تمثيل الشمال في الحكومة المقبلة على «قدّ الحال»

طرابلس ــ عبد الكافي الصمد
تقتصر حصة الحلفاء الشماليين للمستقبل على الصفدي (أرشيف)تقتصر حصة الحلفاء الشماليين للمستقبل على الصفدي (أرشيف)عندما صعد الرئيس المكلّف سعد الحريري إلى المقر الرئاسي الصيفي في قصر بيت الدين، في 7 أيلول الفائت، وقدّم إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان، بعد 70 يوماً من استشاراته النيابية، تصوراً لـ«تشكيلة حكومة وحدة وطنية من ثلاثين وزيراً على أساس صيغة 15ـــــ10ـــــ5»، وعدم قبول أغلبية الكتل المضي معه في تصوّره، فاعتذر قبل أن يعاد تكليفه، تبيّن أن حصة الشمال في تلك التشكيلة التي لم تبصر النور كانت على «قدّ الحال».
التشكيلة التي تسرّبت إلى وسائل الإعلام ضمّت خمسة وزراء شماليين فقط، 3 منهم نساء حملن على الورق منصب معالي الوزيرة للمرة الأولى، وهن: فيرا يمين (وزيرة دولة)، ريا الحفار الحسن (المال) وندى مفرج (الطاقة والمياه)، إضافة إلى إبقاء وزيرين من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، هما: محمد الصفدي (النائب الوحيد بين الخمسة) حاملاً حقيبة الاقتصاد والتجارة، إلى جانب طارق متري وزير دولة، بعد نزع حقيبة الإعلام منه.
وباستثناء الردّ الرافض من النائب سليمان فرنجية على توزير يمين، عضو المكتب السياسي في تيار المردة، وإشارته إلى أن وزارة الدولة «مرتجعة مع الشكر»، خيّم على طرابلس والشمال صمت شبه مطبق حيال الحصة غير الوازنة لما يفترض للشمال أن يناله.
ولم ينبع هذا القبول على مضض بما أعطاه الرئيس المكلف للشمال من حصة في حكومة دفنت فور ولادتها من فراغ، بل ممّا أفرزته الانتخابات النيابية من نتائج حجّمت إلى حد الإلغاء نواباً وقوى كان يمكن أن يفكّروا في الاعتراض، وحوّلت ما بقي من هؤلاء إلى تابعين أو حلفاء من درجة ثانية، لا قدرة لهم على التحرك إلا ضمن هامش ضيّق، لا يغيّر الوقائع التي ترجمتها صناديق الاقتراع.
لكنّ ذلك كله لم يمنع أوساطاً سياسية شمالية متباينة التوجهات من إبداء ملاحظاتها على التشكيلة السابقة، وعلى ما يمكن أن يتمخّض عنه الحراك الراهن لبلورة تشكيلة حكومية قد تنال موافقة الكتل، وأبرز هذه الملاحظات هي:
ـــــ تمسّك العماد ميشال عون بتوزير جبران باسيل، رغم أن مرشحي التيار الوطني الحر الثلاثة في الانتخابات النيابية في الشمال، ومن ضمنهم باسيل، قد خسروها.

رغم تحسّن العلاقة بين الحريري وكرامي، فإنها لم تصل إلى حدّ توزير الرئيس المكلّف أحداً كراميّاً

ـــــ اختيار القوات اللبنانية وزراء من خارج الشمال لتمثيلها داخل الحكومة، مع أن أربعة من نوابها شماليون.
ـــــ رفض فرنجية حقيبة وزارة الدولة، ومن ثم إعلانه أنه مستعد للتنازل عن حصته الوزارية تسهيلاً لقيام الحكومة، ما من شأنه تقليص حصة الشمال أكثر.
ـــــ اقتصار حصة حلفاء تيار المستقبل الشماليين في الحكومة على الصفدي، الذي بات، قياساً بما كان عليه أيام التكتل الطرابلسي قبل استهدافه وانفراط عقده، في موقع لا يمكنه فيه فرض شروطه على الحريري لاختيار الحقيبة التي يراها ملائمة له، بل القبول بما يعرض عليه مع هامش اعتراض محدود.
ـــــ استبعاد توزير الرئيس نجيب ميقاتي أو من يمثّله، لأن الحكومة المقبلة لن تكون في الغالب حكومة أقطاب، وميقاتي الذي يرى نفسه مرشحاً دائماً لرئاسة الحكومة ليس في وارد إنزال طموحاته إلى مستويات أدنى، كذلك فإن الحريري لن يعمل على توزير مقرّب من ميقاتي سيعمل على تعزيز نفوذ الأخير، وسيكون إذا فعل كمن يجلب الدب إلى كرمه.
ـــــ رغم تطور العلاقة إيجاباً بين الحريري والرئيس عمر كرامي أخيراً، فإنها لم تصل بعد إلى حد إقدام الرئيس المكلف على توزير أحد المقرّبين من كرامي، لاعتبارات سياسية عدة.
ـــــ استبعاد توزير أي نائب من تيار المستقبل في الحكومة، في إطار توجّه داخلي يقضي بفصل النيابة عن الوزارة، وطرح النائبين سمير الجسر وأحمد فتفت للتوزير بقي مجرد تسريبات، بسبب مشاكل داخلية يعانيها الأول، والتجربة غير المشجعة للثاني في حكومة السنيورة الأولى.
ـــــ وجود توجّه لدى الرئيس المكلّف لتكرار تجربة والده في توزير مستشارين وموظفين محسوبين عليه، لمساعدته في تنفيذ برنامجه المالي والاقتصادي الذي حمله نحو عقد ونصف، وعلى هذا الأساس جاء اختياره للسيدتين الحفار الحسن ومفرج.
النقطة الأخيرة استوقفت مصادر سياسية رأت أن «احتمال بقاء السيدتين المذكورتين في الحكومة المقبلة للحريري مرجّح جداً، لأنهما ستترجمان خطته وتوجهه في خصخصة بعض القطاعات». فالأولى عملت سابقاً مستشارة للرئيس فؤاد السنيورة عندما كان وزيراً للمال، ولوزير الاقتصاد الراحل باسل فليحان، وتولّت تنسيق مشروعات مشتركة بين الوزارتين والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، فيما عملت مفرج سابقاً في مجلس الإنماء والإعمار، ثم غادرت إلى الولايات المتحدة حيث ما زالت تعمل في البنك الدولي وتتولى إدارة ملفّي سوريا ولبنان فيه.
لكن، مع أن الحريري خرج بعد لقائه سليمان يومذاك ليؤكد إصراره على تأليف حكومة تكون في «خدمة المواطنين وقضاياهم»، فإن رداً غير مباشر على ضمور حصة الشمال جاءه عبر صحف طرابلسية تعدّ نفسها لسان حال الأكثرية، انتقدت التفاوت في الخدمات التي تقدمها وزارة الأشغال مثلاً لطرابلس والشمال مقارنة بما قدمته للشوف وعاليه، لدرجة أن جريدة «حرمون» رأت أن الوزير غازي العريضي «كثير الضجيج في طرابلس، وكثير الطحين في مناطق أخرى!».


عدد الثلاثاء ٣ تشرين الثاني ٢٠٠٩