال ام ثورة؟ كيف يمكنك ان "تحتل" تجمعا بشريا كبيرا الى هذه الدرجة؟ كيف يمكن للثوار ان يفرضوا طابع الثورة المستمرة على ما يميل الناس الى جعله أحتفالا بمجرد إجتماعهم بهذه الاعداد الكبيرة في مكان واحد؟

ميدان التحرير الآن

المطر الذي انهمر بغزارة ليل امس لم يستطع ان يفرق ثوار ميدان التحرير الذي اطل عليه من هنا، في "الشبه فندق" في القاهرة. "أدي الدنيا كمان بتمطر، يسقط يسقط حكم العسكر"، هتف الثوار بسرعة بديهة مصرية تتلقف اي حدث وتهضمه في لمح البصر لتعيد انتاجه بدمغتهم الخاصة. هكذا استمروا مساء امس بالتوافد في ما بدا انه سباق على حجز المساحات الاستراتيجية في الميدان الشاسع، بالأنصار والمنصات والخيم. فالذكرى الأولى للثورة متنازع على صبغتها: احتفال ام استمرار بالثورة؟

هوّي ذاتو

أبى يوم الاحد الماضي ان يمضي من دون فاجعة. أصلاً ليس انهيار المبنى المنكوب في في الأشرفية هو المستغرب، بل كيف يمكن أن يمر يوم في لبنان من دون كارثة من هذا النوع، في وقت تخلو فيه كافة مؤسسات الدولة من الجهاز الضروري لتأمين السلامة العامة. أذكر أنني، ولدى انضمامي لأسرة «الأخبار» في العام 2008 كان موضوع السلامة العامة هو أول محور عملت عليه.

قرار بالضحك

أعلم. بان كي مون في البلد، مصحوبا بحضرة "الناظر" تيري رود لارسن، وهو ناظر بعيد كل البعد عن ظرف "حضرة الناظر" في "مدرسة المشاغبين"، وانه ليس في الأمر ما يضحك. اعلم ايضا ان مستر "صفر مشاكل"، داوود اوغلو، في ضيافتنا، حيث يبدو انه اتى ليلعب دور "البومة"، منذرا بحرب اقليمية طائفية بات "الجميع" جاهزا لها، وبالطبع ليس هذا بتاتا بالامر المضحك. اعرف ايضا، في باب المحليات، ان موضوع تصحيح الأجور، اصبح بحاجة لحركة تصحيحية على صعيد التعريف بالأطراف المشاركة في معركته، وان الامر اصبح مضحكا لولا ما يتسبب به يوميا للناس من خيبة.

دموع نعمة

صورة الفتاة الصغيرة على موقع «ياهوو» الإخباري والعنوان المؤثر، استوقفاني: الصورة لفتاة في الثامنة من عمرها، بنظارة طبية وشعر أشقر معقوص خلف رأسها، وخدين أحمرين يغريان بالقرص تحبباً، أما العنوان، فكان «دموع فتاة صغيرة تخضّ إسرائيل». ما القصة؟ تقول مقدمة المقال، المنقول عن صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، إن الصغيرة «ليست ككل أترابها في العالم، تتشوق، ما إن تنتهي المدرسة للعودة الى البيت.

"تنعاد عليكم"

ما ان تهل السنة الجديدة، حتى تنهال المعايدات مهنئة بحلولها، يتعانق الناس ويقبلون بعضهم ثلاثا، على وقع ترداد جملة: "تنعاد عليكم". وهي جملة غريبة جدا، لو فكرتم فيها، بالمقارنة مع المتوخى منها. كأن من يقولها لك، يدعو "عليك" وليس لك، بطول العمر!. انا ايضا لم اكن افكر بمعناها. كنت ارددها كما يفعل الجميع، نوعا من جملة سحرية تقال مقرونة بالابتسامة المستبشرة بالعام الجديد. لكن وبعد سنة عبرت فيها محنة صحية قاسية، وقعت الجملة في اذني وقعا غريباً. "تنعاد عليكي" قالوا. جمدت للحظة، هل هذا صحيح انكم تتمنون لي ان "تنعاد عليي" السنة الفائتة؟ هي تحديدا؟ بالطبع لا.

حرب التماثيل

قليلا ما يعثر الإنسان، الطبعة اللبنانية منه تحديدا، على إشكالات في المجتمع اللبناني تعيد طرح المشكلة الحقيقية لهذا المجتمع كذهنية، من دون الباسها الزي المحلي الفولكلوري، اقصد الزي الطائفي. والشرط الاساس لهذا النوع «النادر» من الاشكالات، هو توفر صفة الطائفة الواحدة في اطراف النزاع، او بشكل ادق انتماء المتصارعين الى المذهب نفسه. ما ان يتوفر هذا الشرط حتى يعمّ النور، وتصبح «الترجمة» متوفرة. فيتذكر المرء ان واحدة من اهم مشاكل العقلية اللبنانية، تمجيد الزعماء مهما كان تاريخهم، وتحقير المواطن العادي مهما سما او ارتقى في تضحياته.

ثقافة الاعتذار

الحركة التي قام بها النائب نواف الموسوي باعتذاره عن الكلام الذي صدر منه تحت قبة البرلمان في حق النائب سامي الجميل، لم تكن متوقعة. على الأقل انا لم اتوقعها. فقد يئست منذ زمن بعيد من اللبنانيين، وفهمت، بالقلم العريض، والملون و"اللي بيضوي وبيطفي"، انهم يكرهون الإعتذار.  هكذا، ترى المخطيء يحور ويدور حول "الموضوع" محاولا، بدلا من الاعتذار بشكل مباشر، ان "يطّبع" مع الشخص المساء اليه، اي ان يتجاوز تبعات فعلته بدون الاعتراف بالاساءة، من نوع ان يقول له او لها "صباح الخير"، او يسأله سؤالا عن اي شيء تافه، لمجرد ان يجيبه الآخر.

فيروز


(تصوير مروان ابو حيدر)

إخترقت قامة الشاب الصفوف الاولى والحراس الشخصيين الواقفين اسفل الخشبة على ميمنة وميسرة فيروز، رمى بساقه اليسرى لفوق ثم رفع جسده الى المنصة. دبّ على يديه مرة ثم وقف. خطا خطوتان وهو شاخص كالمسحور اليها، إخترق جدار الرهبة، ومد يده وسط دائرة الضوء. نظرت هي اليه متفاجئة. فركع على ركبة واحدة الا قليلا، مرتجفا، كمن لا تصدق عيناه ما يفعله جسده، أيركع؟ ام يبقى معلقا بعينيها المدهوشتين؟

اشتغل الوضوح ...

الحيرة المتفاقمة بما يتعلق بالموقف الذي يجب اتخاذه مما يجري في سوريا، أصبحت تحت وطأة الوضع المتدهور يومياً هناك، غير مقبولة اخلاقياً. وما يجعل الامر لا يطاق، هو عندما لا يكون عملك من النوع الذي تستطيع أن تزاوله متناسياً ما يحصل هناك. فعندما تكون لبنانياً، يصبح الوضع السوري خبراً محلياً، لا تني تفاصيل الحياة اليومية تعيده الى الاذهان ما إن تظن نفسك قد انصرفت الى التفكير بأمور أخرى «اهم». اما اذا كنت فوق كل ذلك صحافياً؟