الحريري في طرابلس: حتّى لا تستفحل ظاهرة الأصوليّة
طرابلس ـ عبد الكافي الصمد
كشفت الزيارة الرمضانية المفاجئة لرئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري إلى الشمال، مساء الجمعة الماضي، ونيّته الإقامة فيه ثلاثة أيام متتالية، حجم التطورات المتسارعة التي أملت عليه القيام بهذه الخطوة، ودفعته للنزول إلى الميدان على جناح السرعة. وهي المرة الأولى التي ينقل فيها الحريري عدة الشغل إلى عاصمة الشمال دون غيرها، بعدما استشعر حراجة الوضع وخشيته من أن يكون الشمال البوابة التي قد يخسر فيها كل الرصيد السياسي والانتخابي الذي غنمه في انتخابات 2005، بعدما كانت البوابة الشمالية نفسها جواز عبوره نحو تحقيق ذلك النصر المؤزّر.
وإذا كان بعضهم قد فسّر خطوة الحريري بأنها «محاولة منه لمنع رئيس الحكومة فؤاد السنيورة من قطف ثمار يومه الطرابلسي وتحويله لحسابه الشخصي»، فقد ردها آخرون إلى «تخوّف الحريري وتياره وحلفائه من احتمال تدهور الوضع الأمني في طرابلس، وعكار تحديداً، وأن يأخذ أبعاداً أكثر حدة، بعد الأصوات التي تعالت في الداخل والخارج محذرة من استفحال ظاهرة الأصولية السنّية وتصاعد القوى السلفية، مما قد يبرر للسوريين تدخّلهم، وتكرارهم نسخة التدخل الروسي في جورجيا وفق نسخة لبنانية ــــ سورية
منقّحة».
لكن السؤال الأبرز المتداول شمالاً يدور عما إذا كان الطرفان السعودي والمصري موافقين على الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، بعد قبول السوري ضمناً به، لمعرفة حجم نفوذهما الفعلي في لبنان، أو أن عدم ثقة أحد الأطراف بقدراته على الإمساك بمفاصل الجسم اللبناني، قد يدفع به إلى قلب الطاولة في لحظة ما، وإعادة خلط الأوراق، مع ما يعني ذلك من عودة التوتر الأمني إلى سابق عهده إذا استمرت عقدة «س.س» الشهيرة مستعصية على الحل.
ولعل المخاوف من تدهور الوضع الأمني كانت السبب الرئيسي وراء جعل خطاب الحريري هادئاً وأقلّ حدة من سابقيه، وفي دعوته مناصريه خلال إفطار طرابلس إلى الوقوف «صفاً واحداً خلف الجيش والقوى الأمنية لتثبيت الأمن والاستقرار والسلم الأهلي»، بعدما سبق إفطاره الطرابلسي بساعات وقوع خلاف في باب التبانة، حين تجمّع عدد من أبناء المنطقة حاملين العصي والسكاكين والحجارة، وتوجهوا نحو نقطة للجيش وهم يصرخون: «إذا كان بشار الأسد أرسلكم إلينا فاخرجوا من هنا حالاً»، وأدّت اتصالات عاجلة إلى ضبط هذه الحركة واستيعابها سريعاً.
في موازاة ذلك، فإن التحرك الأبرز للحريري في طرابلس كان في اللقاء الذي عقد في وقت متأخر من ليل أول من أمس في منزل مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار، وحضره معهما كلّ من النائب السابق علي عيد وابنه رفعت، إضافة إلى النائب سمير الجسر وهاني حمود ونادر الحريري، بعدما كان الحريري قد أجرى بعد وصوله اتصالين مع الرئيسين عمر كرامي ونجيب ميقاتي، وهو الذي استثناهما من أي اتصال أو لقاء خلال زيارته الأخيرة إلى طرابلس، والتي كان يسعى فيها وقتذاك إلى توفير حشد شعبي للمشاركة في ذكرى اغتيال والده الثالثة في 14 شباط
2008.
ولقاء الحريري مع الجهة العلوية الأبرز في طرابلس كان الأول من نوعه، وتبيّن فيه أن الحريري «يستعجل إجراء المصالحة أكثر من أي طرف آخر». وقد أصرّ الطرف العلوي على أن تكون «المصالحة مع طرابلس كلّها، لا مع المستقبل وحده الذي هو طرف رئيسي في المشكلة»، والحريري تجاوب مع الفكرة.
وقال عيد الابن لـ«الأخبار»: «أصررنا على مشاركة الرئيس كرامي الذي تحمّل معنا الكثير من المتاعب لتجنيب طرابلس مزيداً من المآسي، وأبدى الحريري عدم ممانعة في زيارته ودعوته، وكذلك الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي، وكل الفاعليات الأخرى، بمن فيهم السلفيون، لأننا نريد مصالحة حقيقية لا مجرد تبويس لحى».
لكن عيد كشف عن أنه استطلع رأي الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في الأمر، فكان رد الأخير: «نحن مع وأد الفتنة نهائياً في طرابلس»، وكذلك كان موقف رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، الذي «نعدّه أخاً كبيراً لنا، لا مجرد حليف».
وقال عيد إنه أشار إلى الحريري بأن «لقاءنا لا يعني أننا في خط سياسي واحد»، موضحاً له «إننا نؤيّد سوريا على رأس السطح، ولا نستطيع كما لا يستطيع لبنان أن يعيش من دونها أو أن يعاديها»، ومضيفاً: «لو كثر عدد السياسيين الذين يعملون مثل المفتي الشعار، لحلّت أغلب المشاكل بينكم وبين السوريين منذ زمن بعيد».





