جاز وأوبرا... وقليل من الكلاسيك
بشير صفير
ميشال لوغرانعاد فصل الصيف وعادت الموسيقى إلى المهرجانات العربية. ويختلف الموسم هذه السنة، إذ يشارك لبنان بالتظاهرة من خلال مهرجاناته الدولية الثلاثة بعد التعثّر الذي عاناه في السنتين الأخيرتين. ومع الانفراج المفاجئ في الأوضاع السياسية المحلية، لملم المنظمون عدّتهم فصاغوا برامجهم التي بدت جيدة نسبة للوقت المتاح، وخجولةً نسبة للبرامج الغنيّة السابقة التي كانت تشغل اللجان على امتداد السنة، وتقدّم اللحظات الموسيقية التاريخية في الصيف. لكنّ الخسارة الأكبر لهذا الموسم طالت الموسيقى الكلاسيكية في الدرجة الأولى، وخصوصاً في برنامج مهرجانات «بيت الدين». إذ إنّ «بيبلوس» لا تولي هذا النمط اهتماماً يُذكر في الأساس، و«بعلبك» أنقذت الموقف بالتي هي أحسن. أما الجاز فحاضر بأسماء كبيرة في البرامج الثلاثة، في حين تفوز «بيبلوس» بالضربة القاضية (مع تشوتشو فالدس وميشال لوغران). أما بالمقارنة مع المهرجانات العربية التي تتزامن مع الحالة اللبنانية، ودائماً في ما يخص الموسيقى الكلاسيكية والجاز، فيجب توجيه تحيّة بمهرجان «الأردن» الذي يستضيف أحد أساطير الغناء الأوبرالي في العالم، التينور الإيطالي بلاسيدو دومينغو (القريب من النخبة ومن الجمهور الكبير في آن)، ورمز الغناء في عالم الجاز المعاصر، المغنية وعازفة البيانو ديانا كرال. أما في «قرطاج» و«القدس» فلا شيء استثنائياً في هذا السياق.
تانيا ماريابالعودة إلى لبنان، تستقبل «بيبلوس» واحداً من أبرز الوجوه التي مثّلت الجاز اللاتيني وصنعت حالته العالمية. إنّه عازف البيانو الكوبي تشوتشو فالدس. يقدم فالدس حفلة (28 الشهر الحالي) مع فرقته الخماسية التي تحمل اسمه، ويوافيه في الليلة التالية في لقاء استثنائي وجهاً لوجه من خلف آلتَي بيانو (بمرافقة درامز وكونترباص)، المؤلف الموسيقي الفرنسي العتيق ميشال لوغران الذي يصعب حصر تجربته بنمط واحد، ولو أنّه قريب من الجاز لكونه من مؤسسي حالته الفرنسية. وإذا استعرضنا سريعاً مسيرة الكبير لوغران، يمكن أن نعيش حالة ترقب ونتخيل النوتات التي سيختارها ويرتجلها. هذه الليلة سيمثل ارتجال لوغران، في مقابل فالدس، خلاصة سنوات من التأليف (والعزف أو الأداء) في عالم الجاز والموسيقى الكلاسيكية الحديثة والطليعية والموسيقى التصويرية التي كتبها لعشرات الأعمال السينمائية والمسرحية، وغير ذلك من الخبرات التي راكمها على امتداد أكثر من نصف قرن.
أما في «بيت الدين»، فإنّ الموسيقى الكلاسيكية ليست غائبة فحسب، بل هي مُمَثّلة بأحد أكثر تياراتها الحديثة انفصالاً عن حالتها الأصلية والجميلة بصلابتها، أي الغناء الأوبرالي الحديث الذي يختار من الأعمال مقاطعها الأسهل قبولاً من الجمهور، مع الكونترتينور اللبناني الأصل ماتييو. وهنا تجب الإشارة إلى ملاحظتين: أولاً، تسمى هذه المدرسة في عالم التسويق الموسيقي بالـ«كروس أوفِر». وهي طالت قبل الموسيقى الكلاسيكية (الأعمال الآلاتية عموماً والأعمال الأوبرالية تحديداً) أنماطاً أخرى مثل الجاز والبوب والروك. من حسناتها أنها تخلق توليفة يسهل عبرها تقبل الموسيقى الكلاسيكية من الجمهور صاحب الأذن الطرية في هذا المجال. ثانياً، تعدّ الألبومات المدرجة تحت هذا العنوان من أبرز مصادر تمويل المشاريع الطليعية والنخبوية في الشركات الكبرى المتخصصة بإنتاج الموسيقى الكلاسيكية. ونشير في ما يخص المغني ماتييو، إلى أنّه صاحب صوت كبير في فئة الكونترتينور، أو الصوت القريب من الميدزو ــــ سوبرانو عند النساء الذي يعدّ البديل الأقرب للـ«كاستراتو»(حالة خاصة وغير إنسانية لم تعد موجودة منذ أواسط القرن الثامن عشر). ويرافق ماتييو عازف التشيلو اللبناني نسيب أحمدية الذي يُعدّ من أبرز المشاركين العرب في مشروع دانيال بارنبويم والراحل إدوارد سعيد، أيّ «أوركسترا الديوان الشرقي ــــ الغربي». الحفلة إذاً ستكون موجّهة إلى محبي الأصوات الجميلة والمقتطفات الأوبرالية الشهيرة أو المألوفة وليس إلى مَن اعتادوا العمل الأوبرالي المتكامل في «بيت الدين». أما الجاز، فسيتمثّل في المهرجان خير تمثيل مع برانفورد مَرسالِس وفرقته الرباعية (15 الشهر الحالي). وحضوره هو حفاظ على المستوى الرفيع الذي اعتدناه في السنوات السابقة. وبرانفورد، ابن العائلة العريقة في عالم الجاز، هو عازف ساكسوفون أميركي صاحب شهرة عالمية، ومجدِّدٌ بحدود في مجال الجاز المعاصر، اكتسب بذور الجاز منذ أوائل الثمانينيات من شقيقه الغنيّ من التعريف وينتون مَرسالِس.
بلاسيدو دومينغووفي «بعلبك»، لا يمكن اعتبار البرنامج استثنائياً، ولا بدّ من أن نأخذ في الاعتبار ضيق المساحة الزمنية التي أتيحت للمنظمين. الموسيقى الكلاسيكية حاضرة بشقيها الآلاتي المنفرد والغنائي الأوبرالي. هكذا سيقدّم عازف البيانو اللبناني عبد الرحمن الباشا في 28 آب (أغسطس) رؤيته لأعمال من كلاسيكيات ريبرتوار الموسيقى الكلاسيكية، منها ما هو كلاسيكي بالنسبة إلى الباشا نفسه (بيتهوفن، شوبان) ومنها ما هو جديد (أعمال للراحل توفيق الباشا، وأعمال لباخ المؤلف الذي لم يشتهر به عبد الرحمن)... وفي ما يخص الغناء الأوبرالي، اختار المهرجان التوليفة المشابهة بالشكل لتوليفة «بيت الدين»، لكنها مختلفة لناحية التوجُّه. بمعنى آخر، تعدّ إطلالة السوبرانو الأرمنية هاسميك بابيان (9 آب)، متوجهة بالحد الأدنى إلى الجمهور المتخصص بفنّ الأوبرا. بابيان ستغني من أعمال أوبرالية لرمز حقبة البروك في هذا المجال، هاندل، وللمعلم الأكبر (في الحقبة الكلاسيكية وعموماً)، موزار، بالإضافة إلى كلاسيكيات «بل كانتو» إيطاليا القرن التاسع عشر (دونيتزيتي، روسّيني، فيردي، بوتشيني، كاتالاني). من جهة ثانية، ستكون المرافقة لآلة البيانو منفردة (مواطن هامسيك، آفو قيومجيان) بدل الأوركسترا كما في التأليف الأصلي، وهو أمر رائج وطبيعي وليس فيه إساءة للقيمة الموسيقية لهذه المقتطفات. أما الجاز، فهو لاتيني غنائي بوجه نسائي في «بعلبك» هذه السنة، مع المغنية وعازفة البيانو البرازيلية تانيا ماريا (16 آب)، صاحبة المدرسة المخضرمة في مجاوزة الجاز الكلاسيكي بالنّفَس البرازيلي الشعبي.
في الختام، يجب عدم مقارنة برامج المهرجانات اللبنانية في ما يخص الموسيقى الكلاسيكية والجاز لهذه السنة، بما أنجزته في السابق... سنستمتع بما توافر، وهو جيد جداً. لكن لمزيد من المتعة (والحسرة أيضاً) تبدو مراجعة تاريخ بعلبك قبل الحرب الأهلية أمراً ضرورياً.
إيما شابلين في «الحمّامات»
تبدو تونس، هذا الصيف، بين الأقدر على استقطاب الأسماء العالميّة. هناك السوبرانو الفرنسيّة إيما شابلين (الحمامات) التي طعّمت الأوبرا بالبوب والروك والترانس، على نصوص من القرون الوسطى. ولا ينبغي أن ننسى المغنية الإسبانية لوز كازال التي اقترن بها فيلم بيدرو ألمودوفار Talons Aiguilles، وممثلته فيكتوريا ابريل التي تغنّي أيضاً في «الحمامات». ونشير أيضاً إلى فنان السالسا أوسكار دي ليون، ومغنّي البلوز لاكي بترسون الذي شرّع أغنيته على الفانك والروك...





