فرعون وسكاف: حزبان مقنّعان في خدمة الطائفة
الوزير الياس سكاف سيعلن غداً الخطوط العريضة لتحرّكه الجديد (أرشيف)تنضم هذا الأسبوع طائفة الروم الكاثوليك إلى نادي الطوائف اللبنانية التي تتكلّم باسمها أحزاب هي في الأساس منابر لزعماء طائفيين. ومفارقة الروم الكاثوليك أنهم ينطلقون منذ البداية في الحياة الحزبية بثنائية عائلية
غسان سعود
لم يسبق لأهل طائفة الروم كاثوليك أن أدوا دوراً حزبياً بارزاً في الحياة السياسية اللبنانية. فكبار هذه الطائفة مثل هنري فرعون وجوزف سكاف وفيليب تقلا كانوا حذرين جداً في علاقتهم مع الأحزاب رغم دورهم الكبير، سواء على صعيد الزعامة الكاثوليكية (فرعون وسكاف)، أو على مستوى رسم السياسة الخارجية للبنان (تقلا). وقد أدى عدم وجود حزب كاثوليكي إلى توزع أبناء هذه الطائفة على مختلف الأحزاب اللبنانية: سليم تقلا كان في حزب الكتلة الدستورية، إلياس ربابة وميشال سماحة اختارا الكتائب اللبنانية، حبيب مطران ونصري معلوف انتسبا إلى حزب الوطنيين الأحرار، جوزف مغيزل كان كتائبياً ثم شارك في تأسيس الحزب الديموقراطي الذي لم يعش طويلاً، جوزف أبو خاطر كان شهابياً، سالم يوسف سالم بقي على الحياد وتمسك باستقلاليته، وإنعام رعد ترأس الحزب السوري القومي الاجتماعي.
لكن، اليوم تبدو الأمور مختلفة، فالقطبان الكاثوليكيان الأبرز، ميشال فرعون وإلياس سكاف، قررا «تنظيم حالتيهما الشعبيتين» بعدما خاضا، كل من موقعه (سكاف في زحلة وفرعون في الأشرفية)، الانتخابات النيابية الأخيرة تحت عنوان مواجهة عائلات مدينتيهما للأحزاب. وفي هذا السياق يبدو لافتاً حذر سكاف وفرعون في مقاربة الموضوع، وإنكارهما نيّة إنشاء تنظيمين حزبيين.
■ تنظيم الخسارة
مصادر سكاف ترى أن ثمة حالة شعبية عمرها أكثر من نصف قرن، ظهر في الانتخابات الأخيرة أنها تحتاج إلى تنظيم. لكن ذلك، وفق المصادر نفسها، لا يعني أبداً إنشاء حزب إيديولوجي أو تيار سياسي. ماذا إذاً؟ مجرد حالة تنظيمية تواكب سكاف أكثر وتنظم التواصل السياسي والاجتماعي والخدماتي مع القاعدة. والتركيز، بحسب المصادر نفسها، سيكون على زحلة خصوصاً والبقاع عموماً. مع لحظ استراتيجية متابعة للزحلاويين النازحين إلى بيروت وجبل لبنان.
ويفترض أن يكون قداس الذكرى الـ18 لوفاة والد سكاف، النائب والوزير السابق جوزف سكاف، غداً، المناسبة لإعلان الخطوط العريضة لنيات سكاف الجديدة. وتشير المعلومات إلى أن التنظيم الجديد سيكون أشبه بالحالة التنظيمية لحزب المردة بين عامي 1998 و2006، أي قبل إطلاق النائب سليمان فرنجية حزب المردة، إذ سيكون ثمة «دينامو» رئيسي يملك بنك معلومات وقدرة على «الأخذ والعطي». وهذا «الدينامو» الأقرب إلى مكتب النائب منه إلى المكتب السياسي، سينطلق باتجاه أحياء مدينة زحلة والقرى المجاورة لتعزيز التواصل الذي كاد ينقطع نتيجة ظروف عدة.
وتجزم مصادر سكاف بأن لا نية لإنشاء مكتب سياسي، ولا لفتح الباب أمام طلبات الانتساب أو إجراء انتخابات حزبية داخلية. هذه المعلومات يؤكدها رئيس بلدية زحلة، أسعد زغيب، الذي يرى أن وزير الزراعة إلياس سكاف يحاول ترتيب البيت الداخلي لحالته الشعبية، مشيراً إلى ضرورة إصلاح الوضع، لأن ماكينة سكاف في الانتخابات الأخيرة كانت تقليدية. أما الماكينة المقابلة، فكانت «خارقة وتعجيزية». ويلفت زغيب إلى ضرورة التفات سكاف إلى الثُغر وأماكن التقصير لإصلاح الوضع قبل موعد الانتخابات البلدية. هذه الانتخابات، بحسب مصادر قريبة من سكاف، هي المحفّز الأساسي لالتفاتة وزير الزراعة إلى أوضاع تياره في زحلة، حيث يتردد في عاصمة البقاع أن سكاف الذي تلقى بخيبة كبيرة نتائج الانتخابات النيابية، تعرض لانتكاسة ثانية تمثلت بقرار المعارضة استبعاده عن حكومة الوفاق الوطني المنويّ تأليفها. وتالياً، إن الانتخابات البلدية ستكون مفصلية بالنسبة إلى المستقبل السياسي لسكاف، فإما تستكمل الأكثرية انقضاضها على زعامته ويتلقى ضربة ثالثة قد تكون قاضية، أو ينجح في استعادة أنفاسه قليلاً. لكن «حزبنة» الحالة الشعبية «على ضرورتها» تثير مخاوف زحلاويين مقربين من سكاف، ويشير عدد من هؤلاء إلى 4 أسئلة أساسية على هذا المستوى:
1ـــــ كيف ستتعامل زحلة مع حالة عائلية منظمة هي الأولى من نوعها؟ وماذا سيقدم حزب خارج السلطة للمدينة؟
2ـــــ كيف ستوزع المهمات؟ وتالياً، كيف سيتعامل سكاف مع المتنافسين على المقعد نفسه في ظل اعتماد المنظمين الجدد على التعيين بدل الانتخاب، علماً بأن زحلة أشبه بقرية وتفعل الغيرة فعلها في العقول؟
3ـــــ ماذا سيحصّل الوزير سكاف إذا خسر التحدي ولم تنجح الخطة التنظيمية الجديدة، مع الأخذ في الاعتبار أن تجارب حلفائه، مثل الرئيس عمر كرامي، لم تكن موفقة على هذا الصعيد؟
4ـــــ كيف سيتصرف التيار الوطني الحر الذي يفترض أنه يعمل لاستيعاب السكافيين داخل صفوفه، أسوة بما تفعله القوات اللبنانية مع أبناء العائلات المتحالفة معها؟
مصادر سكاف ترى أن الأيام المقبلة ستجيب عن هذه الهواجس وتطمئن الغيورين، مشيرة إلى عدم إقدام سكاف على خطوة كهذه من دون دراسة كافية. ويشرح أحد المطّلعين على التنظيم المنويّ اعتماده أن ثمة تململاً كبيراً في زحلة بعد الانتخابات يبحث عن احتضان من سكاف، وثمة وسط أنصار سكاف خيبة تحتاج إلى معالجة. وبعد بحث دقيق تبيّن أن حركة تشبه الحزب ستكون الوسيلة الأفضل لمعالجة كل هذه الحالات.
■ تنظيم الانتصار
ميشال فرعون لا يحب الأحزاب أيضاً، ولا يحب أن يقال إنه ينشئ حزباً. فهو، بحسب قوله، ينشئ «حركة إنمائية سياسية» تجذب أنصار 14آذار الذين لا تعجبهم الأحزاب الموجودة ضمن قوى الأكثرية. وبسرعة، يوضح فرعون أنه ليس في صدد «منافسة الأحزاب، وخصوصاً أمين الجميل وسمير جعجع»، وهو يتوجه إلى مجموعات لا تعجبها في الأصل الأحزاب الموجودة اليوم.
فرعون الذي يحب إعطاء انطباع بأن زعامته «كاثوليكية على مستوى لبنان ومسيحية (أرثوذكسية ومارونية وسريانية وكاثوليكية) على مستوى بيروت، يشرح أن ثمة سببين أساسيين شجعاه على «تنظيم حالته الشعبية»:
1ـــــ وجود فراغ كبير، سواء على الصعيد الكاثوليكي أو على المستوى البيروتي.
2ـــــ شعور عدد من رجال الأعمال، أصدقائه، بأنّ في استطاعتهم تقديم المزيد للأشرفية إذا وجد الإطار المناسب.
هكذا، قرر المباشرة بالإعداد للتنظيم الجديد، طالباً من مجموعة اختصاصيين إعداد ملف عن وضع أبناء طائفة الروم الكاثوليك في إدارات الدولة اللبنانية لتكون متابعة هذا الملف إحدى أولويات التنظيم الجديد، على اعتبار أن «المطالبة بحقوق الكاثوليك هي مطالبة بحقوق المسيحيين». ويقول فرعون إن «صيغة العائلة السياسية يمكن أن تستمر في الألفية الثالثة، لكن نموها مشروط بوجود عمل مؤسساتي». فأين العمل المؤسساتي في ظل ارتباط هذه المؤسسة المفترضة بشخص فرعون؟ يجيب: «أنا موجود وأثبت نفسي، لكنني أقول بوضوح إنني لا أستطيع حمل التفاحات كلها في يد واحدة، وأدعو أبناء منطقتي إلى أن نعمل مع بعضنا باحترام أكبر، هذا كل شيء».
يبدو فرعون مطمئناً إلى تفوّقه على سكاف على صعيد الانتشار، فهو مثلاً قادر على أن يتواصل مع فريق عمل ناشط في جزين والزهراني والبقاع، أما سكاف فلا يسعى أصلاً في هذه المرحلة إلى التواصل مع غير الزحلاويين. ويبدو واضحاً في كلام المقربين من سكاف أن ثمة رغبة جدية في التوسع، مستفيدين من استقطاب فرعون لجزء مؤثر من الإكليروس الكاثوليكي وتمتين ارتباطه بالمرجعيات الروحية الأرثوذكسية في بيروت. ولا يخفي فريق عمل فرعون رهانه الكبير على مساندة الحلفاء، وخصوصاًَ القوات اللبنانية وتيار المستقبل، في تعزيز دعائم زعامته الكاثوليكية في جزين والبقاع، علماً بأنّ المهمة الرئيسية على هذا الصعيد تقع على كاهل فرعون نفسه، لأن إحصاءات الكنسية الكاثوليكية تؤكد أن أكثر من 65% من الروم الكاثوليك اللبنانيين يعيشون في الأشرفية.
أينجح أم يفشل؟ المطلعون على أوضاعه يؤكدون أنه حقق في الانتخابات النيابية الأخيرة أكثر ما يطمح كاثوليكي إليه، وهو أصلاً لديه فريق عمل خدماتي تبيّن وفق نتائج الانتخابات الأخيرة أنه يحسن القيام بعمله. وتالياً، إن «التنظيم» الجديد لن يخسره شيئاً، إما يربحه أكثر أو لا يؤثر لا سلباً ولا إيجاباً.
في النتيجة، يفترض أن ينتهي الأسبوع المقبل وطائفة الروم الكاثوليك قد انضمت إلى الطوائف الأخرى: زعيما الطائفة اللذان يتنافسان على تمثيل أكثرية أبناء الطائفة، نظما جماهير الطائفة، وبدأ السباق على من يهتف بصوت أعلى: «نحن هنا ونريد حصتنا من جبنة النظام».
العيون على بلدية زحلة
إذا حصلت الانتخابات البلدية في موعدها، فستشهد مدينة زحلة، كما يبدو من الحركة السياسية اليوم وأحاديث بعض الصالونات، معركة كبيرة بهدف تحجيم الوزير إلياس سكاف أكثر. فالنائب ميشال فرعون يضغط على تيار المستقبل ليضع ثقله في زحلة، وينسّق مع القوات اللبنانية والكتائب لتحقيق هذا الهدف الذي يترك له وحده الساحة الكاثوليكية. وحزب القوات اللبنانية يرى أن الحيثية الخاصة لسكاف هي آخر خط دفاع للمعارضة في وجه سيطرته جدياً على قلب البقاع. أما وزير السياحة، إيلي ماروني، فيرى أن مشكلة حزب الكتائب مع سكاف تجاوزت السياسة لتصبح بعد مقتل شقيقه شخصية أيضاً. ومن جهته، يُستفز تيار المستقبل من ملاحظته أن «الوزير سكاف وصديقه الجديد الرئيس إميل لحود» هما الوحيدان اللذان لم يماشيا المعارضة في انفتاحها على الرئيس المكلف سعد الحريري. وتالياً، لا بدّ من معاقبته.
هذه الآمال الكبيرة سيُخبيها النائب نقولا فتوش إذا لم يوزّر. فالمطلعون على مواقف الزعيم الكاثوليكي الزحلاوي الثاني بعد سكاف يؤكدون أنه إذا لم يوزّر في الحكومة المقبلة فسيعلن استقلاليته وسيعرف كيف يردّ الصاع صاعين للأكثرية في الانتخابات البلدية المقبلة، إذا عرف سكاف كيف يستوعبه.







