لا مصالحة مسيحيّة، حتى انتهاء «البينغ بونغ»

جان عزيز
... باختصار، لا مصالحات مسيحية في المدى المنظور، ولا لقاءات ثنائية بين الأقطاب المسيحيين، حتى الجلسة الثانية من الحوار الوطني، المقررة في 5 تشرين الثاني المقبل.
أما في التفاصيل، فسقوط فكرة اللقاءات والمصالحات، حتّمته حقيقة انكشاف الحسابات والخلفيات لكل من القوى المعنية بالمشروع.
يقول أحد المواكبين للعملية منذ بداياتها، إن ولادة فكرة مصالحة مسيحية ما، جاءت من بعبدا في الأساس. وهي تكوّنت هناك نتيجة عدد من العوامل والأسباب. ليس أقلّها إصرار سيّد العهد على القيام بدور الجامع والحَكَم بين الأطراف كافة.
غير أن الطموح الرئاسي الإيجابي، لم يلبث أن خلق انطباعاً مغايراً لدى مسيحيي فريق الأكثرية الوزارية. إذ يؤكد المواكب للمساعي المبذولة، أن هؤلاء باتوا يتداولون في ما بينهم قراءة مفادها الآتي: يريد ميشال سليمان من مبادرته التصالحية المسيحية أمرين اثنين: تكوين موقف مسيحي داعم له في مطالبته بإدراج مسألة «التوازن» بين المؤسسات، على جدول الحوار، والتمهيد لاحقاً لإنشاء كتلة نيابية رئاسية، منبثقة من «كوتا» مقتطعة من الحصتين المسيحيتين الموزعتين على طرفي الصراع.
وسرعان ما تبلور لدى مسيحيي الأكثرية الوزارية رد فعل رافض للفكرة، انطلاقاً من توجّسهم من الهدفين المفترضين، أو المتخيّلين من قبلهم. فمسألة إعادة النظر في صلاحيات الرئاسة تشكل مأزقاً محرجاً لهم حيال حلفائهم الحريريين. كذلك فإن اقتطاع حصّة من مقاعدهم النيابية، قد يؤدي إلى خلافات داخلية لا يمكنهم تحمّلها في هذا الظرف.
رد الفعل هذا سرعان ما عبّر عنه سمير جعجع في جونية: الغمز من قناة «تعديل الدستور»، إشارة إلى رفض الفكرة، وإطلاق النار السياسي على فكرة المصالحة المسيحية.
غير أن بعبدا، كما يؤكد المواكب نفسه، ردت على «تنتيع» جعجع بجهد إضافي في الاتجاه نفسه. إذ لم يكد جعجع ينهي رسائله السلبية، حتى كانت سلسلة من الاتصالات تجري بين القصر والصرح وعدد من الجهات الساعية، أدّت إلى تكثيف عمل المبادرة.
غير أن المسألة تحوّلت عملياً لعبة «بينغ بونغ» سياسية، بين محاولة إطلاق آلية المصالحة، والدأب على عرقلة هذا السعي وإحباطه.
وفي ضربة مكشوفة، رد جعجع على التكثيف الرئاسي، برفض عقد أي لقاء في بعبدا، واشتراطه دور بكركي ورعايتها.
ويترجم المواكب نفسه ألغاز هذه الضربة بالآتي: أولاً إحراج ميشال سليمان عبر طرح مرجعية الصرح، بحيث يصير رئيس الجمهورية أمام احتمالين: إمّا الإصرار على رعايته للمساعي، وبالتالي الدخول في تجاذب سلبي مع بكركي، وإمّا التراجع عن رعايته، وبالتالي نقل العقدة إلى مكان آخر.
المكان الآخر، هو ما يحدّده المواكب باللغز الثاني في رسالة جعجع. فالأخير يدرك القطيعة الكاملة بين بكركي وبنشعي، وبالتالي فهو أطلق موقفه على أمل أن يتحوّل على طريقة القنبلة العنقودية، إلى تفخيخ متنقّل. إمّا أن ينفجر بين بعبدا وبكركي، وإمّا أن ينفجر بين الأخيرة وبنشعي، وفي الحالتين تموت المبادرة.
غير أن الجهات المتبنّية لطرح المصالحة المسيحية، التقطت الرسالة ـــــ العبوة، فسارعت إلى تفكيكها، عبر العمل على عقد لقاء تمهيدي بين فرنجية وبكركي. وافق الطرفان. لكن الأول تمنّى كعادته حضور ميشال عون. انتقلت المساعي إلى الرابية، فأخذ الجنرال على عاتقه إعفاء فرنجية من واجب وفائه حياله، على أن يظلّ اللقاء الجامع كافياً لتظهير تحالف القطبين.
ذلّلت العقدة. لكن أخبار تذليلها وصلت إلى معراب، فولدت شروط إضافية: تغييب عون، وحضور نايلة معوّض!
عندها أدرك الجميع أن المسألة مزحة. طوي الملف، مرحلياً على الأقل، في انتظار سفر البطريرك والرئيس، وفي انتظار أن يدرك أحدهم أنه ليس رئيساً ولا بطريركاً.


عدد الثلاثاء ٣٠ أيلول ٢٠٠٨