عون في الجنوب: إنعاش التيّار وتحديد عناوين الانتخابات عونيّاً

غسان سعود
عشيّة استكمال القوى السياسيّة استعداداتها للغوص في حملات الانتخابات النيابيّة، يبدو كلام الأكثرية النيابيّة عن أهداف انتخابيّة للجولة في محله. وإن كان كلام العونيين عن موازين قوى تميل بوضوح لمصلحتهم، ولا حاجة لهم بالتالي لإتعاب عمادهم في جولة طويلة كهذه، فيه الكثير من الصحة أيضاً. فالزيارة، في رمزيّتها مسيحيّاً، وفي قراءة خطابات رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون خلالها، وفي لقائه الختامي بعشرات رؤساء وأعضاء المجالس البلديّة والمخاتير الجزّينيّين، كانت انتخابيّة بامتياز.
فهي أولاً وأساساً حركت جسم التيار الوطني الحر الغارق في نوم عميق منذ أشهر، وبثّت روح النشاط في هذا الجسم الذي لم يسبق له أن تحرك بفعاليّة كبيرة في الجنوب. وهنا، يسجل انتخابياً، على هامش الزيارة أن منسقي البلدات والأقضية العونيين، الذي تمرّسوا في لعب دور الباشوات خلال السنتين الماضيتين، وأعجبهم السيجار وربطات العنق وإعطاء التوجيهات، كانوا أول من أمس في ثياب العمل ينقلون بأيديهم الكراسي ويمسحون الغبار عنها، ويتسلّقون أعمدة الكهرباء لرفع لافتات الترحيب. وهنا، قد يكون تكرار الزيارة إلى مناطق أخرى، حاجة عونيّة ماسّة، يحتاجها التيار لاستنهاض القواعد ونفض الغبار واستعادة حماسة العمل العونيّة التقليديّة.
لكن الأهم أن الزيارة كشفت ثلاثة عناوين رئيسية سيخوض التيّار الانتخابات المقبلة في ظلّها:
الأول يتعلق بحزب الله. ففيما يستعد الأكثريون، وخصوصاً مسيحييهم، لأوسع حملة ضد «خطر حزب الله» عشية الانتخابات النيابيّة، للقول إن منح الأصوات لمرشحي عون يعني دعم مشروع ولاية الفقيه في لبنان، وإن سلاح حزب الله والحزب نفسه هو أكثر الأخطار المحدقة بالمسيحيين وبالهوية اللبنانيّة، تأنّق العماد عون وخرج من دارته في الرابية بموكب كبير ليزور «أرض الانتصار»، وليتسلّم «بكل اعتزاز» من مسؤول منطقة الجنوب في حزب الله الشيخ نبيل قاووق درعاً تذكاريةً ـــــ وساماً، هو عبارة عن أرزة تتوسطها قبضة مقاوم، قال البعض إنه يحمل غصن زيتون، والبعض الآخر إنه يحمل بندقية، وتعلوها عبارة: «معاً من أجل لبنان». ثمّ تجوّل العماد مع مقاتلي حزب الله في سراديب ملاحمهم البطوليّة، في خطوة لم يسبقه إليها أي سياسي، وكأنه بات بالنسبة إلى هؤلاء رفيق سلاح.
ومن قانا إلى مارون الرأس، مروراً بخطابه في مربّع الصمود في بنت جبيل، كتب عون، رداً على عنوان 14 آذار الذي سبق ذكره، عنوانه الأول في الانتخابات النيابية المقبلة، وهو أن «السيادة تكون على جميع تراب الوطن أو لا تكون». ويرى المسؤول العوني رمزي كنج، الذي كان ضمن الوفد المرافق لعون، أن الزيارة كانت ضرورية مع وضع عون اللمسات الأخيرة على تصوره لاستراتيجية الدفاع، مع الأخذ بعين الاعتبار خبرته العسكريّة الميدانيّة الجنوبيّة الطويلة، ومعرفته بقدرات المقاومة والجيش والشعب الدفاعية والهجوميّة. ويؤكد كنج عدم قبول عون بإدخال الاستراتيجيّة الدفاعيّة في بازار الانتخابات، واعتقاده إن خسرت الانتخابات اليوم فستربحها غداً، أما الوطن، فإن خسر مناعته، فلا شيء يعوضه.
أما العنوان العوني الثاني للمرحلة المقبلة، فيتعلق بالسلفيين (رغم جهل العونيين الكبير لتفاصيل هذا العنوان). وقد تضمنت كلمات عون الثلاث الرئيسيّة في رميش وبنت جبيل وجزين، عدّة إشارات بشأن هؤلاء. أولها في بلدة الشهيد اللواء فرنسوا الحاج حين حذّر من خطر الذين يسعون بكل جهدهم لضرب الفكرة الشاملة للوطن والتي تتجسد في المؤسسة العسكرية. أما في بنت جبيل، فتحدت عن «ثورة غريبة الشكل» تمنع التلاقي مع الآخر وترفض الاعتراف بحق الاختلاف، وتعترض على تفاهم يعترف فيه الإنسان بأخيه الإنسان، ويتفقان معاً على أن لا يكفّر أحدهما الآخر ولا يقتله.
وفي جزين، كانت الرسالة أوضح، وهي أن الخطر لا يتعلق بدعم ـــ انتخاب «الثوار غريبي الشكل» أنفسهم بل بدعم ـــ انتخاب المتحالفين مع من لا يعترفون بالهوية اللبنانية ولا بلبنان نفسه. وأوضح عماد «الوطني الحر» عنوان التيار في المرحلة المقبلة وهو التحذير من «الموجة» التي لا تعترف إلا بذاتها وتتصادم مع الحضارات كلها.
أما العنوان الثالث، فهو أن معركة استعادة حقوق المسيحيين مستمرة، وقد أضيف إليها الإصرار على تثبيت هؤلاء في أرضهم، حيثما وجدوا. وفي هذا السياق، ثمّة في التيّار من يكتفي في قراءته للزيارة عند رمزيّة حج العونيين إلى أبعد البلدات المسيحيّة التي، وفق كلامهم، رسمت الحدود اللبنانيّة عام 1926، بحسب حدودها (جنوباً، شرقاً، وشمالاً). فتأخذ الزيارة، عند هؤلاء، طابعاً رعوياً، وكأن هدفها القول أن عون، الزعيم المسيحي، حريص على أبوّته لكل المسيحيين حيثما كانوا. وهنا، يقول كنج إن رئيس «التغيير والإصلاح» وجّه رسالة واضحة باهتمامه بالذين يرى البعض أن لا قيمة انتخابيّة لهم، والذين أهملوا ولم يسأل عنهم أحد لا قبل ولا أثناء ولا بعد الحروب اللبنانيّة. وهو في هذا السياق حرص على دعوة الناس للثورة ضد التمديد لدولة ضربت كل مقومات «الصمود الاجتماعي»، وعلى التذكير بمحاولته تعزيز بقاء الناس في أرضهم من خلال مساعدته في إنشاء فوج مسلّح يتبع للجيش، تطوّع فيه الجزينيّون حتى لا يحملوا سلاحاً غير شرعي. دون أن ينسى الإشارة ضمناً، يقول كنج، إلى دور عون في دفع الدولة اللبنانية رئيساً وحكومة إلى تبنّي مطلب التيار بتسهيل عودة الذين لجأوا إلى إسرائيل عام 2000. كل ذلك في جزين التي أسهم في توفير الفرصة لأبنائها بإيصال من يريدون إلى المجلس النيابي، بعدما فشل بذلك كثير من ممثلي المسيحيين.


عدد الثلاثاء ٢٦ آب ٢٠٠٨