التضامن العالمي: الوجه الآخر لتدويل القضيّة

طفلة تشارك في تظاهرة إحياءً لذكرى النكبة في عمّان (علي جاركجي ـــ رويترز)طفلة تشارك في تظاهرة إحياءً لذكرى النكبة في عمّان (علي جاركجي ـــ رويترز)منذ وُلِدت «القضية الفلسطينيّة»، كانت مدوَّلة. تدويل حمل إليها التآمر العالمي، كما غذّاها بجرعات تضامن اختلفت مقاديرها مع اختلاف العصور وأسياده. مسيرة حمل رايتها قوميّو العروبة، وخصّوصاً أهل اليسار وكل من فهم القضيّة على أنها مجرّد مسألة ظالم ومظلوم، مستغِل ومستغَلّ، ساحق ومسحوق

أرنست خوري

فلسطين، تلك اللادولة، يشار إليها في العالم باسم حركي هو «الأراضي المحتلّة». بالتالي، تلازم انطلاق الحديث عنها مع إرادة دولية عبّر عنها الاحتلال الإسرائيلي. فـ«شعب الله المختار» أتى من كل أصقاع الأرض، بتواطؤ مع قوى الاستعمار البريطاني والفرنسي، لينشئ كياناً، أدرك مؤسّسوه ويعرف قاطنوه أنّه لا قدرة لديه على البقاء في هذه المنطقة الغريبة عنه ثقافياً وحضارياً إلا بدعم «المجتمع الدولي».
الحديث عن مصلحة عواصم الغرب تاريخياً، بزرع كيان صهيوني في فلسطين، بات نافلاً ومفروغاً منه. ماذا عن الوجه المناقض لميدالية تدويل القضية الفلسطينية؟ بكلام آخر، ماذا عن تلك الظاهرة التي تعبّر عنها حقيقة أنه من آخر بقعة من جزر فوكلاند جنوبي الأرجنتين، حتى آخر نقطة مأهولة من شمال الكرة الأرضية أو شرقها وغربها، كلمة فلسطين تبدو مألوفة على الآذان؟
«فلسطين قضية العرب المركزية»، شعار لم يكن مرحلياً، لكن الترجمة العملية له كانت مرحلية جداً. فيوم كان العرب يعتبرون أن المقاومة فعل شرعي، لا بل واجب يومي، كانت حركة التضامن العربية مع الفلسطينيين شيء، ويوم تبنّوا التعريف الأميركي للإرهاب باتت شيئاً آخر.
ولما كان مصطلح «تضامن» يحمل نكهة أخلاقية أساساً، فإن تجليات هذا التضامن اختلفت حسب تغيّر المراحل السياسية والأزمنة والظروف.
النظام العربي الرسمي لم يكن واحداً تجاه القضية الفلسطينية؛ فخلال مرحلة حركة التحرر الوطني، تقاطعت مصلحة عدد من هذه الأنظمة في دعم «الثورة الفلسطينية» تسليحاً وتمويلاً وإيواءً مع حاجة ملحّة لدى فصائل هذه الثورة المنضوية ضمن منظمة التحرير الفلسطينية المحتكرة للنضال الوطني تحت شعار «الممثل الأوحد والوحيد للشعب الفلسطيني».
ما كان سائداً قبل اعتراف «المنظمة» بدولة إسرائيل في عام 1987، اختلف جذرياً عمّا تلا ذلك التاريخ الذي يعتبره كثرٌ الحرف الأول في ورقة نعي حلم إقامة دولة فلسطينية. كذلك، فإنّ التعاطي العالمي (العربي والغربي) مع المقاومة الفلسطينية اختلف بعد ذلك التاريخ المركزي.
أيضاً اختلفت معايير الحكم، فما رآه البعض انتقالاً للعمل المقاوم من حيّز الفدائي المتخفّي في بيروت وعمان وتونس، إلى إطار الاحتضان الشعبي في رام الله وجباليا، وضعه آخرون في خانة القبول بالوضع القائم وخفض سقف النضال.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى النقاش الذي يُثار عند الحديث عن أسلوب الكفاح المسلح، وخصوصاً خطف الطائرات (الجبهة الشعبية) من ناحية إبراز القضية عالمياً واستعطاف الدعم أو بالعكس. انقسام الرأي جذري وكبير بين من يقول إنّ استراتيجيّة خطف الطائرات فتحت عيون العالم على القضيّة المنسيّة، وبين من يعتبر أنه بالعكس أدّت إلى تشويه نبلها وتحويل المدافعين عنها إلى موقع المتّهم.
الكلام نفسه يسري على أثر الانتفاضات: فعسكرة الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى 2000) برأي شريحة واسعة من الغربيين والعرب، أضرّت بالقضيّة بما أنها حصرت المواجهة بين عسكر لا قدرة له على مواجهة آلة القتل الإسرائيليّة الأعتى في المنطقة، وحرمت شرائح شعبيّة واسعة من المشاركة في النضال السلمي والعصيان المدني التي يقول البعض إنّ الانتفاضة الأولى (1987) جسّدته وإنه كان صاحب أثر إعلامي ودعائي أكثر فعاليّة من «انتفاضة الأقصى» وما تلاها منذ عام 2000 حتّى اليوم.
من جهة أخرى، لم يكن هناك يوماً وحدة تنظيمية حول التعاطي التضامني مع القضية الفلسطينية، من إليتش سانشيز راميريز «كارلوس» الذي أتى من تشيلي ومعه رفاقه اليابانيّون ليحملوا السلاح، كترجمة لفهم أممي اشتراكي للتضامن مع مسحوقي العالم، وراشيل كوري مثلاً، إلى موائد العشاء السخية في السويد وأوستراليا التي يعود ريعها إلى الشعب الفلسطيني.
لكنّ الأكيد يبقى أنّ حركة التضامن العالميّة مع القضية والشعب الفلسطينيين لا تزال أكثر تنظيماً وتماسكاً مما هي عليه في العالمين العربي والإسلامي عموماً، إذ يبقى الوضع في الحالة الثانية مقتصراً على حركة بدائيّة دينية غير منظّمة، بينما هي تتّسم بالوعي السياسي في الغرب (عدا الاستثناءات الكبيرة التي يمثّلها حزب الله مثلاً).
ويشهد على هذا الأمر، التظاهرات التي تعمّ شوارع العواصم الغربية عند ارتكاب جيش الاحتلال الإسرائيلي مجازره بحقّ الشعب الفلسطيني، بينما لا تشهد العواصم العربية سوى حركة خجولة، وأحياناً يغيب الحدث عنها.
وفي السياق، يمكن التفريق بين خلفيات وهويات الأطراف الغربية المتضامنة مع فلسطين:
ـ معسكر اليسار الجذري أيام عزّه. أجيال ما بعد ثورة الطلاب في أيار 1968، آمنت بعدم جدوى أي تضامن خارج إطار الكفاح المسلَّح. عقيدة تلاقت مع فصائل فلسطينية يسارية بنت جزءاً كبيراً من رصيدها الشعبي من تبنّيها لفلسفة الثورة، فشهد العالم أوسع تنسيق بين اليسار الفلسطيني.
باكستانيّون يحرقون العلم الإسرائيلي في كراتشي بمناسبة الذكرى الستين للنكبة (أصف حسن ـــ أ ف ب)باكستانيّون يحرقون العلم الإسرائيلي في كراتشي بمناسبة الذكرى الستين للنكبة (أصف حسن ـــ أ ف ب)غير أنّه في مرحلة لاحقة، برزت معضلة جديدة في قلب تيّار اليسار «المتطرّف» التروتسكي بغالبيّته الساحقة، وهي أنّ اللوبي الصهيوني في أوروبا خصوصاً، تمكّن من التحكّم بمفاصل الموقف من القضيّة الفلسطينيّة داخل هذه التنظيمات اليساريّة الجذرية.
ـ «تيّار الشفقة العالميّة» على شعب تبثّ فضائيات مشاهد قتله البارد. فالجمعيات الدينيّة، الإسلاميّة والمسيحيّة منها، نظرت إلى القضيّة الفلسطينيّة من زاوية «إنسانويّة» بحتة، تحت ذريعة «الابتعاد عن السياسة». وتندرج من ضمن هذه الخانة، حملات التبرّع بالأموال في العالم. هي نفسها النظرة الدينية التي دفعت ببابا الكاثوليك يوحنا بولس الثاني إلى مباركة دولة إسرائيل ومساواة القاتل بالضحيّة عندما كان يأمل «إحلال السلام بين الطرفين المتقاتلين». لكن حتّى في التيار المسيحي نفسه، لا يمكن تعميم أيّ حكم، فشتّان بين موقف البابويّة، وقناعات تيار «لاهوت التحرير» التاريخي في أميركا اللاتينيّة خصوصاً، حيث استطاع مؤسّسو هذا التيار أن يوحّدوا بين إيمانهم الديني العميق مع ثقة بأنّه لا مكان للإيمان المسيحي إلا بتلازمه مع نضال سياسي يدعم الشعوب الفقيرة والمظلومة والمسحوقة.
ـ المناهضة اليهوديّة للصهيونيّة (اسم كتاب للمؤرّخ اليهودي ياكوف رابكين). كثيرون يعتبرون أنّ هذا التيّار من المثقّفين اليهود المناهضين للصهيونيّة هو المحامي الأهم للفلسطينيين. إذ إنه يفضح الدعاية الصهيونيّة من داخل مؤسساتها. وليس جميع اليهود المناهضين للصهيونيّة موحّدين في أسباب معارضتهم تلك. فهناك من يرفض حتّى قيام دولة إسرائيل لأسباب دينيّة توراتيّة (يسمّون أنفسهم اليهود الحقيقيين أو LES VRAIS JUIFS). والبعض الآخر يرى أنّ الحركة الصهيونيّة مسخت الدين اليهودي وعصرنته (رابكين نموذجاً). والبعض الآخر نضاله إلى جانب الفلسطينيين سياسي بامتياز. فنورمن فنكلستين ودايفيد بارنبويم ونعوم تشومسكي والعشرات لا بل المئات من أبرز أسماء الفكر والأدب والفنّ ممن يناهضون سياسات تل أبيب منذ نشأتها، هم بغالبيتهم الساحقة من أهل اليسار، وينطلق موقفهم السياسي من مبدأ الانحياز إلى جانب شعب مسلوبة أرضه ومهضومة حقوقه... لا بل ممنوع عليه أن يعيش.
ـ المناهضة الإسرائيليّة للصهيونيّة. وهو تيار مؤلف من يهود إسرائيليين تعبّر عنهم جمعيات مجتمع مدني، في مقدّمها حركة «السلام الآن»، تعتبر نفسها معنيّة وملتزمة بمحاربة بناء المستوطنات وتهويد القدس وباقي المدن العربيّة التي احتلّتها إسرائيل من 1967 والنضال ضد حروب تل أبيب (تمكّن هؤلاء من جمع أكثر من 5 آلاف إسرائيلي في التظاهرات اليوميّة التي رافقت الأيّام الـ33 لعدوان تموز 2006).
اليوم، انتقل مركز الثقل في التضامن العالمي، من أحزاب اليسار في العقود الماضية، إلى حركة مناهضة العولمة أو «العولمة البديلة» في المنتديات الدوليّة. فقد حجزت القضية الفلسطينية لنفسها موقعاً مركزياًَ في منتدى «بورتو أليغري» وسائر المنتديات الاجتماعية، بينما عاد ذلك البريق إلى الأفول في ما بعد، كنتيجة انخفاض وزن هذه المنتديات.
وقد يكون من بين أهم أسباب تراجع حركة التضامن الدوليّة مع القضية الفلسطينيّة، أنه لم يوجد إطار موحّد لها، نظراً إلى تنوّع الخلفيّات التي انطلقت من دعمها للشعب الفلسطيني.
كما من المفيد ملاحظة كيف أنّ تحوّل الشعار من «التضامن مع القضية الفلسطينية» إلى «التضامن مع الشعب الفلسطيني»، يشكّل مؤشّراً إلى انخفاض منسوب تسييس التضامن الأممي واتخاذه منحى إنسانياً أكثر منه سياسياً.



«نضالنا في أوروبا معركة أفكار»

يرى رئيس اللجنة البرلمانيّة الأوروبيّة ـــــ الفلسطينيّة، النائب اليساري في البرلمان الأوروبي ميغيل بورتاش، ردّاً على أسئلة «الأخبار»، أنّ التضامن الأوروبي مع الشعب الفلسطيني مسألة رئيسية في «معركة الأفكار» لكسب الرأي العام الأوروبي حول النزاع الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي.
ويرى أنّ مسؤوليّة أوروبا في هذا النزاع كبيرة جدّاً، بما أنها تعود إلى سياسات التمييز العنصري بحقّ يهود أوروبا والمحرقة التي ارتُكبَت بحقّهم، وهي العناصر التي تشكّل بحسب بورتاش، «جذور البرنامج السياسي للحركة الصهيونيّة الأوروبية».
وينطلق النائب في حزب «اليسار الموحَّد» (شيوعي) من هذه المعطيات ليصل إلى التأكيد بأنّ الشعب الفلسطيني لا يتحمّل أي مسؤوليّة عن هذه السياسات العنصريّة التي مارسها الأوروبيون بحقّ اليهود، ورغم ذلك يتمّ تدفيع الفلسطينيين ثمن هذه الممارسات والسياسات.
كما يشدّد على أنّ الفلسطينيّين ليسوا مسؤولين البتّة عن شعور الأوروبيين بالندم على هذه السياسات، وهو شعور تترجمه سياسات رسميّة تتطابق مع الاستراتيجية الأميركية لمعظم العواصم الأوروبيّة إزاء القضيّة الفلسطينية.
وعن دور حركات التضامن الأوروبية اليوم، يشير بورتاش إلى أنّه يسعى إلى توضيح أمر غاية في البساطة للأوروبيين، يُختَضَر بأنّه يحقّ للفلسطينيين شأنهم شأن جميع شعوب العالم أن تكون لديهم دولة ـــــ أمّة. كما إن هذه الحركات تأخذ على عاتقها مهمّة التشديد على أنّه لا يمكن لأي جريمة ارتُكبت تاريخياً بحقّ اليهود أن تبرّر لجوء الضحيّة إلى ارتكاب مجازر بحقّ شعوب أخرى.
ويعود بورتاش ليلفت إلى أنّ نضال حركات التضامن الأوروبية مع القضية الفلسطينية، الذي يهدف إلى التوصّل لحلّ يستند إلى قرارات الأمم المتّحدة، هو نقدي بامتياز لتبعيّة العواصم الأوروبية للسياسة الأميركيّة. ويصف وضع الدول الأوروبية في هذا الشأن بأنه «دفع لفاتورة السياسة الأميركيّة».
وعن الدور الذي يؤدّيه النواب الأوروبيون المناصرون للقضية الفلسطينية، يشير بورتاش إلى جملة من النشاطات، منها يأخذ حيّزاً أوروبياً شاملاً، ومنها الآخر على الصعد الوطنيّة. ففي بلده البرتغال، نظّمت حركة التضامن الموحّدة (مع القضية الفلسطينية) في 26 أيار الماضي، ولمناسبة الذكرى الستين للنكبة، نشاطاً جماهيريّاً موسّعاً، شارك فيه عدد من النواب وحامل جائزة نوبل للآداب الروائي الشيوعي جوزي ساراماغو، وشخصيّات من الكنيسة الكاثوليكية، إضافة إلى مشاركين يهود معارضين للسياسة الإسرائيليّة. كما شارك بورتاش في 16 أيار الفائت، في نشاطات مماثلة في مدينة ستراسبورغ الفرنسيّة. أمّا على صعيد النواب الأوروبيين، فيشير إلى مساعٍ لتنظيم زيارة لعدد من النواب الأوروبيين إلى الأراضي المحتلّة حيث يتوقّع أن يكون موقفهم من المجازر التي تحصل في قطاع غزّة «حازمة جداً».
ولا يزال بورتاش يعوّل على تعزيز التعاون والعمل المشترك مع اليسار الفلسطيني، من خلال مشاريع ونشاطات ملموسة. وهو يرى أنّ تعزيز مكانة اليسار في المجتمع والحياة السياسية الفلسطينيّة من شأنه مساعدة حركات التضامن الأوروبية. وهو يشير في هذا السياق، إلى أنّ الأوروبيين مستعدّون لفعل كل ما يلزم لدعم الخطّ الثالث الفلسطيني اليساري ليكسر الحصريّة التي تمثّلها كل من حركتي «فتح» و«حماس». وهذه الرؤية ترجمها وفد برلماني من حزب اليسار الأوروبي في نهاية شهر نيسان الماضي حين زار الأراضي المحتلّة، حيث كان الهدف الرئيسي البحث في أفضل السبل للتعاون مع الأحزاب الفلسطينيّة اليسارية الخمسة.