الحرب المقبلة

أسامة أنور عكاشة *
فلسطين، كلمة كنّا ندرسها بشكل محدود، لم نكن نعيها إلا عندما خاضت مصر حرب 56، بدأنا وقتها نعي أبعاد المؤمراة ونعتبر إسرائيل عدواً تاريخياً لنا منذ ذلك الحين. إذاً لا فرار من المواجهة بيننا، حتى مع ما يرده بعض الساسة بأنّ مصر خاضت أربع حروب نيابةً عن العرب من أجل فلسطين، وأنّه آن الآوان لتستريح بعدما دفعت الفاتورة كاملة. هذا غير صحيح، فمصر وقّعت «معاهدة السلام» في كامب ديفيد منذ أكثر من 25 عاماً... هل استراحت؟ مصر للأسف تخلّت عن دورها في مواجهة اسرائيل، واكتفت بدور المحلل السياسي، وتخلّت بالتالي عن وضعها وأهميتها في المنطقة العربية والعالم ككل، والدفاع عن الفلسطينين هو دفاع عن الذات، لكن الدولة التي باعت الغاز لإسرائيل للأسف هي التي باعت مصر.
مشكلة مصر مع إسرائيل ليست بسبب فلسطين، لأنه حتى إذا تم التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، ستظل مصر هي المطمع والجائزة الكبرى التي تحلم بها إسرائيل والصراع «مصري ــــ إسرائيلي» وليس «عربياً ــــ إسرائيلياً». مصر بقوة الكوادر البشرية وإسرائيل بقوة التقدم التكنولوجي، مجالان متقاطعان في منطقة نفوذ لا التقاء بينهما تماماً.
المثقف مطالب بقوة أن يؤدي دوراً تنويرياً تجاه القضية الفلسطينية، أن يتصدى لمحاولات التطبيع أو فرض الوجود الإسرائيلي داخل المنطقة التي كانت تأتي أحياناً من المثقفين أنفسهم. الحياة الثقافية في الوطن العربى منغلقة على ذاتها تجاه كل القضايا، وتقلبات المثقفين العرب دائماً حادة، ومن النقيض إلى النقيض. لذا كان على المثقف أن يتصدى لمحاولات تلميع القضية، وهو ما ركّزتُ عليه في أعمالي التلفزيونية المتعددة. ركّزتُ على أنّ المحارب والمواطن العادي هو صاحب الانتصار الحقيقي، ولا تخلو أي أسرة مصرية من شهيد أو مشارك في الحروب الأربع. المحارب المصري الذي خاض أربع حروب لم يكن هو المستفيد على الإطلاق. فلسطين ما زالت رمزاً على أنّنا لا نزال وطناً منتهكاً، وطن لم يحظَ بحرية حتى الآن، وأؤكد أن المواجهة المقبلة لن تكون بين الإسرائيليّين والفلسطينين، بل ستكون بين مصر واسرائيل... وذلك قدر وليس اختيار.

* سيناريست مصري